انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الغزل

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 2
أستاذ المادة ثائر سمير حسن الشمري       04/11/2017 20:07:52
المحاضرة الرابعة .د.أ/ ثائر سمير الشمري
الغزل
غرض شعري تقليدي جميل وم ُ حبب الى النفس الانسانية ، تصور فيه الأشـواق واللـواعج
للمحبـين ، وقـد كثـر الـنظم فيـه فـي هـذا العـصر كثـرة مفرطـة ، حتـى لـيمكن أن يقـال إن الـشعراء
جميعــا عنــوا بــه ، وهــي عنايــة أعدتــه لكــي يزدهــر ازدهــارا ً ً ً واســعا ، إذ تداولــه أفــذاذ الــشعراء ،
وصاغوه بعقلياتهم الخصبة الحديثة وما أوتوه من قـدرة علـى التوليـد فـي المعـاني القديمـة واسـتنباط
كثير من الخواطر والأخيلة الجديدة .
وقـد مـضى الغـزل يجـري فـي التيـارين نفـسهما ّ اللـذين انـدفع فيهمـا منـذ عـصر بنـي أُميـة ،
ونقصد بهما تياري الغـزل الـصريح والغـزل العف ّ ً يـف ، وكـان التيـار الأول أكثـر حـدة وعنفـا ، بـسبب
انتشار دور النخاسة وما كانت تموج به من ّ إماء وقيان من مختلـف الجنـسيات اللـواتي كـن يـشعن
التحلل الخلقي ، والشعراء أنفسهم كانت كثرتهم مـن المـوالي الـذين نبـذوا التقاليـد الخلقيـة الاسـلامية
والعربية ، إما بعامل الزندقة والشعوبية ، واما بعامل الترف وما ينتشر معه من فساد الأخلاق
?
.
ّ ً ويرى الدكتور شوقي ضـيف أن كثيـرا مـن هـذا الغـزل لـم يـصور حقـائق واقعـة ، إنمـا كـان
يصور حقائق خيالية من بعض الوجـوه ، إذ كـان ُيـراد بـه الـى التنـدير والفكاهـة فـي مجـالس هـؤلاء
المجان الخليعين ، فهم ينظمونه ويتداولونه للضحك والدعابـة ، وكأنـه يـشبه مـن بعـض الوجـوه مـا
قد يجري على بعض الألسنة في عصرنا من نكت جنسية ، ولكن الدكتور شـوقي ضـيف يـستدرك
فيقـول : ولـيس معنـى ذلـك اننـا نريـد أن ننكـر الغـزل ال ً مكـشوف ، إنمـا نريـد أن نلفـت الـى أن كثيـرا
منه صنع للتندير والفكاهة .
ّ وشتان بـين الغـزل الـصريح فـي هـذا العـصر عنـد مطيـع بـن إيـاس وأبـي نـواس وأضـرابهما
وبينه في العصر الأموي عند عمر بن أبي ربيعة والأحـوص وأمثالهمـا ، إذ كـانوا يحتفظـون بغيـر
قليل من الوقار والحشمة ، أما مطيع وأبو نواس وبشار وغيرهم فقد خرجـوا عـن كـل حـشمة ووقـار
ً خروجا يشبه أن يكون ثورة ، فهم يتحدثون عن غرائزهم النوعية في غير تعفف ولا حياء ولا كرامة
، وقد استحدث كثير منهم – باستثناء بشار – ً ً ضربا جديدا مـن هـذا الغـزل الـصريح ، وهـو الغـزل
ّ بالغلمان ، وهو يصور ما انتهت إليه حياتهم من الفساد ، لكثـرة الرقيـق ، وقـد أطلقـوا لأنفـسهم فيـه
العنان لا يرعوون ولا يستحون . ومن امثلة الغزل الصريح قول ربيعة الرقي ت) :( 198هـ
ُ َ َ ٌ ٌ ?الحب داء عياء لا دواء له ّ َ ِ ُ ّ ٍ ِ َِ ?إلا َنسيم حبيب طيب النسم
ٍَ ِْ ْ ُ َ َ َ ٌ ً أو قبلة من فم نيلت مخالسة ٌ ٌ َ ُ َِ وما حرام فم ألصقته بفم
وكان يجري بجانب هذا التيار ت ً ً يار الغزل العفيف ، ولكن مجراه أخذ يضيق ضيقا شـديدا
ّ بالقياس الى عصر بني أمية ، إذ كان ي ّ ّ تسع حتى يشمل بوادي الحجـاز وحتـى تجـري أسـراب منـه
ّ في مكة عند أمثال عبد الرحمن الجشمي الملقب بالقس لنسكه ، وفي المدينة عند أمثال عروة بـن
أُذينة . ومن أعلامه في البوادي قيس ّ بن ذريح وجميل بن معمر العذري ، حيث نجد الحب النقي
الطاهر الذي يملك على الشاعرعواطفه وأهواءه ً ?كلهـا، حتـى ليـصبح ضـربا مـن الهيـام القـوي الحـاد
ّ الذي يدفع الـشاعر الـى التغنـي بمحبوبتـه فـي شـعر عـذب لا يخـدش حيـاء ، شـعر يمـوج بالحرمـان
ّ وحرارة العشق وشدة الظمأ الذي لا ينتهـي . وطبيعـي أن يـضعف هـذا التيـار فـي العـصر العباسـي
ّ ّ الأول الذي قلمـا عـرف فيـه الـشعراء العفـة والطهـر ، ومـع ذلـك فقـد بقيـت لـه بقيـة عنـد العبـاس بـن
الأحنف وعنـد بعـض الـشعراء الـذين هـاموا ّ بـبعض الجـواري ثـم بعـن وضـرب بيـنهم وبيـنهن حجـاب
صفيق ، فعاشوا يتعذبون بالحب ، وعا ّ ّ ً ً ش الحب في قلوبهم قويا حادا ، ومن ذلك قول العباس بن
الأحنف ت) :( 194هـ
ُ َ?أبكي الذين أذاقوني مودتهـم ّ حتى إذا أيقظوني للهـوى رقدوا
ّ ُ جاروا علي ولم يوفوا بعهدهم ُ ُ َ ْ َ ُ َ ِ قد كنت أحسبهم يوفون إن عهدوا
ُُ ?لأخرجن ?مـن الدنيا وحبكـم ِ ْ بيـن الجوانـح لم يشعر َ ُ به أَحد
والفـرق كبيـر بـين حـرارة هـذا الغـزل العفيـف والغ ّـزل المماثـل لـه فـي عـصر بنـي أُميـة عنـد
قـيس بـن ذريـح وأضـرابه . ّ ?فـإن غـزلهم يـصور حبـا ج ً ّ ّ امحـا ، وكـأن فـي صـدورهم شـواظ نـار ، فهـم
يألمون كما لم يألم أحد، ألماً ً تعجز النفوس عن احتماله ، ألما يعصف بهـم كالـسيل المنـدفع الـذي
ّ ? ّ لايتـرك لهـم رويـة ولا أنـاة ، وانمـا يتـرك لهـم الحـزن الممـض والـدموع الغـزار . ومـن أجـل ذلـك أخـذ
الغزل العذري يضيق مجراه في هذا العصر ، لأنه لا يبلغ من التـأثير فـي الـنفس والقلـب مـا يبلغـه
ُ الغـزل العفيـف الأمـوي ، وكأّ ّ نمـا أفـسدت الحـضارة هـذا الفـن ، فـإذا هـو يجـري ّ فيـه التكلـف ولا يكـاد
ّ ً يؤثر في العاطفة والشعور إلا قليلا .
ّ ومما يمكن أن نلاحظه على الغز ّ ّ ل عامة في العصر العباسـي هـو أن الـشعراء اسـتخرجوا
كثيــرا مــن المعـاني فــي غــزلهم ، فقــد كــان عقلهــم خــص ً ً با يقتــدر علــى تــشعيب المعــاني وتحليلهــا
واستنباط كثيـر مـن دقائقهـا . وكثيـر مـن ّ ّ ً ّ غـزلهم لا يـصور ذلـك فحـسب ، بـل يـصور أيـضا حـسهم
المترف الـدقيق وشـعورهم الرقيـق المرهـف ، وكـذ ّ لك نلاحـظ كثـرة العبـارات اللينـة فـي غـزلهم ، وهـي
ّ ّ شيء طبيعي مرده الى حياتهم المتحضرة وأنهم كانوا يتجهون بأكثر غزلهم الى الجواري المغنيـات
، ّ ّ ّ ?ولم يكن متبـديات إنمـا كـن متحـضرات ، فكـا ّ نوا يختـارون لهـن اللفـظ الـسهل البـسيط الـذي يلمـس
ً القلوب لمسا بدون أي حجـاب ، ونلاحـظ ظـاهرة أخـرى هـي شـيوع الأوزان المجـزوءة والقـصيرة فـي
هذا الغزل ، وكان ذلك بسبب الغناء الذي دفـع الـى ظهـور أوزان جديـدة هـي المقتـضب والمـضارع
والمتدارك ، وظاهرة أخرى تقترن بالجواري ا ً ّ ّ ّ للائي كان ينظم فيهن الشعراء ، وذلـك أن كثيـرا مـنهن
كن مثقفات يحسن صوغ الشعر ونظمه ، فكان ا ً ّ ّ ّ ّ لـشعراء يراسـلونهن ، وكـانوا أحيانـا يفـضون إلـيهن
ويتطـارحون معهـن شـعر الغـزل ، وقـد أشـاع هـؤلا ً ّّ ء الجـواري الـشواعر كثيـرا مـن الظـرف والرقـة فـي
الغزل العباسي ، إذ ك ّ ن يعجبن باللمحة الدالة والخاطرة الدقيقة .
الوصف
غـرض تقليــدي مــن أغـراض الــشعر العربــي الم ّ عروفـة ، ويعــد عمــاد الـشعر ، يقــول ابــن
رشـيق القيروانـي )) ّ ّ الـشعر إلا أقلـه راجـع الـى بـاب الوصـف (( ، وذلـك أن أغـراض الـشعر العربـي
ا ً لأخرى هي وصف أيـضا كالمـديح والهجـاء والرثـاء والغـز ً ل الـخ ، ففنـون الـشعر جميعـا إذن تـدخل
ضمن الوصف ناهيك عن غرض مستقل هو الوصف .
وكانـت للوصــف غلبــة فــي الــشعر العباســي ، إذ ّ توســع الــشعراء فيــه فتفننــوا فــي وصــف
المشاهد فوصفوا الطبيعة والرياض والأزهار والأنهـار والطيـر والحيـوان ، بـل راح الـشعراء يـصفون
كل ماتقع أعينهم علي ّ ه ، فهذا أبو تمام ً مثلا على عادة الشعراء العباسيين الذين أكثروا من وصف
الأمطار والسحب ، يصف لنا سحابة ممطرة بقوله :
ِ َ ٌ ُ ِ ُ ديمة سمحة القياد سكوب ٌ ُ مستغيث بها الثرى المكروب
َ َ ْ ٌ ِ ُ لو سعت بقعة لاحياء نعمى َ ُ ُ لسعى نحوها المكان الجديب
ولــم يكــن وصــف الطبيعــة قبــل هــذا العــصر فنــا مـ ً ً ًـستقلا ، بــل كــان كثيــرا مــا تبــدأ بــه
القـصيدة ، ثـم ينتقـل الـشاعر الـى الممـدوح أو الـى غـرض آخـر . وقـد اسـتطاع هـذا الفـن فـي هـذا
ّ العصر أن يستقل بذاته عند بعض الشعراء مثل ابن الرومي والبحتري والصنوبري وغيرهم .
وما يمكن أن نلاحظه هنا أن الشاعر العباسي أخذ ينفخ الروح في مظاهر الطبيعة ، أي
راح يتعامل مع مفردات الطبيعة علـى أنهـا كا ّ ّ ئنـات حيـة تـشعر بمـا يـشعر بـه كـل ذي روح ، وهـذه
العملية تسمى بـ)التشخيص( ، فم ّ ّ ّ ً ً ً ً ثلا يقول البحتري في وصف الربيع مصورا إياه كائنا حيا :
أت َ ُ ُ ُ اك الربيع الطلق يختال ضاحكاً ِ َ ُ ِ ّ َ ّ من الحسن حتى كاد أن يتكلما
لقــد ً أعطانــا الــشاعر العباســي ألوانــا مختلفــة مــن الأوصــاف القديمــة امتــدت اليهــا يــد
الحــضارة فــي التهــذيب والتطــوير ، ومنهــا مبتكــرة أوجــدتها المدينــة الجديــدة ، فقــد كــان للاتــساع
الحـضاري أثـر فـي تنـوع الوصـف فلـو دخلنـا الـى قـصور الخلفـاء لوجـدنا البنـاء الـشامخ للقـصور
وال ّ بـساتين والنـافورات حتـى ان جـدران القـصور تـستحق مـن الـشعراء ان يـصفوا رسـومها المختلفـة
ّ ّ وزخارفها البديعة فالشاعر يحـس ذلـك كلـه ً ، وربمـا عـدل الـشاعر أحيانـا عـن وصـف الأطـلال الـى
ّ وصف القصور في الحاضرة وخصها بمق ّ طوعات مثل قـول محمـد بـن يـسير الرياشـي ت) ( 230هـ
في قصر خرب :
ُ َ َ ?ألا ياقصر قصر النوشجاني َ َ ِ ِ أرى بك بعد أهلك ما شجاني
ُ َ ٍ فلو أعفى البلاء ديار قوم ٍ ُ ُ ِْ ِ لفضـل منهـم ولعظم شاني
ُ َّ ٍ لمـا كانت ترى بك بينات ُ ُ ِ تلـوح عليك آثـار الزمان
هـذا الموضـوع الجديـد هـو الـذي ألهـم البحتـري ت) ( 284هــ فيمـا بعـد سـينيته فـي ديـوان
كسرى ، وفيها حديث عـن آثـار الفـرس ، وفيهـا يبكـي ) البحتـري( الأطـلال الكـسروية التـي لازالـت
شامخة الى اليوم ، وبنوه بأمجادهم القديمة بعد أن رأى القصر بعـد قتـل )المتوكـل ( ّ فبـث الـشاعر
شكواه وهمومه .
وأخذ الشاعر العباسي يصف بي ّ ً ً ئته بمظاهرها وعناصرها جميعا الصامتة والمتحركة فمثلا
) ابن المعتز( أغرم بوصف الطبيعة واستعرض أكثـر مفرداتهـا فـي شـعره مـن مثـل تـشبيهه الهـلال
بالزورق ، وهو تشبيه مشهور :
ٍ ّ ٍ انظر اليه كزورق من فضة ٌ ْ َ َِ قد أثقلته حمولة من عنبر
أو قوله :
ُ البدر ف ِ ِ ٍ ي أُفق السماء كدرهم ً ٍ ِ ملقى على ديباجة زرقاء
وقد أكثر الشعراء في وصف الطبيعة في مقدمات المدائح فأخذوا يـصفونها بالايجـاز تـارة
والاطنـاب والاسـهاب تـارة أخـرى . ويـدخل فـي وصـف الطبيعـة وصـف حيوانهـا الوحـشي ، ونـرى
البحتـري يـسوق مبـارزة الفـتح بـن خاقـان للأسـد فـي بعـض مدائحـه وكـان قـد خـرج الـى الـصيد ،
ففاجأه أسد في طريقه ، فنازله ، وقتله ، وصور البحتري ذلك كله في قصيدته .
واشتهر البحتري بوصف ? ه للخيل واتقانه لهذا الوصف ، من ذلك قوله في وصف فرس:
َِ ُ ّ ِ ّ ِ ِ هزج الصهيل كأن في نغماته ِ َ ّ ّ ِ ِ نبرات معبد في الثقيـل الأول
ََ َ َ ملك العيون ْ َ ََْ َ ُ فإن بدا أعطينه َ ِِ ُ ِ ?نظر المحب الى الحبيب المقبل
معبد : ّ ّ أشهر مغن في العصر ، الثقيل الأول: ّ نوع جيد من الألحان .
وقد ظهر في الشعر ا ّ لعباسي وصف بارع للمعارك والحروب على شاكلة قول بشار :
ُ َ ّْ ِ ّ َ ِ كأن مثار النقع فوق رؤوسنا َ ٌ ُ وأسيافنا ليل تهاوى كواًِ ْ كبه
ولما كان العصر العباسي قد ش ً هد حروبا عديدة فقد كثر وصف المعارك ، وقد بـرز لنـا
من الشعرا ّ ء في هذا الغرض أبو تمام وأبو فراس الحمداني والمتنبي .
وكان الشعراء في هذا العصر يكثرون من وصـف الأطعمـة وألوانهـا الحـضارية الجديـدة،
وليس هذا فحسب ، بل نستطيع القو : ل ّ ً ّ إن الشاعر العباسي لم يترك شيئا إلا وصفه .
ّ الخمريات
ّ لقــد عــم الرخ ّ ــاء بغــداد واســتقرت أحــوال أهلهــا وأخــذ ً ?النــاس حظــا وافــرا مــن اللهــو والــشراب
،وكــذلك التــرف ّ الــذي وفــره الخلفــاء للــشعراء جعــل هــؤلاء يعكفــون علــى اللذائــذ، وكانــت الحانــات
والأديـرة قـد انتـشرت فـي بغـداد ، ّ ذلـك كلـه وغيـره ّ سـاعد علـى وصـول موجـة الخمريـات الـى أبعـد
غاياتها في هذا العصر .
والخمريـات فـن شـعري لـيس بجديـد علـى الـشعراء العباسـيين ، فهـو قـديم بـدأ بـشعراء مـا قبـل
الاسـلام مـن مثـل ) الأعـشى( ّ واسـتمر مـع شـعراء الاسـلام مـن مثـل ) أبـي محجـن الثقفـي ( ّ ، ثـم
حمـل لـواءه فـي العـص ُ ر الأمـوي )الاخطـل ( ثـم ) الوليـد بـن يزيـد( الـذي كـان بـسبب نزعتـه الآثمـة
َ ً َ?وافتتانه بالخمريات قد مهد كثيرا ) لأبي نواس( ّ ّ وأضـرابه فـي عـصبة المجـان فـي العـصر العباسـي
، علم ّـا أن أبـا نـواس الـذي بـالغ فـي وصـفها وصـا ّ ر شـاعرها الأول قـد تـأثر فـي شـاعر آخـر مـن
مخـضرمي الـدولتين هـو ) أبـو الهنـدي ( الـذي يقـول عنـه )الأصـفهاني(: ّ ّ إن أبـا الهنـدي أول مـن
وصف الخمرة من شعراء الاسلام فجعل وصفها وكده وقصده .
ّ إن ّ أول مـا يلقانـا مـن مظـاهر التجديـد فـي الخم ّ ريـات فـي العـصر العباسـي هـو أنهـم أكثـروا
ً فيهـا اكثـارا يبعـث علـى الدهـشة والعجـب ، فمـن ناحيـة الـشكل فقـد أسـهبوا فيهـا وأفاضـوا وأطنبـوا ،
ومـنهم مـن قـصر شـعره أوكـاد عليهـا مثـل ) أبـي نـواس ( الـذي تربـو خمرياتـه وحـده علـى خمريـات
العــصور الــسابقة . ً وفــضلا عــن الاكثــار منهــا فقــد راح الــشعراء يتوســعون فــي صــفاتها ويتغنــون
بأسمائها ويدعون الى معاقرتها ويتفننون في نعوتها وفـي تـشبيهاتها ويـذكرون صـفاتها ونـدماءها ،
ّ أمـا مـن ناحيـة المـضمون فقـد افتتنـوا فـي وصـفها والحـديث عـن دقائقهـا ، فهـذا أبـو نـواس يفلـسف
الوصف ويبدع في التصوير ويجعل الخمرة ش ً ّ قيقة روحه ويضفي عليها الحيـاة ويجعلهـا كائنـا حيـا
، وكذلك لا حياة – برأيه – سوى حياة الخمر والمجـون فـي بيـوت القبـان وفـي الحانـات ، ومـن ثـم
مــضى يـدعو فــي خمرياتــه دعــوة واســعة الــى العـدول عــن وصــف الأطــلال الــى وصــف الخمــر
والمتاع بما يقترن بها من غناء وسقاة ، ومن ذلك قوله :
َْ ْ ْ ِ ِ لاتبك ليلى ولا تطـرب الى هنـد َْ ْ َ ِ ِ واشرب على الورد من حمراء كالورد
ْ َ ً ْ ِ كأسا اذا انحدرت في حلق ِ شاربها ْ َ ُ ُ ْ َ ِ َ ?أجدتـه حمـرتها فـي العين والخد
ُ ٌَ ُ فالخمـر ياقوتـة والكأس لؤلؤةٌ ?َ ِ ٍ ?فـي كـف جـارية مـمشوقة القد
َ َ ً ِ َ ِ ِ ِ تسقيك من يدها خمرا ومن فمها ً َ ُ ُ ?خمـرا فمـا لك مـن سكرين من بد
ِ ِ لـي نشـوتان وللندمان واحدةٌ ٌ ُ ِ ْ ُ َ شـيء خصصـت بـه دونهم وحدي
ّ ومن معـالم التجديـد فـي شـعر الخمريـات أنه ّ ً ـا اسـتقلت بالقـصيدة ، إذ أصـبح القـول فيهـا بابـا
مـن أ ً ً بـواب الـشعر وغرضـا قائمـا بنفـسه، وقـد تـست ّ ّ هل بـه المطـالع بعـد أن كانـت تـستهل بـالأطلال
ّ ّ ّ والبكاء على الديار ، أي انها راحت تحل محل النسيب.
لقد أصبحت الخمرة في العصر العباسي ً مصدر إلهام للـشعراء وصـارت طريقـا للتعبيـر عـن
مـشاعر الـشعراء أنفـسهم وكـان شـعورهم فيهـا قـد تحـّول مـن حيـث اتجاهـه الـى الذاتيـة ومـن حيـث
أصبح حاجة حضارية تستكمل بها أسباب المتعة بعد أن كان وصـفها يعنـى بـالأمور العامـة أكثـر
من عنايته بالمشاعر الذاتية .
ونشأت عن شعر الخمرة فنون جديدة مثل وصف مجالس الخمر وكذلك نشأ عنه الغزل بالمذكر.

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .