Please click on one of the flags to reset Reading-Direction if you consider the current setting invalid
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper


شرعية البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) بين نصوص القرآن ومصادر التراث الاسلامي
legitimacy of crying for Imam Hussein between Koran texts and Islamic heritage sources

اCrying -Imam Hussein(Pbuh) - Prophet Mohammad(Pbuh)

م.د علاء حسين ترف م. سليم عباس جاسم
كلية الدراسات القرآنية كلية التربية للعلوم الإنسانية
قسم علوم لقرآن قسم التاريخ



1439هـ 2017م
الملخص باللغة العربية
اهتمت الدراسات التأريخية في القرآن الكريم بالعديد من الجوانب الانسانية، حيث دُرِسَت فيه شعيرة من الشعائر الانسانية هي شعيرة البكاء، إذ ان القرآن الكريم قد ذكرها في العديد من نصوصه كذلك في أحاديث الرسول الكريم محمد?، فقد بيّنا العديد من الأحاديث والروايات على حث الرسول الكريم محمد? على البكاء، والمدح والثناء للباكين وبكاء السموات والأرض على الإمام الحسين? ، وبكاء الرسول? وأهل بيته على الإمام الحسين?.
كما تطرقنا الى ان البكاء حالة وجدانية وانسانية منذ عهد آدم? ولن تنسى وهي حالة وجدانية فطرية للطبيعة الانسانية، لذلك فكل الأنبياء هم بكاءون وهذا ما عبَّر عنه الرسول الكريم محمد? نحن معاشر الأنبياء فينا البكاء.
Abstract
Many historical studies dealt with a lot of humanitar aspects in the holy Quran. One of these studies was about the crying ritual for being mentioned in its verses as well as the prophet s sayings. Some of the prophet (Pbuh) saying traditious the believers to cry. These sayings reved praise to the weeping of the ground and the sky as well as the prophet s cry for the affliction of Imam Hussein(Pbuh) .
This study focused on the emotional and humanitarian studies of crying since Adam s time and that it is innate and natural. The prophet Muhammad (pbuh) mentioned that all prophet and messengers used to cry.

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على ابي القاسم محمد وعلى آله وصحبه ومن ولاه الى قيام يوم الدين .
أهتمت الدراسات التاريخية في القرآن الكريم بالجانب الشخصي للأنبياء (عليهم السلام)، وموقف الأقوام من رسالتهم وأبرز دراسة تاريخية في القرآن، دُرِسَت فيه شعيرة من الشعائر الانسانية هي دراسة شعيرة البكاء.
هنالك عدد من الدراسات التاريخية في كتب الإخباريين العرب، منها دراسة للباحث صلاح محمد السوداني( )، ( الحياة لاجتماعية في الحجاز قبل الاسلام)، بين فيها الباحث أن النياحة كانت فقط على الميت، والمعلومات التاريخية قليلة جداً، لا تتوافق مع حجم هذه الشعيرة، وانها اهتمت بالجانب العقائدي ليس إلا.
كذلك هناك دراسة في كتب الحديث للباحث علي عادل هاشم( )، تحت عنوان (احوال العرب الاجتماعية من خلال صحيحي البخاري ومسلم)، درس شعيرة النياحة فقط من الجانب العقائدي وبيان حرمة النياحة، فضلاً عن ذكر القليل من الروايات التاريخية.
بيد أن القرآن الكريم فيه عدد من النصوص التي تذكر وجود البكاء، فقد تم اختيار دراسة هذه الشعيرة الإنسانية تحت عنوان (شرعية البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) بين نصوص القرآن ومصادر التراث الاسلامي).
الدراسة قسمت على مقدمة وضحنا فيها سبب اختيار البحث وتناولنا في المبحث الأول البكاء وجذوره في اللغة والاصطلاح وعند الانبياء، فضلاً عن البكاء في القرآن الكريم، اضافة الى البكاء عند العراقيين والمصريين القدماء، وأيضاً عند سكان شبه جزيرة العرب.
أما المبحث الثاني فقسمت فيه بكاء النبي (صلى الله عليه وآله) على أعمامه واولاده واصحابه، فضلاً عن بكائه على الإمام الحسين (عليه السلام)، وما هو موقف الرسول (صلى الله عليه وآله) من الأحاديث التي توضح إباحة هذه الشعيرة، وبيان أن البكاء هو مباح حتى على الموتى بنصوص أحاديث الرسول محمد (صلى الله عليه وآله).
ومن الصعوبات التي واجهها الباحثان هي: أن المعلومات التاريخية فيما يخص هذه الشعيرة قليلة جداً، وهذا ما جعل الباحثان يلجأن إلى كتب الحديث لبيان حالة البكاء ووجدوها عند الأنبياء .
وآخر دعوانا عسى ان نكون قد وفقنا في هذا البحث والدراسة والحمد لله رب العالمين ومن الله التوفيق.









المبحث الأول
البكاء في اللغة والاصطلاح
قبل الخوض في مفردات البحث والدراسة، ينبغي أن نوضح معنى البكاء في اللغة والاصطلاح، لتوضيح أن المعنى العام هو ليس النياحة.
"فالبكاء يقصر ويمد، إذا مددت أردتَ الصوت الذي يكون مع البكاء، وإذا قصرتَ اردتَ الدموع وخروجها"( ).
في اللغة البكاء مشتق من الفعل بكى يبكي بكاءاً( ).
فالبكاء بالمد سيلان الدموع على حزن وعويل( )، وهذا ما جاء على لسان حسان بن ثابت( )، في وصف بكاء كعب بن مالك( )، في أبيات منها:
بكت عيني وحق لها بكاها
وما يغني البكاء ولا العويل( )

فالبيت الشعري يبين أن البكاء حق من حقوق العين، وهذا ربما للطبيعة النفسية للإنسان، ولاسيما وهو يخوض تجربة الحياة بكل عنفوانها، لذلك ذكر ابن الاثير( ) حديثاً يصف فيه حالة البكاء عند الأنبياء، إذ جاء فيه " نحن معاشر الأنبياء فينا البكاء" فإذا كان الأنبياء وهم المصطفون وجدت فيهم هذه الشعيرة فما حال الإنسان العادي، الذي لا يملك شيئاً إلا الرحمة من عند ربه.
وقد يكون احتياج الإنسان إلى هذه الرحمة من خلال البكاء ، إذ جاء على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) : " هذه رحمة وإنما يرحم الله عباده الرحماء " ( )، وهذا ربما جاء نتيجة الفوائد المتأتية منه، فإن الفائدة الكبرى في مرحلة الطفولة تأتي كون أدمغة الأطفال فيها رطوبة إن بقيت فيها أحدثت احداثاً جليلة، وعِللاً عظيمة من ذهاب البصر وغيره، فالبكاء يسيل تلك الرطوبة من رؤوسهم ( ).
ويمكن القول ان البكاء هو غير منافٍ للصبر ولا للرضا بالقضاء، إنما هو طبيعة بشرية وجبلة إنسانية ورحمة إلهية لا حرج في إظهارها ولا ضرر في إخراجها، ما لم تشتمل على أحوال تأذن بالسخط وتنبئ عن الجزع ( )، ولذلك نهى عن اللطم والنوح، وأن يطلق لسان المرء فيما يسخط ربه ( ).
1-جذور البكاء عند الأنبياء (عليهم السلام):
أخذ الأنبياء (عليهم السلام) أوفر رحمة من الله ألا وهي البكاء، فكان في قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم ( )؛ لذا سوف نوضح كيف كان البكاء عندهم، على الرغم من اختلال أمر وأجر كل منهم.
فذكر الصالحي الشامي ( ):" إن النبي آدم (عليه السلام) حينما خرج من الجنة بكى اربعين صباحاً ساجداً على الجنة، وكان على خديه أثر مثل النهرين العجاجين العظيمين من الدموع" ، وقد روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود ونوح (عليهما السلام) إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر"( )، أي أن بكائه عظيم وكبير وهو أبو البشرية جمعاء، وقد قارنه الرسول (صلى الله عليه وآله) بأحفاده من الأنبياء وفاقهم، فإذا كان آدم (عليه السلام) هو أكثر البكائيين فكيف بالعباد.
وبين الصالحي الشامي( )" إن بكاء قابيل على أخيه هابيل دام أربعين ليلة، وبكاء السيدة هاجر (عليها السلام) قد ذكر في نص التوراة :" فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت" وبكاء يعقوب (عليه السلام) على ولده يوسف (عليه السلام)" وبكاء موسى (عليه السلام) على قومه، وهو بكاء الرحمة واللطف لأمته وأن النبي (صلى الله عليه وآله) أراد بالبكاء أن يرحم الله أمته بركة القبول والتوحد في هذه الساعة ( )، وبكى النبي شعيب (عليه السلام) من حب الله حتى عمي، فيذكر الصدوق ( ) رواية عن الزهري( ) عن أنس قال : "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بكى شعيب (عليه السلام) من حب الله عز وجل حتى عمي، فرد الله عز وجل عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره ,ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره, فلما كانت الرابعة أوحى الله إليه: يا شعيب ، إلى متى يكون هذا أبدا منك، إن كان هذا خوفا من النار فقد أجرتك، وإن يكن شوقاً إلى الجنة أرحتك، قال إلهي وسيدي أنت تعلم أني ما بكيت خوفاً من نارك ولا شوقاً إلى جنتك، ولكنت عقد حبك على قلبي فلستُ أصبر أو أراك. فأوحى الله جل جلاله إليه: أما إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا سأخدمك كليمي موسى بن عمران" .
أما النبي عيسى (عليه السلام) " فإنه حينما علم بموت أمه بكى، جاء من الجبل إلى قرية من قرى بني إسرائيل، فنادى بصوت حزين، السلام عليكم، وأضاء وجهه لهم، قالوا له: من أنت ؟ قال : أن روح الله عيسى بن مريم، إن أمي ماتت غريبة فأعينوني على غسلها وكفنها ودفنها، فقالوا، يا روح الله ان هذا الجبل كثير الأفاعي لم يسلكه أباؤنا وأجدادنا منذ ثلاثمائة سنة ، فهذا الحنوط والكفن فسر، فتولى عيسى (عليه السلام) غسلها فرأى جبرائيل وميكائيل، وهبطت الحور العين فتولوا أمرها فلما كفنها عيسى (عليه السلام) رمة بنفسه عليها وهو يبكي حتى بكت الملائكة من بكائه فجاء جبرائيل فرفعه" ( )، وبكى داود (عليه السلام)، إذ قال ابن بريدة( ) :" لو عدل أهل الأرض ببكاء داود ما عدله، ولو عدل بكاء داود وبكاء أهل الأرض ببكاء آدم حين أهبط إلى الأرض ما عدله"( ) ، أي أن الأنبياء (عليهم السلام) بكوا وقيل في الحديث : فإن لم تجدوا بكاءً فتباكوا اي تكفلوا البكاء" ( ).
البكاء في القرآن الكريم:
وردت في القرآن الكريم وهو المنهل الغزير الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، عدد من النصوص القرآنية التي توضح بكاء الأقوام حينما يدركون بأن موقفهم غير صحيح، ومن هذه النصوص قوله تعالى: ? وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ? ( ).
فقد ذكر النحاس( ) أن النص جاء بحق سبعين رجلاً وجَّه بهم النجاشي، وكانوا أجلَّ منه، فقهاً وسناً، فقراً عليهم النبي (صلى الله عليه وآله) (سورة ياسين) فبكوا وقالوا ربنا اكتبنا مع الشاهدين.
أي أنّ القرآن وصف ظاهرة البكاء التي تنشأ من إدراك الحقيقة، بأن التأثر والتحسس العاطفي يكون بالبكاء الذي يعتبر مظهراً من مظاهره وقسماً من أقسامه وهذا ما يمكن أن نعبر عنه بالبكاء عند الحقيقة.
بكاء المتخلف عن الجهاد:
من الحالات الأُخر للبكاء والتي بينها القرآن الكريم هي حال التخلف عن الجهاد، إذ جاء في قوله تعالى :? وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ? ( )، فهنا صورة أخرى للبكاء بأنه لا يوجد حرج بالتخلف عن الجهاد وليس عليهم سبيل للندم والعقاب( ).


بكاء النبي يعقوب (عليه السلام):
عندما علم النبي يعقوب (عليه السلام) أن ابنه يوسف أخذ منه، إذ جاء في قوله تعالى: ?وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ? ( )، السؤال هو أين النهي والحرمة؟ إذ كان النبي يعقوب(عليه السلام) حزن وبكى على ابنه حتى ابيضت عيناه وهو يعلم بأنه حي وان سيراه لتحقيق صدق الرؤيا. فإن بكينا فقد بكى نبي من قبلنا، وأن لطمنا فعينا يعقوب(عليه السلام) ابيضت من الحزن وهو كظيم؟ وإن قلت انكم تبكون وتحزنون وتؤذون أنفسك؟ نقول إن النبي يعقوب بكى وحن وآذى عينيه من البكاء، فالبكاء هو ثمرة الحزن للنبي (عليه السلام)( ).
وعن أبي عبدالله (عليه السلام) قال" حزن يعقوب (عليه السلام) حزن سبعين ثكلا بأولادها( )، وله أجر مئة شهيد( )، فالبكاء اشتد إلى درجة العمى ( )، رغم أن البكاء كان باختياره، وقد وصل به البكاء باختياره إلى العمى، فإذا كان النبي يعقوب (عليه السلام) يتشوق ويبكي إلى هذا الحد فكيف إذا اشتاق إنسان إلى نبي أو إمام معصوم، كيف تكون حدة البكاء، لاسيما وأنه نوع من طريقة تربوية لأثارة الوجدان لكي يروح عن ما موجود في نفسه، لذلك قيل كان بكاء يعقوب نتيجة لفقدانه لذة فعوتب، فقال الحمد الله الذي لم يجعل بكاء يعقوب عاراً عليه ( )، إنه نوع من التفاعل الجديد والفعلي مع الحقيقة، فالبكاء إذا ولد حضور الفكرة ( )، ثم أن النبي يوسف (عليه السلام) وهو في السجن " دخل عليه جبرائيل (عليه السلام) فعرفه فقال له: أيها الملك، الطيبة ريحه الطاهرة ثيابه، الكريم على ربه، هل لكم علم بيعقوب ؟ قال: نعم ، بكى عليك حتى ذهب بصره"( )، وهذا من يوسف (عليه السلام) ربما لإرادة إلهية، أن يعلم ببكاء أبيه دون أن يفعل شيئاً لتحقق الرؤيا، فضلاً عن أن النبي يعقوب (عليه السلام) إنما أبدى من حزنه يسيراً من كثير وكان ما يخفيه ويتصبر عليه ويغالبه أكثر وأوسع مما أظهر( ).
من هذا كله يبدو أن سمة البكاء عند النبي يعقوب والنبي يوسف (عليهما السلام) رغم إدراكهما أنهما سوف يلتقيان لتحقيق الرؤيا، إلا أن بكائهما لم يتوقف ولم يفارقهما واستمر لفترة اربعين سنة أو أكثر.
بكاء الخشوع:
إذ جاء في قوله تعالى: ? وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا، وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا? ( ).
فالنص فيه امران هما الخشوع والبكاء، ونتيجة الخشوع هو البكاء، فالخشوع هو ذروة الحالات النفسية العملية، ومركزه القلب، وهو خفي، فلذلك هو فعل من افعال القلب وليس فعلاً من أفعال الغرائز، أو من افعال العقل العملي، وليس من افعال الشهوة، وليس من أفعال الحس ولا من افعال الإدراك الحصولي، إنما هو فعل من أفعال الإدراك الباطن العلوي في النفس وهو القلب، فلولا البكاء ما حصل ذلك الفعل العِلوي للنفس ( ).
فالقرآن وضّح أنّ الخشوع ينتهي بالبكاء، لأنه جاء بكلام صادق وغاية صادقة ألا وهو الفرار من الذنوب والتشوق إلى النشأة الأبدية الخالدة، وهو ما وضحه النص أعلاه.
البكــاء من خشية الله:
اذ جاء في قوله تعالى: ?أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا? ( ).
فالأنبياء هم جوهرة الإنسانية في صلاتهم وفي حياتهم، وقد وصفهم الله تعالى بدلالة النص أعلاه بأنهم البكاءين في الصلاة، وهذا البكاء لا يبطل الصلاة لأنّ الله تعالى مدحهم بالبكاء في السجود( )، أي خضعوا لآيات الله وخشعوا لها، وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة، ما أوجب البكاء والإنابة والسجودَ لربهم، ولم يكونوا من الذين إذ سمعوا لآيات الله خروا عليها صما وعميا، فيذكر البيهقي عن مطرف عن أبيه قال: " رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء( )، فإذا كان رسولنا يبكي في موضع الصلاة خشية لله، فحري بنا أن نتبع هذه السنة المباركة.
البكاء عند العراقيين القدماء:
اعتقد الأقدمون (العراقيون) أن مكانة الروح في العالم الأسفل تحددها المكانة التي كان يحتلها الإنسان وهو حي، وتتأثر منزلة الروح بما يقام من أجلها من شعائر دينية تقدم خلالها الأطعمة والأشربة ( ).
كما أكدّ الاقدمون على ضرورة الاعتناء بدفن جثة المتوفى، وعلى ضرورة تقديم القرابين له، وإقامة الشعائر على روحه، وبعكسه فإن الروح لا تشعر براحة في عالمها الاخر ( )، لذلك قدموا القرابين في المراسيم الجنائزية، مدعاة لإرضاء الالهة، وذلك ليحقق اله النيل لهم رغباتهم ( ).
وبما أن العراقيين القدماء اعتقدوا أن روح الميت تبقى على صلة بعالم الاحياء، فتسمع ما يجري فيه لسبعة أيام بعد الموت، إذ جاء في إحدى النصوص أن الملك (أورنمو)( )، كان يسمع عويل بلاد سومر عليه بعد نزوله إلى العالم الأسفل( ).
فالنص الاخير أكد وجود البكاء (العويل) عند العراقيين القدماء، لاسيما حين يزورون موتاهم، ولم نجد مادة قانونية في تاريخهم القديم تحرم البكاء على الميت، رغم أن فكرة البعث بعد الموت عندهم لم تكن موجودة لاعتقادهم أن روح الميت تبقى منفصلة عن الجسد بعد موت الانسان ولا تعود إليه مطلقا، عكس اعتقاد المصريين القدماء( ).
البكاء عند المصريين القدامى:
ومن خلال تأكيد أغلب علماء النفس على أنه لا يمكن لكل انسان ان يعيش بدون مشاعر وأحاسيس تحرك وجدانه، لاسيما وانه يتأثر بالعواطف الوجدانية، لذلك فإن حالة البكاء مثلما ذكرناه سابقاً أنها وصفت بالرحمة.
إزاء هذا التعريف فقد عاش المصريون القدماء في شعائر وطقوس دينية لإحياء ذكرى أمواتهم، ومناسبات لزيارة قبور أجدادهم حاملين معهم الطعام والشراب والأزهار إليهم والأضواء لتبدد ظلمة القبور عنهم وإلا ماذا نفهم من بناء الأهرامات الكبيرة ( ).
فمثلاً من مراسيم (عيد الوادي) عندهم يأتون إلى قبر الميت وتضاء الانوار في الموكب يسجد له كل من كانوا يخدمونه في حياته خضوعاً ( ).
فطبيعة أداء مراسيم الشعائر عند قبر الموتى، كانت تؤدي من قبلهم لغرض إخراج ما في النفس من شجون، وإلا ماذا تفهم من بكائهم هذا؟ هل هو إشراك أم ماذا نسميه ؟ وهم يعبدون الكواكب الطبيعية والملوك، فطبيعة العاطفة الانسانية كانت لا تهدأ إلا بعد نثر الدموع.
فيذكر طه باقر ( ) إن المصريين القدماء اعتقدوا وجود ثواب وعقاب في العالم الاخر، وإن حسنات وسيئات الميت، توزن بميزان، وإن الميت يحاسب من قبل الإله أوزيرس وآلهة آخرون يبلغ عددهم اثنان وأربعون إلها.
فإذا كان معتقد الانسان القديم في الحضارة المصرية القديمة يتوافق مع ما موجود في بلاد الرافدين من زيارة القبور وتقديم الهدايا وإشعال المشاعل من أجل المتوفى، والسجود له ربما يصاحبه البكاء، أي أن حالة زيارة القبور وربما البكاء موجودة في كل الحضارات القديمة.
البكاء في شبه جزيرة العرب:
إن طبيعة الانسان الفطرية لا يمكن له أن يعيش بدون دين، لأنه من طباع السلوك الوجداني، فالبكاء هو أحد الشعائر الدينية التي كانت بعض نساء العرب تظهره في حالات الوفاة، بل أن بعضهن قالت فيه شعراً لبيان مدى شدة الحزن في قولها، لاسيما وأن العرب في شبه الجزيرة قبل البعثة النبوية كان أداة التعبير عن الأحاسيس هو الشعر، فيذكر ابن حجر العسقلاني( ) قول الخنساء ( ):
إذا قبح البكاء على قتيل
رأيت بكاءك الحسن الجميلا( )

فما أرادت الخنساء أن تقوله، إنه ما الحسن الجميل إلا بكاؤك لمن له ذوق سليم وطبع مستقيم، أي أنها بينت أن البكاء من الطباع الجميلة لاسيما وأنه يعبر عن المعنى الحقيقي للإحساس الإنساني.




نتائج الدراسة:
1- إن القرآن الكريم مدح البكاء في أنبيائه ورسله، ويضرب لنا في ذلك أمثلة نتأسى بها حتى في الحزن، مثل الأعلام ، التخلف عن الجهاد، الفراق ، الخشوع وغيرها.
2- هنالك أحاديث وروايات توضح حث الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) على البكاء، والمدح والثناء للباكين، لاسيما معركة بدر، وأنصار رسول الله في معركة مؤتة وغيرها.
3- أحاديث توضح زيارة القبور والبكاء على الموتى، وهذا ما وجدناه من خلال زيارة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) قبر أمه.
4- إباحة البكاء على الميت، حتى ولم يكن شهيداً، وهذا نجده في روايات نقلت عن أبي هريرة في البكاء على الميت أثناء مراسيم التشيع.
5- بكاء السماوات والأرض على الإمام الحسين (عليه السلام).
6- بكاء الجن على الإمام الحسين (عليه السلام).
7- بكاء الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) على الإمام الحسين (عليه السلام) وهو طفل صغير.
8- بكاء أهل البيت (عليهم السلام) على الإمام الحسين (عليه السلام)، لذلك ذكر المجلسي باب فضل البكاء على الحسين(عليه السلام) في كتابه بحار الأنوار.
9- البكاء حالة وجدانية وإنسانية منذ عهد آدم (عليه السلام) ولن تنسى سيما وأنها تعد حالة فطرية للطبيعة الإنسانية، لذلك فكل الأنبياء هم بكاءون وهذا ما عبر به الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) نحن معاشر الأنبياء فينا البكاء.
10- وجود أمر زيارة القبور والبكاء على موتاهم في الحضارات القديمة لاسيما حضارة وادي الرافدين، ووادي النيل، ولن يلغى الرسول محمد
(صلى الله عليه وآله) أمرها بل قد وصفها بالرحمة.








هوامش وتعليقات البحث


  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • البكاء ، الإمام الحسين (عليه السلام)
مواضيع ذات علاقة