Please click on one of the flags to reset Reading-Direction if you consider the current setting invalid

الازمة المالية الاميركية...دوامة الشركاء

Views  5735
Rating  0

 جواد كاظم عبد نصيف البكري
07/11/2012 13:11:00
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper



أ.م.د. جواد كاظم البكري
جامعة بابل/كلية الادارة والاقتصاد


نتيجة لكون الاقتصاد الأميركي يمثل مركز الاقتصاد الرأسمالي وصاحب العملة الأعتى كونياً وهي الدولار فأن أية أزمة في هذا الاقتصاد سرعان ماتنتقل إلى أقطاب النظام الرأسمالي برمته سواء أكان في أوروبا أو أسيا بصورة سريعة، على العكس من ذلك فأن الأزمات التي تصيب الاقتصادات الأوروبية أو الآسيوية لاتنتقل بسهولة إلى الاقتصاد الأميركي أو لاتنتقل إليه على الإطلاق في أحيان كثيرة، وعلى رأي أحد الاقتصاديين (عندما يعطس الاقتصاد الأميركي فأن الاقتصاد العالمي يصاب بالزكام).
ومن المناسب الإشارة إلى أن جميع المدارس الفكرية التي ظهرت في العالم الرأسمالي قد أجمعت على حقيقة أساسية، ألا وهي أن النظام الرأسمالي مجبول على الأزمات الدورية التي تنتابه بين مدة وأخرى، وهي تتمحور حول ميل معدل الربح إلى الانخفاض باستمرار.
ويحدث هذا التدهور نتيجة التفاوت بين قدرة النظام الرأسمالي على الإنتاج والتراكم المالي من جهة وبين التدهور في القدرة على تصريف المنتجات واستهلاكها نتيجة سوء توزيع الدخل، وتدهور القدرة الشرائية لدى المستهلك، ثم تبدأ الدورة في انتشار الكساد وتجميد الأجور، وتسريح أعداد كبيرة من العمال، وتفاقم حدة البطالة وتراجع مستوى الاستثمار وارتفاع معدلات التضخم، ومن هنا يشرع النظام في البحث عن سبل تدبير أزمته بدلاً من علاجها إذ يكون الهدف هو الإنتاج ضمن نفس الشروط السابقة للعملية الإنتاجية والتراكم على الصعيدين الداخلي والخارجي ثم السقوط بعد ذلك في دورة جديدة وهلم جرى.
تتسم دورات الأعمال بمجموعة من السمات من أهمها سمة الدورية، ويقصد بالدورية أن الأزمات تتعاقب على النظام الرأسمالي في مدد شبه منتظمة، تطول أو تقتصر حسب نوع الدورة، وبصفه عامة فأن دورة الأعمال تتكون من أربعة مراحل وهي الرواج Boom ، الركود Recession ، الكساد Depression ، والانتعاش Recovery، وتأتي هذه المراحل الأربعة على شكل مدتين، تسمى الأولى التوسع Expansion وتضم مرحلتين هما الانتعاش والرواج، فيما تسمى الثانية الانكماش Contraction وتضم مرحلتين هما الركود والكساد، على أن قمة الدورة تدعى (القمة) peak وتأتي في نقطة التحول Turning Point في مرحلة الرواج، أما قعر الدورة وتسمى (القعر) trough فتأتي في نقطة التحول في مرحلة الكساد.
البداية أزمة العقارات الأميركية
تقدم المصارف الأميركية الخاصة بالاستثمارات العقارية نوعان من القروض، الأول هي القروض بضمانات ويتسم هذا النوع بانخفاض سعر الفائدة الذي يصل إلى 6% نتيجة مضمونية استرجاعه، أما النوع الآخر فهو القروض بدون ضمانات ويتسم بارتفاع سعر الفائدة إذ يصل إلى 14% وذلك نتيجة عدم تقديم الزبون لضمانات معينة لأسترجاعة، وقد ازداد النوع الثاني من القروض بصورة كبيرة، ومع هبط مستوى النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة ابتداءاً من عام 2006 وصعوداً وارتفاع نسب البطالة والتضخم فقد عجز اغلب المقترضين عن الوفاء بما في ذمتهم من الديون، الأمر الذي أدى إلى إعلان أربعة من أكبر مصارف التسليف العقاري في الولايات المتحدة إفلاسها، سرعان ما انتقلت هذه الحمى إلى أسواق البورصة الأميركية، إذ يمتلك عدد كبير من المستثمرين لأسهم في المصارف المذكورة باعتبارها شركات مساهمة الأمر الذي أدى إلى فقدان أسعار تلك الأسهم ووصلت إلى الصفر نتيجة إفلاس تلك المصارف.
انتقلت هذه المشكلة إلى الأسواق العالمية نتيجة لسببين، الأول أن بعض الشركات الأجنبية التي تستثمر في البورصة الأميركية تمتلك أسهم في تلك المصارف، والسبب الثاني هو توقعات المستثمرين بهبوط أسعار أسهمهم نتيجة لتلك المشكلة، الأمر الذي أدى إلى زيادة عرض الأسهم ومن ثم انخفاض أسعارها.
ولكن ما الذي أدى إلى تفجر الأزمة المالية العالمية؟ كانت غالبية المصارف تأمل أن يكون الأسوأ قد انتهى بالفعل بزوال أزمة العقارات الأميركية بعد تدخل البنك الفيدرالي الأميركي، وأن أزمة الائتمان قد ولت إلى غير رجعة، وظنت هذه المصارف أن بيع مصرفي “بيرستيرنز” و”جي بي مورجان” للتسهيلات لعقارية كان خاتمة الأزمة.
لكن ما تشهده الأسواق هذه المرة أشد واسوأ، إذ تم تقريباً تأميم اثنين من أكبر شركات الرهونات العقارية في أمريكا وهما “فريدي ماك” و”فاني ماي”، كما أفلس بنك “ليمان براذرز” lehman Brothers واضطر بنك “ميريل لينش” للقبول بصفقة بيعه لمصلحة “بانك أوف أمريكا” وتم أيضاً تأميم شركة التأمين “ايه اي جي” لتهتز جراء ذلك أغلب الأسواق المالية العالمية.
ويقف وراء عاصفة الائتمان الجديدة عاملين أساسيين، الأول: يتمثل في سلسلة من الخسائر الاقتصادية الملموسة والناتجة عن عجوزات سداد الرهونات العقارية في الولايات المتحدة، أما العامل الثاني فهو العامل النفسي، إذ فقد المستثمر الثقة في الأسواق بعد أزمة الرهونات العقارية، ولم يعد يصدق جدوى الآليات المالية الحديثة للقرن الحادي والعشرين مثل آليات تحويل القروض وتحويلها إلى سندات مركبة، بل وفقد أيضاً ثقته في قدرته على تقييم الدين بشكل حقيقي وفعّال .
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو أن حالات العجز عن السداد بدأت قبل أكثر من عام مضى، فلماذا تفجرت الأزمة مجدداً الآن؟والجواب هو أن المصارف قامت بشطب ما يزيد على 500 مليار دولار من الأصول وجمعت رسملة جديدة بقيمة 200 مليار حتى منتصف العام الجاري، إلا أن خسائر ائتمانية جديدة، بدأت تبرز مؤخراً مع تراجع قيمة الديون، وهذا أشعل مخاوف المستثمرين من المؤسسات المالية التي تتحمل أعباء قروض، وازدادت المخاوف توهجاً بعد إفلاس بنك “ليمان” الذي شكل صدمة للمستثمر الذي كان على ثقة من أن الحكومة الأمريكية ستقوم بدعم البنوك الكبرى ومنعها من الإفلاس .
أما شركة “ايه آي جي” فقد انضمت خلال العقد الجاري إلى عالم التمويل المركب، ولديها اليوم كمية ضخمة من السندات المرتبطة بالرهونات العقارية، وكانت قيمة هذه الأصول قد تراجعت بحدة في العام الماضي، لتدخل الشركة بذلك في أزمة مالية لم يكن من الممكن حلها قبل تدخل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بضخ سيولة بقيمة 85 مليار دولار في منتصف أيلول 2008.
وعندما تفجرت الأزمة للمرة الأولى وأوشك بنك بيرستيرنز على الإفلاس تدخلت الحكومة الأمريكية، لأنها كانت متأكدة من أن السوق لم يكن متأهباً لمثل هذا الأمر فخشيت أن يحدث ذلك هزة حادة في الأسواق، أما هذه المرة فرأت الحكومة أن النظام المالي بعدما تعرض له في الأشهر الأخيرة بات أكثر استعداداً لمواجهة إفلاس بنك كبير مثل “ليمان براذرز” .
لكن الوضع بالنسبة لشركة “ايه آي جي” كان مختلفاً تماماً، فهي من ناحية أكبر من بنك “ليمان براذرز” كما أن سقوطها سيكون مدوياً وسيأخذ في طريقه الكثير من المؤسسات والبنوك التي تؤمن على سنداتها لدى الشركة .
وهنا يصعب التكهن بما ستأتي به الأيام القادمة، خاصة مع وجود تأثيرات سلبية تتراكم مع الوقت، أبرزها تأثير الأزمة التي تعانيها المصارف الكبرى على الاقتصاد الحقيقي الأمر الذي من شأنه أن يفاقم خسائر الائتمان، وبالإضافة إلى ذلك فإن الأزمة سوف تضطر بنوك ومؤسسات مالية أخرى إلى بيع أصولها بأثمان بخسة لتتراجع بذلك أسعار الأصول وتتنامى خسائر الائتمان وتتراجع الثقة أكثر فأكثر في الأسواق، علماً أن أرقام الحقيقية للخسائر لم يتم الإعلان عنها خشية من ظهور آثار سلبية كبيرة على القطاع المالي، إذ أن القيمة المتوقعة للخسائر بحسب صحيفة الفاينانشال تايمز تصل إلى 64 تريليون دولار، وأن البنوك المركزية لدول الغرب ضخت إلى الأسواق سيولة ضخمة تهدف لتوفير التمويل قصير الأمد للبنوك، إلا أن هذه الخطوة لا يمكن بالطبع أن تكفي لاجتثاث مخاوف المستثمرين مع تنامي الخسائر الائتمانية وتزايد أجواء التشاؤم .
ولذلك يرى بعض الخبراء والمحللين أن الحكومة الأمريكية سوف تقوم بتأميم أجزاء من النظام المالي كما فعلت مع شركة “ايه آي جي” . أما البعض الآخر فيتجه إلى أن بإمكان الحكومة شراء السندات يشكل مصدر قلق .
ويذكر أن البيع على المكشوف هو أحد أساليب تداول الأوراق المالية في البورصة، حيث يبيع مستثمرون أسهم كانوا قد اقترضوها من أصحابها خوفاً من انخفاض قيمتها، وفي حالة انخفاض قيمتها بالفعل يعيد المستثمرون شراءها بالسعر المنخفض مما يحقق لهم مكاسب كبيرة، وهناك اعتقاد واسع بأن أسلوب البيع على المكشوف يلعب دوراً مهماً في أزمة الائتمان العالمية الراهنة، وقد فرضت الولايات المتحدة وبريطانيا وعدد آخر من الدول حظراً على هذه العمليات بالفعل.
آثار الأزمة على الاقتصاد الأميركي:
جلبت الأزمة الحالية العديد من الآثار السلبية على لاقتصاد الأميركي بصورة خاصة وعلى المكانة العالمية للولايات المتحدة الأميركية على الساحة الدولية بصورة عامة، إذ بدأت العديد من الدول الرأسمالية الكبرى من مثل (ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، اليابان) تلقي باللائمة على الولايات المتحدة من تلك الأزمة نتيجة سوء الإدارة المالية، ومن هذه الآثار الآتي:
• إعادة توطين الاستثمارات إلى خارج الولايات المتحدة: من المتوقع أن تتغير نظرة وسلوك الاستثمارات الأجنبية داخل الولايات المتحدة لاسيما المرتبطة بصناديق الثروة السيادية تجاه دخول الأسواق الغربية من جراء الأزمة المالية التي تعصف بالاقتصاد الأميركي، وسط آمال معلقة على إعادة توطين تلك الاستثمارات، لتستفيد من الفرص المتاحة في الأسواق الناشئة التي تقدم للمستثمرين فرصاً استثمارية أقل مخاطرة مقارنة بالفرص المتوفرة في الولايات المتحدة الأميركية.
• أن زيادة عدد المنازل التي سيتم بيعها بالمزاد بسبب تخلف أصحابها عن تسديد القروض ستؤدي إلى خسارة اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات العام القادم في المدن الأميركية الرئيسية، فمن المتوقع أن تخسر ولاية نيويورك 10.4 مليارات دولار بسبب تدني النشاط الاقتصادي في 2008, بينما ستخسر لوس أنجلوس 8.3 مليارات دولار ودالاس وواشنطن 4 مليارات دولار لكل منهما وشيكاغو 3.9 مليارات دولار.
• أن انخفاض الاستثمارات في المساكن وانخفاض الإنفاق في صناعة الإنشاءات وهبوط إنفاق المستهلكين بسبب انخفاض قيمة المنازل سوف تؤدي مجتمعة إلى هبوط النشاط الاقتصادي.
• أن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة سينخفض في 2008 بنسبة 1.9% أو ما يمثل 166 مليار دولار بسبب الأزمة، والناتج المحلي الإجمالي هو قيمة السلع والخدمات المنتجة في الدولة ويعتبر أفضل مؤشر على صحة الاقتصاد.
• من المتوقع انخفاض قيمة العقارات بالولايات المتحدة بمقدار 1.2 تريليون دولار في 2008 لأسباب من بينها بيع المنازل بالمزاد بسبب إخفاق المالكين في تسديد القروض، مع احتمال انخفاض أسعار المنازل بمعدل 7%.
خطة إنقاذ مأزومة
على الرغم من إقرار الكونغرس الأميركي لخطة الإنقاذ التي اقترحتها الإدارة الأميركية بقيمة 700 مليار دولار، والتي تعثرت في بداية الأمر بسبب التجاذبات بين الحزبين الرئيسين الجمهوري الذي يمتلك البيت الأبيض والديمقراطي الذي يهيمن على الكونغرس، إلا أنها لم تُساهم بشكل فعًال في إنقاذ الاقتصاد الأميركي من براثن الأزمة المالية.
من جانب آخر سارعت المصارف المركزية على مستوى العالم إلى اتخاذ إجراءات لتهدئة التوتر في الأسواق، خصوصاً مع مسارعة المستثمرين إلى الانسحاب من المؤسسات المالية المكشوفة على «بنك ليمان براذرز». وخصص مجلس الاحتياط (المركزي الأميركي) مع مصارف رئيسية سيولة بقيمة 200 مليار دولار، من بينها 70 مليار دولار من أمواله، لدعم 50 مصرفاً اميركياً أو دولياً يمكن أن تُفاقم الأزمة إذا تعثر بعض منها في حين أمن المركزي الأوروبي 30 مليار يورو إضافة إلى 60 مليار يورو تم تخصيصها مصارف أوروبية لمواجه الأزمة. وأعلن «بنك انكلترا» صباحاً تخصيص 5 مليارات إسترليني لدعم «المتعثرين»، ذكر أنها رُفعت إلى 20 ملياراً في وقت لاحق تحسباً لانكشاف 30 مصرفاً على أزمة «ليمان».
وقررت الإدارة الأميركية تخصيص نحو 150 مليار دولار من خلال خطة حوافز مالية تتضمن إعفاءات ضريبية مدتها سنتين منها 100 مليار للأفراد و 50 مليار للشركات. يهدف هذا الإجراء إلى زيادة الاستهلاك لتنشيط الاقتصاد.
ولكن هذا المبلغ لا يغطي سوى 1.5% من الديون الفردية العقارية و 0.3% من ديون الشركات وبالتالي لا يكفي لمعالجة الأزمة مما يفسر استمرار هبوط المؤشر العام في البوصات العالمية بعد إعلان هذه الحوافز المالية.
كما أجرى مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) تعديلاً على أسعار الفائدة قدره 0.50 نقطة مئوية لتصل النسبة إلى 3%. ويهدف هذا الإجراء إلى تسهيل اللجوء إلى القروض المصرفية للاستثمار وحث الأفراد على زيادة الإنفاق.
ودخلت الولايات المتحدة في دوامة الأزمات المالية التي تستوجب في كل مرة تقليص سعر الفائدة وسيفقد البنك المركزي أحد أهم أدواته لمعالجة هبوط قيم الأسهم عندما يصل سعر الفائدة إلى الصفر كما هو الحال في اليابان.
وكان سعر الفائدة الأميركية في عام 2007 بمقدار 4.2% ونسبة التضخم 3.2% أي أن السعر الحقيقي للفائدة (السعر الاسمي بعد طرح نسبة التضخم) إيجابي قدره 1%. وفي مطلع عام 2008 وبسبب الأزمة المالية الأخيرة انخفض سعر الفائدة إلى 3% وارتفع معدل التضخم إلى 4.1% ليصبح سعر الفائدة الحقيقي سلبياً قدره - 1.1%.
آثار الأزمة على الاقتصاد العالمي
أن النفط الخام وقع فريسة الأزمة المالية الدولية الحالية، وتراجع في بداية حدوثها إلى ادني مستوياته منذ سبعة شهور مسجلاً خسارة تجاوزت الخمسين دولاراً منذ الذروة التي بلغها في تموز الماضي عندما حقق 147 دولاراً للبرميل، إذ وصل سعره إلى 96 دولار للبرميل في 30 أيلول 2008.
من ناحية أخرى فأنه على إثر هبوط قيم الأسهم في وول ستريت انخفض المؤشر العام للقيم بنسبة 7.1% في فرانكفورت و 6.8% في باريس و 5.4% في لندن و 7.5% في مدريد و 3.8% في طوكيو و 5.1% في شنغهاي و 6% في ساوباولو و 9.8% في الرياض و 9.4% في دبي و 3% في بيروت و 4.2% في القاهرة.
وانتقلت عدوى الأزمة الأميركية إلى جميع أنحاء العالم مع ملاحظة أن نسبة التراجع لم تكن على وتيرة واحدة، وهبط المؤشر العام حتى في دول لا توجد فيها استثمارات أميركية في البورصة كالسعودية بنسبة تفوق هبوط المؤشر العام في بلدان أخرى لا تضع قيوداً على الاستثمارات الأجنبية ومن بينها الأميركية كأوروبا.
كان انفجار الفقاعة العقارية الأميركية عاملاً مهماً لهبوط أسهم الشركات الأخرى غير العاملة في القطاع العقاري، في حين لا وجود لمثل هذا العامل في دول أخرى ومع ذلك هبطت أسهم شركاتها العقارية وغير العقارية، فالأسهم التي أصابها تدهور شديد في الخليج لا علاقة لها بالأنشطة العقارية بل بالاستثمارات البتروكيمياوية أي بسلع التجارة الخارجية، وحتى على افتراض معاناة القطاع العقاري من مشاكل مالية على الصعيد العالمي فمن غير المعقول أن تستفحل الأزمة وتنهار الأسهم في العالم في نفس اليوم إذ أن الأسواق المالية في المدن المذكورة أعلاه ليست فروعاً لوول ستريت.
وانطلاقاً من هذا الملاحظات العامة يمكن تحليل عالمية الأزمة المالية بالاعتماد على ثلاثة عوامل يتعلق العاملان الأول والثاني بمختلف بلدان العالم ويرتبط العامل الثالث بالدول التي تتبع سياستها النقدية نظام الصرف الثابت مقابل الدولار، وتصب جميع العوامل في محور واحد وهو فقدان الثقة بالسياسة الاقتصادية الأميركية.
العامل الأول والأساس هو ظهور بوادر الكساد الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمر الذي ينعكس على صادرات البلدان الأخرى وعلى أسواقها المالية، فالولايات المتحدة اكبر مستورد في العالم حيث بلغت وارداتها السلعية 1919 مليار دولار أي 15.5% من الواردات العالمية (إحصاءات التجارة الخارجية لعام 2006 الصادرة عن منظمة التجارة العالمية).
أما العامل الثاني فهو تعويض الخسارة حيث اعتاد بعض أصحاب رؤوس الأموال الاستثمار في عدة أسواق مالية في آن واحد، فإذا تعرضت أسهمهم في دولة ما للخسارة فأن أسهمهم في دولة أخرى قد لا تصيبها خسارة.
وفي حالات معينة عندما تهبط أسهمهم في دولة ما فسوف يسحبون أموالهم المستثمرة في دولة أخرى لتعويض الخسارة أو لتفادي خسارة ثانية، وتتم عمليات السحب الجماعي في الساعات الأولى من اليوم الأول لخسارتهم.
في بعض البلدان العربية كمصر والسعودية هبط المؤشر العام بسبب هذه العمليات التي قام بها مستثمرون في هذين البلدين نتيجة خسارتهم في ول ستريت.
وفيما يتعلق بالعامل الثالث فيتمثل بالخوف من هبوط جديد وحاد لسعر صرف الدولار الأميركي مقابل العملات الرئيسة الأخرى، وهبطت قيم الأسهم بين مطلع عام 1987 ومطلع عام 2008 في الولايات المتحدة سبع مرات بنسب عالية، وفي كل مرة يتراجع سعر صرف الدولار مقابل العملات الأوروبية بسبب لجوء البنك المركزي الأميركي إلى تخفيض أسعار الفائدة.
وهذا التراجع يعني خسارة نقدية للاستثمارات بالدولار سواء في الولايات المتحدة أم خارجها، وتحدث هذه الخسارة أيضاً وبنفس النسبة في البلدان التي تعتمد عملاتها المحلية على سعر صرف ثابت أمام الدولار كما هو حال غالبية أقطار الخليج العربي، وعلى هذا الأساس فأن أية أزمة مالية في الولايات المتحدة تقود إلى سحب استثمارات من هذه الأقطار لتتوطن في دول أخرى ذات عملات معومة كأوروبا وبلدان جنوب شرق آسيا.
هل من ضوء يلوح في الأفق؟
لم تنتهي الأزمة المالية العالمية حتى بعد مرور أكثر من أسبوعين، وما زالت تهدد بشكل مباشر البني الاقتصادية والمالية على مستوى الدول الصناعية وعلى المستوى العالمي، ورغم التدخل المشترك والمتزامن للعديد من الحكومات والمؤسسات النقدية الأمريكية والأوروبية واليابانية وضخ ما يزيد حتى الآن عن 150 مليار يورو كسيولة نقدية في آلية المعاملات المصرفية العالمية لتجنب مزيد من التوتر في أسواق المال فان خبراء الشؤون النقدية يجمعون على استمرار الطابع الخطير للازمة الحالية ويتوقعون موقفا دقيقا وربما حاسما خلال الفترة القصيرة القادمة.
فمن المتوقع أن تظل عمليات التداول " متقلبة " خلال الأسابيع المقبلة في معظم الأسواق العالمية مع سير البورصة الأميركية على نهج سوق وول ستريت، فالأسواق العالمية تتخذ حركتها من الولايات المتحدة، إذ أن هناك تأثيرا للعدوى لأن العمليات الضخمة التي تجرى في البورصات الآسيوية والأوروبية تتم من جانب مستثمرين عالميين، وإذا ما تراجعت السوق الأميركية فإن المستثمرين الأجانب سوف يفترضون عادة وجود مخاطر أكبر في الأسواق الناشئة.
إن الكشف عن خصوصية الأزمة الحالية التي اندلعت وما زالت مشتعلة يستدعي ضرورة تفسيرها من خلال تحديد أسبابها بشكل صحيح، على صعيد الأزمة الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد الرأسمالي اليوم، يمكن القول أن الخاصية المميزة في هذا المجال هي الاختلاف الجذري بين المدارس الاقتصادية في تفسير أسباب الأزمة وتحديد الحقل أو الطور الذي تندلع فيه في عملية إعادة الإنتاج الرأسمالية، وهنا يمكن تمييز اتجاهين أساسيين هما:
• الاتجاه الأول: يعتبر أن دورات الأعمال أزمات Crises تعيق النشاطات الطبيعية في الاقتصاد وبذلك فأنها بمثابة خلل بنيوي، وقد كان أغلب الاقتصاديين النيوكلاسيك يؤمنوا بهذا الاتجاه.
• الاتجاه الثاني: ينطلق هذا الاتجاه في تفسيره لدورة الأعمال من فكرة إن النظام الاقتصادي يبدأ في الحركة والنمو ولكن بصورة تقلبات دورية ارجع أسبابها إلى عاملين، الأول: ظهور ابتكارات حديثة في مختلف مجالات الإنتاج، والثاني: نشاط حركة الائتمان لتمويل هذه الابتكارات .
ولذلك فأن مرحلة التوسع Expansion Period تتسم بظهور موجه واسعة من التجديد والابتكار تدفع إلى التوسع في الأنفاق على الاستثمار وقيام البنوك التجارية بتمويل موجة التوسع في الأنفاق الاستثماري عن طريق التوسع في الائتمان الذي يُمنح للمنظمين المبتكرين في صورة قروض، غير أن موجة التوسع لابد أن تصل إلى نهايتها لتبدأ مرحلة الانكماش Contraction Period لأن القوى التي دفعت إلى موجة التوسع تعمل بدورها في الاتجاه المضاد، وقد كان أصحاب المدرسة النقدية من أبرز مؤيدي هذا الاتجاه.
إن الملاحظات السابقة تتيح الإشارة إلى أن التحليل الصحيح للازمة التي هي موضوع حديثنا (الأسواق المالية العالمية) يستحث أن تُرجع " التذبذبات " الحادة التي عاشتها أسواق المال والبورصات العالمية على مدى الأيام الأخيرة إلى جملة من الأسباب وليس إلى عامل واحد من جهة، وهي من جهة ثانية ليست نتاج التناقضات الحاصلة في حقل التداول فقط وإنما هي امتداد لما يعتمل به حقل الإنتاج من تناقضات كامنة مرة ومضمرة مرة أخرى. وبالانتقال من المجرد إلى الملموس يمكن الإشارة إلى جملة أسباب تفسر الأزمة التي عاشتها الأسواق المالية العالمية خلال الفترة الماضية، من بينها:
• التباطؤ في وتائر نمو قطاع الإسكان في الولايات المتحدة، وهذا يعني أن المشكلات القائمة في سوق القروض العقارية الأمريكية أثارت مخاوف المستثمرين. فخلال السنوات السابقة كانت هناك حالة من الانتعاش في أرباح الشركات وأسعار المنازل. وكان من بين العوامل التي ساهمت في تحقيق هذا الانتعاش، انخفاض سعر الفائدة، مما أدى إلى انخفاض تكلفة الاقتراض بالنسبة للأفراد وبالنسبة أيضا للشركات، لتمويل عمليات الاستثمار وشراء العقارات. غير أن الأشهر الأخيرة شهدت ضعفا ملحوظا في أداء الاقتصاد الأمريكي وبالتالي بروز مشكلات في سوق القروض العقارية الأمريكية مما أثار مخاوف المستثمرين. وقد أدى هذا الوضع إلى اهتزاز أسواق المال والبورصات العالمية نتيجة مخاوف من أن تنتقل المشكلات التي يعاني منها القطاع العقاري الأمريكي إلى بقية أسواق العالم. وارتباطا بذلك يبدو أن عهد القروض الرخيصة ولى، إذ أن البنوك المركزية في اقتصاديات هامة تقوم برفع أسعار الفائدة، مثل بنك إنكلترا والبنك المركزي الأوروبي.
• وجود مخاوف من أن ارتفاع أسعار الفائدة سيؤدي إلى انخفاض الأرباح التي تحققها الشركات الكبيرة، كما ستضر بالصفقات الكبيرة التي تتعلق بشراء شركات عملاقة لشركات أصغر، وتضر بالقدرة الشرائية. ويخشى المستثمرون من أن تكون حقبة القروض الميسرة لتمويل صفقات شراء الشركات قد انتهت.
• الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار النفط خلال الفترة الماضية الذي ينعكس في ارتفاع تكلفة الطاقة وبالتالي ارتفاع مستويات الأسعار بشكل عام، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم.
• وهناك قلق في الأسواق من أن رفع معدلات الفائدة، في ظل مساعي البنوك المركزية لكبح جماح التضخم، سيؤدي إلى زيادة تكلفة الاقتراض وبالتالي انخفاض أرباح الشركات، الأمر الذي انعكس على أسعار الأسهم.
ويبدو أن الخطر الفعلي يكمن حاليا في أن تستمر تفاعلات الأزمة العقارية الأمريكية في التأثير على أسواق المال وتحوله إلى أزمة نقدية يصعب التحكم فيها بوسائل تقليدية داخل أسواق المال التي تخشى أزمة سيولة وما قد يترتب عنها من انهيار للأسهم والسندات.
وبالرغم من أنه من المبكر جدا إجراء أي تقييم للآثار التراكمية للازمة الحالية، غير انه يمكن الاستنتاج بأنه سيكون لهذه الأزمة آثار بعيدة المدى على قطاعات مختلفة. ونظرا لان القانون الناظم للتطور الحالي هو قانون التطور المتفاوت فانه يمكن الاستنتاج أن تكاليف الأزمة الحالية لن تتوزع بالتساوي على البلدان والقطاعات الاقتصادية بل سيسحق الكبار من المضاربين " المستثمرين والمضاربين " الصغار، وبالتالي سنكون أمام موجة انكماش جديدة.
وخلاصة القول، إن الأزمة التي شهدتها الأسواق المالية العالمية أخيرا هي واحدة من تجليات ظاهرية لازمة تعتمل في حقل الإنتاج وتتمظهر في " تقلبات وتذبذبات " حادة تشبه عملية طحن قوية. وهذا يعني أن الأزمة البنيوية ما زالت " على قيد الحياة " وليس كما يصورها إيديولوجيو الليبرالية الجديدة بأنها غادرت المسرح إلى غير رجعة ، ومنها التصريحات الألمانية والروسية، والتي كانت الأقوى للخور الأميركي القادم وملامح بروز أقطاب اقتصادية أخرى ستنشط على واقع تلك الأزمة.


  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • الازمة المالية العالمية