الاغتراب الثقافي



Rating  0
Views   846
حوراء عباس كرماش السلطاني
17/12/2020 12:32:23

يُعد الاغتراب ظاهرة إنسانية متعددة الأبعاد، وإنه لتزداد حدته ومجال انتشاره كلما توافرت العوامل
والأسباب المهيأة للشعور بالاغتراب نفسيًا واجتماعيًا ووجوديًا. لذلك يمكن اعتبار الاغتراب قضية بالغة الأهمية لكونها سمة من سمات الإنسان المعاصر، وهي تكثر لدى شبابنا الذين يعانون من عدم الاستقرار والضياع والقلق، ويتميزون بقلة تفاؤلهم تجاه تحقيق طموحاتهم. حيث درس الاغتراب كمتغير اجتماعي من حيث كونه حالة أو ظاهرة تؤثر سلباً على توافق الفرد مع محيطه، ودرس فلسفيًا لتأصيل وتوصيف المفهوم، وحاول النفسانيون توصيفه وتفسيره في دراسات الصحة النفسية والتوافق كحالة متطورة لعدم التوافق وعدم السواء لانفصال الذات عن الفرد والمجتمع، وكتب فيه الأدباء والمفكرون، وعمم هذا الاستخدام للمصطلح لوصف ظاهرة سلبية _هي موضوع البحث_ والتي تتمثل بانفصال، اغتراب وحدة بشرية عن حضارتها وثقافتها التي ترعرعت فيها وتلجأ لتصحيح هذا الاختلال لتبني طروحات ثقافية تمثل ثقافة مجتمع وحضارة أخرى غالبًا ما تكون طاغية.
إنَّ الاغتراب الثقافي من المشاكل النفسية والاجتماعية والاقتصادية المُعقدة التي يُعاني منها الكثير من الطلبة الجامعيين. وحدثت هذهِ المُشكلة نتيجة صدمة ثقافية إغترابية فرضتها أنساق من طفرات التغير الهائلة في مختلف جوانب الحياة ومكونات الوجود الاجتماعي والثقافي؛ وقد وصفت هذه التحولات الكبيرة في المجتمع الإنساني المعاصر تحت عناوين مثيرة وملفتة للنظر.
فالاختراعات التي أبدعها الإنسان في العقود الأخيرة من الزمن تفوق اليوم حدود التصور والتخيل، حيث تعيش الإنسانية عصراً متفجراً بالثورات العلمية الهائلة في كل المجالات، ثورة الميديا، وثورة الاتصال، وثورة الجينات، والثورة الرقمية، وثورة المعرفة، وغير ذلك كثير من الثورات التي تثير حالة الذهول البشري تجاه ما يتحقق من تقدم علمي أقل ما يوصف بأنه هائل وكبير ومخيف أيضاً. لذا أصبحت إشكالية الاغتراب الثقافي للطلبة الجامعيين تطرح نفسها في نسق المشكلات الاجتماعية والثقافية للعصر الذي نعيش فيه ،فقد أدت التغيرات العاصفة في ميادين الحياة الثقافية والتكنولوجية والعلمية إلى تغيرات عميقة في ذهن الإنسان وفي نظرته إلى الوجود وفي عمق بنيته النفسية، وتجلى الاغتراب الثقافي من خلال العديد من السلوكيات الغير مقبولة اجتماعياً، مثل الانسحاب الاجتماعي أو ما يسمى العزلة الاجتماعية والتي يترتب عليها عدم المشاركة في المسؤولية الاجتماعية والتمركز حول الذات والمصالح الشخصية ورفض القوانين والمعايير الاجتماعية والثقافية.
وهذا ما لاحظته الباحثة لدى الطالب الجامعي أثناء ممارستها مهنة التدريس مما أثار اهتمامها للبحث عن المشاكل النفسية التي يُعاني منها الطالب ومنها مشكلة الاغتراب الثقافي لما لهذه الشريحة من أهمية، ولتزويد المكتبة العراقية بالدراسات عن الطلبة الجامعيين. وبذلك تتلخص مُشكلة البحث الحالي بالإجابة عن السؤال الآتي:
- ما مستوى الاغتراب الثقافي لدى طلبة جامعة بابل؟
- أهمية البحثThe Importance of the Research) ):
تتجلى أهمية البحث الحالي بالمحاور الآتية:
أولاً- الأهمية النظرية:
- تكمن أهمية البحث الحالي في المشكلة التي يتناولها، والنتائج العلمية التي يتوصل إليها، من خلال تسليط الضوء على ظاهرة الاغتراب الثقافي لدى الطلبة في جامعة بابل. حيث تُعتبر المرحلة الجامعية من المراحل الحسّاسة التي يمر بها الطلبة، حيث الشعور بالمسؤولية، والسعي نحو النجاح، وتحقيق الأهداف التي يسعون الى تحقيقها، كما وتكثر المشاكل النفسية والاجتماعية والأكاديمية مما يؤثر على المستقبل ويتولد قلق تجاههِ.
- الوقوف على ظاهرة الاغتراب الثقافي وتوضيح جوانبها النفسية والاجتماعية، ودراستها في مجتمعنا في هذا الوقت الذي كثرت فيهِ الاختراعات التي أبدعها الإنسان التي تفوق اليوم حدود التصور والتخيل.
- لا توجد دراسة بين الدراسات- على حد علم الباحثة- تناولت ظاهرة الاغتراب الثقافي لدى طلبة جامعة بابل، مما يُبين أهمية إجراء مثل هذهِ الدراسة، لمعرفة مدى انتشار هذهِ الظاهرة لديهم.
- إن البحث يتجه نحو طلبة الجامعة وهم شريحة مهمة ومميزة في المجتمع، وهذا البحث تتجلى أهميتهِ في مساعدة هذهِ الشريحة في التعرف على الأسس الأولية للاغتراب الثقافي وما هي الأسباب الكامنة وراءهِ، والمشكلات التي تؤدي اليها، وكيفية التصدي اليها.
- الاغتراب الثقافي الذي يُعاني منه الطلبة الجامعيين كأي ظاهرة نفسية لها أسبابها ومبرراتها، ومن هُنا فأن البحث الحالي يحاول تحديد المظاهر السلوكية للاغتراب الثقافي وجعلها قابلة للقياس، كما يُسهم في محاولة إقتراح بعض الحلول للحد من انتشار هذهِ الظاهرة بين مجتمع الدراسة.

ثانياً- الأهمية التطبيقية العملية:
- تتمثل الأهمية العملية لهذا البحث، في العودة بالفائدة للدراسات في الجامعة، والتي تهتم برصد مشكلات الطلبة الجامعيين، على اعتبار أن هذهِ شريحة مهمة في المجتمع، والتي تُمكن المجتمع من التطور أذا كانت بصحة نفسية وتوازن نفسي جيدين.
- تساعد هذهِ الدراسة الباحثين الذين يرغبون بإجراء دراسات أخرى مُتشابهة ذات علاقة بالموضوع، على مستويات تعليمية أو عمرية اعلى أو أدنى من أفراد عينة الدراسة، فتكون الدراسة يُمكن أن يُستعان بها.
- يمكن للأخصائيين التربويين الاستفادة من نتائج البحث في اعداد برامج تربوية وارشادية.
- أهداف البحث (Research Objectives):
يهدف البحث الحالي التعرف على:
1- مُستوى الاغتراب الثقافي لدى الطلبة في جامعة بابل.
2- الفروق ذات الدلالة الإحصائية في مُستوى الاغتراب الثقافي لدى الطلبة في جامعة بابل تبعاً لمتغير الجنس(ذكور- إناث)، التخصص الدراسي(علمي- انساني).
- حدود البحث( (Limitations Research
يتحدد البحث الحـالي بطلبة جامعة بابل، لكلا الجنسيين(ذكور- إناث) وللتخصصين الدراسيين(علمي- إنساني) للدراسة الصباحية للعام الدراسي (2018).
- تحديد المُصطلحات:
1- الاغتراب الثقافي- تمّ تعريفهِ بتعاريف عدة منها:
- أريكسون(Erikson): بأنها عملية متعلمة من الواقع الثقافي والاجتماعي الذي يعيشه الفرد في مجتمعه وأن حالات التمرد والخروج عن الأعراف والقيم إنما تعبر عن أساليب الرفض الثقافية للمجتمع بل والشعور بالغربة والاغتراب ومد صور رفض الهوية الثقافية في " إظهار سلوكيات غير مألوفة في ثقافة المجتمع ، ومن الآثار السلبية المترتبة عن فقدان الهوية الشخصية أو الثقافية وظهور العديد من السلوكيات غير المقبولة مثل العزلة وعدم المشاركة في المسؤولية الجماعية، وتمركز حول الذات والانغلاق في دائرة الأهداف والمصالح الشخصية دون المصالح العامة ورفض القوانين والمعايير الاجتماعية والثقافية". (عبد الله،2001: 34).
- خيري(2006: 20) بأنه " أي تنازل للإنسان عن حقه الطبيعي في امتلاك ثقافته حرة متطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمع" موضحاً ما يقصد بذلك:
إراحة الذات: أي تنازل الإنسان طواعية عن حقه في النقد وتطوير ثقافته وتحويل آخرين بهذا الحق نيابة عنه. أما إرضاء المجتمع: فهي تنازل الإنسان عن " حق الطبيعي في نقد ثقافته و تطويرها.
- المختار(2009 :27) هو شعور يشعر به أي مجتمع أو أصحاب مرجعية حضارية معرفية معينة، إذ ينتابهم شعور أنهم يعيشون ويحيون بقيم و ممارسات لا يتوحدون معها ، الأمر الذي يشعرهم في أعماق نفوسهم بأنهم منفصلون عن هذه القيم والمرجعيات الحضارية الجديدة. ومن أهم مظاهره اضطراب الهوية الثقافية.
- زهران(2006: 111): بأنه الظاهرة التي تظهر من جراء التناقض بين المثل الاجتماعية والواقع الاجتماعي، بين قيم المجتمع الكامنة والتي تولد رغبات وطموحات لدى الفرد والبنية الاجتماعية التي تمنع تحقيق هذه الطموحات والتطلعات. ينجم عن هذا أن يعيش الأنا مجهولاً يتأثر بالعوامل الخارجية دون أن يتمكن هو من التأثير بدوره على العالم الخارجي، ومنه يصبح الاستلاب يعبر عن تلك الحالة الذهنية الناتجة عن عدم الرضا من جراء عدم تلبية الحاجات الرئيسية كالحاجة إلى إقامة علاقات اجتماعية و الحاجة لتملك هوية خاصة.
- التعريف الإجرائي للاغتراب الثقافي: الدرجة الكلية التي يحصل عليها أفراد عينة الدراسة من خلال إجابتهم عن فقرات مقياس الاغتراب الثقافي المُعد من قبل الباحثة.


وصف الــ Tags لهذا الموضوع   الاغتراب الثقافي