انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الخامسة

الكلية كلية العلوم الاسلامية     القسم قسم علوم القرآن     المرحلة 1
أستاذ المادة عامر عمران علوان الخفاجي       03/06/2018 06:23:12
التفسير بالرأي

((علم التفسير ))

التفسير باللغة
هو الايضاح والتبيين ، ومنه قوله { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً - الفرقان33} اي بياناً وتفصيلاً . وهو مأخوذ من الفسر وهو الابانة والكشف ( ) ويرى الخليل بن احمد الفراهيدي (ت 175 هـ)بان التفسير عنده من الفسر وهو البيان ، بيان وتفصيل الكتاب ( ) .

التفسير في الاصطلاح
يرى بعض العلماء ان التفسير هو علم معاني القرآن ،وفنون اغراضه من القراءة ، والمعاني ، والاعراب ، والكلام على المتشابه ، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه ، وانواع المبطلين ( ) .
اما الطبرسي فقد اجمل القول من التفسير بقوله (التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل)( ) .
ويرى الزركشي بانه (علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه واله وسلم وبيان معانيه ، واستخراج احكامه وحكمه) ( ) .
اما وجهة نظر المحدثين فيذهب الزرقاني الى القول بأن (التفسير هو علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية)( ) .
ولدى مقارنة اقوال المفسرين في مختلف العصور تبدو الحصيلة العلمية واحدة من التفسير ، وهو بيان مراد الله عز وجل من قوله في كتابه الكريم وهنا يلتقي المعنى الاصطلاحي للتفسير بالمعنى اللغوي ، وهو ارادة الكشف والبيان ( ) .

((اهمية التفسير والحاجة اليه ))
من الممكن ان نقول ان علم التفسير هو من اهم علوم القرآن وكانت نشأته بذرة طيبة نبتت في احضان الوحي ، فالمفسر والمبين الاول عن الله تعالى هو رسول رب العالمين ، ومن انزل عليه القرآن قال { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ - النحل 44} .
وكان تفسير النبي صلى الله عليه واله وسلم في الحدود المطلوبة التي احتاج الناس اليها في زمنه ، فلم يؤثر عنه صلى الله عليه واله وسلم انه فسر جميع القرآن آية آية .
ذلك ان القرآن كان ينزل فيترجم الى سلوك ، وواقع عملي ، وكان هذا السلوك الواقعي هو اعظم ما يفسر القرآن ويبينه ، ويوضحه ، الى جانب ان القرآن كان ينزل بلغة العرب ، وما تعارفوا عليه من استعمالاتها البلاغية المختلفة ، والقرآن بأعتباره كتاب هداية وتشريع له ملامح خاصة به وسمات متعددة يتميز بها , ذكرها الاستاذ الأول المتمرس الدكتور محمد حسين علي الصغير (3) يمكن الاشارة الى بعضها كالاتي :
1- انه كتاب الهي صادر عن الغيب .
2- انه معجزة إلهية تحدى بها الله الامم والشعوب والقبائل بما جاءت به من حسن النظم والتأليف والتركيب ولهذا تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا.
3- ان العمل به يمتد منذ نزوله الى يوم القيامة دون ريب او شك فحلال نبينا صلى الله عليه واله وسلم حلال الى يوم القيامة ، وحرامه حرام الى يوم القيامة . فليس لأحد ان يزيد عليه ما ليس فيه ، او يحذف منه ما هو فيه .
4- انه وان كان عربي النص ، الا انه عالمي الدلالة ، ولا يختص بأمة دون اخرى ، ولا بزمن دون الازمان فتعدى بذلك حدود الزمان والمكان ، وتخطى المناخ الجغرافي والتاريخي والاقليمي بحياة الانسانية ليستوعبها كلها .
5- انه نزل بلغة يحتمل لفظها الواحد او اكثر الفاظها ، اكثر معنى ، واشمل من تفسير ، مما فتح حياة متميزة في العقلية اللغوية .
6- انه تميز بذائقة اسلوبية ارتفعت به عن مستوى النثر والشعر ، فلا هو نثر على ما تعارفت عليه اصول النثر ، ولا هو شعر على ما تحتمه ضرورات الشعر ، بل هو فن قائم بذاته سمي بالقرآن ، فهو قرآن وكفى .
7- يجد الباحث فضلاً على ما تقدم ان في القرآن الكريم ثقافة موسوعية فقد تحدث عن الاحوال الشخصية ثم تكفل بيان فروض وواجبات منظمة ضمن الحياة اليومية كالصلاة ، وفي بعض الشهور كالصوم والحج والعمرة وفي خلال السنة كالزكاة والخمس في المحاصيل الغنائم ، وكانت السنة النبوية مبينة لمجملها ، ومتكفلة بتفصيلها .
ولا شك في ان الحاجة اليه تكمن في ان هذا العلم صار اساساً لكافة العلوم واهمها ، وما من علم الا وهو يعول عليه .
التفسير بالمأثور :
يشمل التفسير المأثور ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض اياته ( ) وما نقل عن المعصوم (عليه السلام) سواء أكان الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم او ائمة اهل البيت (عليهم السلام) ، وما نقل عن الصحابة (رضي الله عنهم) وما نقل عن التابعين من كل ما هو بيان وتوضيح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم .
فأما الاول فيراد به تفسير القرآن وهوكما يبدو يفضي الى مراد الله تعالى من قرآنه الكريم ، وذلك عن طريق مقابلة الآية بالآية ، والنص بالنص ليستدل على هذه بهذه( ) وورد عن الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) انه قال (كتاب الله تبصرون به وتنطقون به وتسمعون به وينطق بعضه بعضاً ويشهد بعضه على بعض)( ) .وفي هذا قال السيوطي (من اراد تفسير الكتاب العزيز يطلبه اولاً من القرآن الكريم ، فأن اعياه ذلك طلبه من السنة الشريفة ، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له)( ) .
فأن قيل اي الطرق اصح في تفسير القرآن ، فالجواب ان اصح الطرق في ذلك ان يفسر القرآن بالقرآن ، فما اجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر ، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر ( ) .
قال السيد الخوئي في مقدمة تفسيره (وسيجد القارئ ايضاً اني كثيراً ما استعين بالآية على فهم اختها ، واسترشد بالقرآن الى إدراك معاني القرآن ثم اجعل الأثر المروي مرشداً الى هذه الاستفادة) ( ) .
وهذا امر طبيعي تدل عليه وقائع القرآن ، فقصة فرعون وموسى وقومه ، وعيسى والحواريين ، بل وآدم وسجود الملائكة ، وإبليس وتكبره . أوجزت في موضع وفسرت في موضع آخر ، وأجملت في سورة وبينت في سورة أخرى ، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - الفاتحة 4} يبين الله هذا اليوم في قوله تعالى { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ - الانفطار 17-19} ، وفي قوله تعالى { فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ - الدخان 3} قد أبهم زمان تعيين هذه الليلة ، ولكن الإبهام قد رفع بقوله تعالى { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ - القدر 1} فالمباركة في الزمان هي ليلة القدر في هذه السورة لان الإنزال واحد ( ) .
وهناك كثير من الاحكام الشرعية اجملت بمكان ، وفسرت بمكان آخر من القرآن كالطلاق والقصاص وحلال اللحوم وحرامها ، فالقصاص مثلاً اجمل في قوله تعالى { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ - المائدة 45} ، وفسرت في قوله تعالى {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ - البقرة 178} وفي قوله تعالى { أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ - المائدة 1} استثناء مجمل مبهم بينته واوضحته آية اخرى هي قوله تعالى { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ - المائدة 3} .
واما الذي ورد عن المعصوم سواء أكان نبياً او إماماً فلا شك في ان السنة النبوية شارحة للقرآن ومبينة لمجمله ، وموضحة لغامضه وقد روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه قال : ((الا اني اوتيت القرآن ومثله معه)) يعني السنة ( ) .
ثم ان السنة القطعية الصدور عن النبي واهل بيته هي عدل القرآن في شرح كلياته وتفصيل مجملاته ، الا انه يجب الحيطة في دراسة مصدرها وسندها ، والتثبت من صحتها وصدورها ، لأن الكذابة كثرت على الرسول واهل بيته ( ) وان رواية اهل البيت هي رواية النبي صلى الله عليه واله وسلم وهم ادرى بالقرآن من غيرهم ولهذا ورد عن زيد بن ارقم أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، احدهما اعظم من الآخر ، وهو كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض ، وعترتي اهل بيتي لن يقترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظرو كيف تخلفوني فيهما ) ( ).
ويبدو ان الامام علياً بن ابي طالب يحتل المنزلة الاولى من بين مفسري اهل البيت (عليهم السلام) وفي هذا اورد السيوطي رواية عن ابي الطفيل قال : شهدت علياً يخطب وهو يقول ((سلوني ، فو الله لا تسألوني عن شيء الا اخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله ، فو الله ما من آيةٍ الا وانا اعلم ، أبليل نزلت ام في نهارٍ ، ام في سهل او جبلٍ) ( ) .
ومما يؤيد هذا ما قاله ابن ابي حمزة عن الامام علي (عليه السلام) انه قال : (لو شئت ان اوقر سبعين بعيراً من تفسير ام القرآن لفعلت)( ) .
وقد علل الزرقاني كثرة التفسير عن الامام علي (عليه السلام) واشتهاره به دون من سبقه من المفسرين بما يأتي : ((الامام علي (عليه السلام) قد عاش بعدهم حتى كثرت حاجة الناس في زمانه الى من يفسر لهم القرآن ، وذلك من اتساع رقعة الاسلام ، ودخول عجم في هذا الدين الجديد ، كادت تذوب بهم خصائص العروبة ، ونشأة جيل من انباء الصحابة ، كان في حاجة الى علم الصحابة ، فلا جرم كان ما نقل عن علي اكثر مما نقل عن غيره ، اضف الى ذلك ما أمتاز به الإمام من خصوبة الفكر ، وغزارة العلم وإشراف القلب))( ) .
ويخرج الدكتور محمد حسين علي الصغير بنتيجة ان احاطة الامام علي (عليه السلام) بمحكمات الكتاب ، ومعالم القرآن ، لان فيه الآيه المحكمة والفريضة العادلة والسنة القائمة ، اضف اليه روايات الامامية انه عدل القرآن ( ) .
والحق ان الامام علياً (عليه السلام) اشار الى هذه الحقيقة عند التحدث على اهل البيت (عليهم السلام) ويريد نفسه فيقول (وكيف تعمهون ؟ وبينكم عترة نبيكم ، وهم ازمة الحق ، واعلام الدين والسنة الصدق ، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن)( ) .
وأما الصحابة فهم ( أناس لهم مقامهم في خدمة الاسلام والالتزام بتعاليمه ولكنه لا ينبغي عنهم الخطأ أو السهو أو الغفلة )( ) .
لذلك لا يمكن أن تُعد أقوالهم من حيث كونهم رواة ومجتهدين حجة( ) وأما روايتهم فقد اختلف في حجية تفسيرهم , إلا أن تفسير الصحابي عندهم بمنزلة المرفوع الى النبي صلى الله عليه واله وسلم على رأي الحاكم في التفسير ( ) ويبدو ان عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود يحتلان المنزلة الكبرى من بين مفسري الصحابة فقد كان ابن عباس يلقب بحبر الأمة , وترجمان القرآن , وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالتفقه بالدين ومعرفة وتعلم التأويل فيروي عنه انه قال عنه ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل )( ) .
ولقد اختلف العلماء في الرجوع الى تفسير التابعين والأخذ بأقوالهم إذ لم يؤثر في ذلك شيء عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم أو عن الصحابة (رض) فنقل عن احمد بن حنبل (رض) روايتان في ذلك .
رواية بالقبول , ورواية بعدم القبول , وذهب بعض العلماء إلى انه لا يؤخذ بتفسير التابعي , إذ استدل أصحاب هذا الرأي على ما ذهبوا إليه بأن التابعين ليس لهم سماع من الرسول صلى الله عليه واله وسلم فلا يمكن الحمل عليه كما قيل في تفسير الصحابي إنه محمول على سماعه من النبي صلى الله عليه واله وسلم ( ) .
وقد ذهب أكثر المفسرين الى الأخذ بقول التابعي في التفسير , لانه التابعين تلقوا غالب تفسيراتهم عن الصحابة فمجاهد مثلاً يقول :
عرض المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحة الكتاب الى خاتمته .
وان كتب التفسير حافلة بالرواية عن التابعين , لكن ليس كل ما ينقل عنهم مما يجب قبوله , فهناك روايات كثيرة عن التابعين لا نستطيع أن نقبلها لأنها بعيدة عن تفسير النص , أو تقحم عليه مادة غريبة لا تكاد تتصل به , كما هو الشأن بالنسبة للإسرائيليات التي تقص تفصيلات لا صلة لها بنص القرآن الكريم .
لقد كانت مدارس التفسير في عصر التابعين ثلاثة في مكة والكوفة والمدينة , وفي هذا قال ابن تيمية :
( وأما التفسير فاعلم الناس به أهل مكة لأنهم أصحاب دين عباس كمجاهد , وعطاء بن أبي رباح , وعكرمة مولى ابن عباس , وطاوس , وأبي الشعثاء , وسعيد بن جبير وأمثالهم وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود ومن ذلك ما تميزوا به عن غيرهم , وعلماء أهل المدينة في التفسير ,
مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير وأخذ عنه أيضا أبنه عبد الرحمن وعبد الله بن وهب )( ) .
يمتاز التفسير في هذه المرحلة بمميزات منها دخول الإسرائيليات والنصرانيات وذلك لكثرة من دخول من أهل الكتاب في الإسلام , زمنها الخلاف بين التابعين في التفسير عما كان بين الصحابة وكذلك ظل التفسير محتفظاً بطابع التلقي والرواية ثم ظهرت في هذا العهد نواة الخلاف المذهبي , فظهرت بعض تفسيرات تحمل في طياتها المذاهب فمثلاً قتادة بن دعامة السدوسي ينسب إليه الخوض في القضاء والقدر ويتهم بأنه قدري , ولا شك في أنه أثر على تفسيره .
أما أشهر كتب التفسير بالمأثور في غالبية الطابع العام فهي كالأتي :
1- جامع البيان في تفسير القرآن , الطبري ( ت 310هـ ) .
2- بحر العلوم , أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي ( ت 373هـ ) .
3- التبيان في تفسير القرآن , أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( ت 460هـ )
4- معالم التنزيل , أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي ( ت 516هـ ) .
5- مجمع البيان في تفسير القرآن , أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ( ت 538هـ ) .
6- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز , أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي ( ت 546هـ ) .
7- تفسير القرآن العظيم , أبو الفداء إسماعيل بن عمرو بن كثير القرشي ( ت 774هـ ) .
8- الدر المنثور في التفسير بالمأثور , جلال الدين السيوطي ( ت 911هـ ) .


(( التفسير بالرأي ))
يطلق الرأي على الاعتقاد , وعلى الأجتهاد , وعلى القياس , والمراد بالرأي هنا هو الأجتهاد , وعليه فالتفسير بالرأي عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد بعد المفسر لكلام العرب ومناحيهم في القول , ومعرفته للالفاظ العربية ووجوه دلالتها , واستعانته في ذلك بالشعر الجاهلي ووقوفه على اسباب النزول , ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن , وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج اليها المفسر ( ) .
لقد وردت أحاديث تنهى عن تفسير القرآن بالرأي , فمن ذلك ما روي عن ابن عباس من أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال " من قال في القرآن برأيه فليتبوا مقعده من النار "( ) ولقد فسر القرطبي في
مقدمة تفسيره هذا الحديث بتفسيرين احدهما . من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذهب الصحابة والتابعين فهو متعرض لسخط الله .
وثانيهما . من قال في القرآن قولاً يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار ..
وقد رجح القرطبي القول الثاني فقال : وهو أثبت القولين وأصحهما معنى ( )
ويمكن تقسيم التفسير بالرأي الى قسمين :
1- تفسير محمود
2- تفسير مذموم
فالتفسير المحمود : ما كان موافقاً لغرض الشارع , بعيداً عن الجهالة والضلالة متماشياً مع قواعد اللغة العربية , معتمداً على أساليبها في فهم النصوص القرآنية الكريمة , فمن فسرّ القرآن برأيه ( أي باجتهاده ) ملتزماً الوقوف عند هذه الشروط معتمداً عليها فيما يرى من معاني الكتاب العزيز .
وأما التفسير المذموم : فهو أن يفسر القرآن بدون علم , او يفسره حسب الهوى , مع الجهالة بقوانين اللغة أو الشريعة , أو يحمل كلام الله على مذهبه الفاسد , وبدعته الضالة , أو يخوض فيما استاثر الله بعلمه , فهذا النوع من التفسير هو التفسير المذموم أو التفسير الباطل .
وأوضح الزركشي أدلة جواز التفسير بالرأي بقوله :
(( ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل لقوله تعالى {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ – الاسراء 36 }
وقوله : { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ – البقرة 169 }
وقوله : { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ – النحل 44 } , فزاد البيان ))( ) .
فاستند الزركشي الى الآيات القرآنية الناهية عن التفسير دون علم أو القول على الله بما لا يعلم وعلى أختصاص النبي بالبيان لما نزل , وما يكون خلافاً لهذا تفسيراً بالرأي من غير دليل , وما كان منه خالياً من الدليل لا يجوز الحكم به ( )
ويرى الباحث ان هذه النصوص وغيرها لا يمنع الاجتهاد في التفسير بل تمنع التصدي للتفسير بغير علم , فهناك أمور كثير ة تجب الاحاطة بها قبل محاولة تفسير القرآن , ومن هذه الامور معرفة ما أثر عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم من بيان لمعنى الآيات , وبخاصة آيات الاحكام التي لا سبيل الى معرفتها على الوجه الاكمل من دون الاحاطة بكل ما ارتبط بها من بيانات الرسول صلى الله عليه واله وسلم
إن تفسير القرآن وأيضاح معانيه واجب على علماء الأمة الاسلامية فالقرآن الكريم نزل بلسان عربي وخاطب أمة تفهم هذا اللسان , ولو نزل بلغة مفهومة لما كان هناك وجه لنزوله , يضاف الى ذلك أن الله سبحانه وتعالى دعا الناس إلى آياته وتدبر معانيه .
قال تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ – النحل 44 } .
وقال تعالى : { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ – ص 29 } .
وقال تعالى : { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ – القمر 17 } .
وقال تعالى : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا – محمد 24 } .
فكل هذه الآيات تدعو الناس الى تدبر آيات القرآن وتفهمها , وتحثهم على الاهتداء بما جاء فيها , من هنا كانت الاحاديث والروايات تمنع الافتاء بالرأي – إن صحت – لا تعني منع الاجتهاد في تفسير القرآن , وانما تعني منع الخوض في التفسير كتاب الله بغير علم ولا أهلية لمثل ذلك العمل .
أما أشهر كتب التفسير بالرأي في غالبية الطابع العام لها فهي كما يأتي :
مفاتيح الغيب , للفخر الرازي ( ت 606 هـ ) .
انوار التنزيل وأسرار التأويل , للبيضاوي ( ت 691هـ ) .
مدارك التنزيل وحقائق التأويل , للنسفي ( ت 701هـ ) .
لباب التأويل في معاني التنزيل , للخازن ( ت 741هـ ) .
غرائب القرآن ورغائب الفرقان , للنيسابوري ( ت 728 هـ ) .
البحر المحيط , لابي حيان ( ت 745هـ ) .
إرشاد العقل السليم الى مزايا الكتاب الكريم , لابي السعود ( ت 982هـ ) .
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني , للآلوسي ( ت 1270هـ ) .
(( شروط التفسير بالرأي ))
التفسير بالرأي غير ممنوع إذا أستوفى شروطه وخلاصتها هي :
1- أن لا يصدر المفسر في تفسيره عن هوى في نفسه , فينزل التفسير على مذهبه وعقيدته .
2- أن لا يتعارض هذا التفسير مع اللغة , فان اللغة هي الأساس ؛ { إنا انزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون – يوسف 2 } .
3- أن لا يتعارض التفسير مع سياق الآيات الكريمة .
4- أن لا يخالف ما صح نقلُهُ عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم واهل البيت عليهم السلام .

(( شروط المفسر ))
ينبغي الا يتصدى للتفسير من لم يُحط بمجمل الشروط التي حددها العلماء لمن يتصدى للبيان عن مراد الله تعالى وأهم هذه الشروط :
1- ان يكون المفسر صحيح الاعتقاد بالله تعالى , فان صحة العقيدة تقي المفسر من تحريف النصوص , ومن خيانة الآيات , وتقية من الزلل .
2- التخلي عن الأهواء المذهبية , والتحلي بالحق لوجه الحق من دون الترويج لمذهب أو عقيدة .
3- الأ يخوض في التفسير الاجتهادي حتى يتم له النظر والاثبات في التفسير بالمأثور على النحو الأتي :
أ- أن يطلب التفسير من القرآن نفسه , فان القرآن يشرح بعضه بعضا في آيات مختلفة .
ب- إن لم يجد طلب التفسير من السنة النبوية فان النبي صلى الله عليه واله وسلم هو المبين الحقيقي عن الله تعالى .
ج- ان لم يجد طلب التفسير من اهل البيت صلى الله عليه واله وسلم فانهم أدرى بالقرآن من غيرهم ثم الصحابة الذين شاهدوا التنزيل .
د- إن لم يجد اجتهد في تفسير آيات الذكر الحكيم بما حصل من الأدوات الضرورية ومنها العلم باللغة العربية والعلم بالنحو وبالاشتقاق وعلم البلاغة والقراءات وعلم الكلام وعلم أصول الفقه واصول الدين وعلم السيرة والناسخ والمنسوخ وعلم الحديث والموهبة ونحوها .






(( آداب المفسر ))
1- حُسن النية وسلامة القصد لله تعالى .
2- حُسن الخلق .
3- الورع والتقوى .
4- تحري الصدق والضبط في النقل .
5- عِزّة النفس .
6- التواضع ولين الجانب .
7- الجهر بالحق .
8- التروي والأناة في سردِ التفسير .
9- حُسن الإعداد وطريقة الأداء .
10- تقديم مَنْ هو أولى منه في العلم .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .