انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

نبذة مختصرة عن العصر العباسي

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 2
أستاذ المادة ثائر سمير حسن الشمري       04/11/2017 19:49:03
محاضرات الادب العباسي / الفصل الاول
المحاضرة الاولى .د.أ/ ثائر سمير الشمري
نبذة موجزة عن العصر العباسي
الحياة السياسية
ملاحظـة : اعتـدنا ان نجـد فـي كتـب التـاريخ ان العـصر العباسـي ) العـصر الـذهبي ( يقـسم علـى
حقـب زمنيـة تـسمى عـادة باسـم ) العنـصر المـسيطر ( ، لـذلك قـسم هـذا العـصر علـى اربـع حقـب
كما يأتي : -
- 1العــصر العباســي الاول : وهـو العــصر الــذي كانـت فيــه الــسيادة للخلفـاء الاقويــاء مــن بنــي
العباس الذين استطاعوا ان يحسموا النزاع الدائر بين ) العـرب والفـرس ( لـصالح العـرب كمـا
سنرى ، ويمتد السقف الزمني لهذا العصر مـن تـاريخ تاسـيس الدولـة العباسـية عـام ) 132هـ
( الى عام )232هـ ( .
- 2العصر العباسي الثاني : وهو عصر سيادة الاتراك على ساحة الخلافة ، ويمتد هذا العصر
من عام ) ( 232هـ الى عام ) 334هـ ( .
- 3العصر العباسي الثالث : وهو العصر الذي ظهر فيه نفوذ البـويهيين علـى الـساحة الـسياسية
والعسكرية ، من عام ) ( 334هـ وينتهي عام ) 447هـ ( .
- 4العصر العباسي الرابع : وهو عصر ظهور السلاجقة على ساحة الخلافـة ، والـذي يبـدأ عـام
)( 447هـ وينتهي بسقوط بغداد عام ) 656هـ( .
الثورة العباسية
ُ ّ تعـد هـذه الثـورة نهايـة الثـورات الكثيـرة التـي نـشبت ضـد بنـي اميـة ، وهـي ثـورات اراد بهـا
اصحابها الى الاصلاح الاجتماعي ، واكثرهم كان يتخذ طريق العنـف ، ويريـد ان يمحـو سـلطان
الامويين محوا ُ ً على نحو ما كان يريد ابن الزبير والخوارج والشيعة وابن الاشعث ويزيد بن المهلب
.
وكانــت تــشارك فــي هــذه الثــورات كلهــا فئــات مــن المــوالي الــذين اضــطهدهم بنــو اميــة ،
وحرمــوهم المــساواة بــالعرب فــي الحقــوق ، مخــالفين نظريــة الاســلام ومــا يــدعو اليــه مــن التــسوية
المطلقة بين العرب وغير العرب
في الضرائب وغير الضرائب ، فكان طبيعيا ان تكثر مطالبتهم بالعـدل الاجتمـاعي ، وان يطمحـوا
ُ ِ الـى حكـام جـدد يقـرون فـيهم مبـادئ الاسـلام الـذي يوجـب المـساواة بـين افـراد الامـة فـي الواجبـات
جميعهـا الماليـة وغيـر الماليـة ، والـذي ينكـر الظلـم اشـد الانكـار . وقـد وضـعت كثـرتهم امالهـا فـي
ابنـاء علـي ع) ليـه الـسلام ( واسـرته الهاشـمية ، لمـا تميـز بـه حكمـه مـن مـساواة تامـة بـين العـرب
والموالي بحيث اصبحوا شيعتهم .
وعرف ذلك فيهم ابناء عمومتهم العباسيون ، ولكن كيف يلون هذه الزعامة ، والشيعة من
حولهم ينضوون تحـت الويـة ابنـاء علـي ع) ليـه الـسلام ( وحـدهم دون مـن سـواهم مـن الهاشـميين ؟
لقـد اخـذوا يفكـرون فـي ذلـك ، ولـم يلبثـوا ان نفـذوا الـى امنيـتهم المبتغـاة عـن طريـق فرقـة الكيـسانية
الشيعية التي تكونت حول ابن الحنفية، فقد استوطن ابنه ) ابـو هاشـم –( الـذي ورث عنـه زعامـة
هذه الفرقة وامامت –ها بلدة ) ُ َ َ الحميمة ( ببلقـاء الـشام ، ونزلهـا معـه )علـي بـن عبـد االله بـن العبـاس
واسرته ( ، وسرعان ما توثقت الـصلة بـين ابنـه محمـد وبـين ابـي هاشـم، وراى فيـه ابـو هاشـم خيـر
خلـف لـه علـى جماعتـه ، فلمـا حـضرته الوفـاة سـنة ) ثمـاني وتـسعين للهجـرة ( اوصـى لـه وصـية
صـريحة بالامامـة مـن بعـده . وبـذلك وجـد )محمـد ( ركيـزة يعتمـدها فـي اثبـات حقـه فـي الخلافـة ،
وكان حصيف الراي بعيد النظر ، فعمد الى تنظيم الدعوة العباسية سرا من مقّره في ) الحميمة ، (
متخذا من الكوفة دار التشيع ومستقره مهدا لها ومركزا ، وبدأ بنشر الدعوة في خراسان معتمدا في
ذلك الاعاجم حيث كان الموالي هناك يمتلؤون سخطا علـى الامـويين الـذين كـانوا لا يزيلـون عـنهم
ظلما الا ليقيموا مكانه ظلما اشد عنفا ، واعطى )محمد بن علي ( الاشراف على الدعوة بخراسان
) لـ ميسرة ( ثم من بعده لـ )بكير بن ماهان ( ثم توفي الامام ) محمـد بـن علـي ( عـام ) 125هـ(
عاهدا للامامة من بعده لابنه ) ابراهيم ( فارتضاه الدعاة ، وتوفي على اثره ) بكير ( فخلفه علـى
الدعوة صهره ) ابو سلمة الخلال ( ، فجّد ّ في الامر وجد معه الدعاة .
وكان الوليد بن يزيد بن عبـد الملـك قـد ولـي الخلافـة ، وكـان مـدمنا للخمـر منادمـا للفـساق
والمغاني ، وكانما كـان اشـارة الوقـت لمـا ادرك الخلافـة الامويـة مـن ضـعف وفـساد ، فاسـتغل ذلـك
دعاة ) ابي سلمة ( في خراسان ، فقد بدا في وضوح فساد الحكم كما بـدا فـساد الـنظم الاجتماعيـة
التي رزح الموالي تحت اثقالها الباهظة ، وتراءى حينئذ في الافق ان سـلطان البيـت الامـوي يـؤذن
بالـسقوط ، ونـشب صـراع عنيـف بـين افـراده، اذ لـم يلبثـوا ان قتلـوا الوليـد واخـذوا يتطـاحنون علـى
عرش الخلافة تطاحنا مرا .
وفي هذه الاثناء تولى ) ابو مسلم الخراساني ( قيادة الدعوة في موطنـه ، وكـان مـن دهـاة
الرجال ومن اكفئهم فـي النهـوض بجلائـل الاعمـال ، فاخـذ يـصور للنـاس فـساد الحكـم الامـوي ومـا
يــسومهم بــه مــن خــسف وظلــم، وكيــف انــه ســيملكهم الارض ويجعلهــم ســادة بعــد ان كــانوا عبيــدا
مـسترقين ، والنـاس يـسمعون لـه وينـضمون الـى دعوتـه ، وبـدات الثـورة فـي خراسـان ، وحواضـرها
تسقط واحدة اثر اخرى في يده ، وكان الأمويون في شغل عن خراسان بثورات الخوارج في العراق
وغير العراق ، وحينئذ تبرز الى النور حكومة بني العباس السرية.
وفـي هـذه الاثنـاء كـان الامويـون قـد قبـضوا علـى ) ابـراهيم بـن محمـد الامـام ( ، اذ عرفـوا
انـه هـو الـذي يـدبر هـذه الثـورة مـن مقـره فـي ) الحميمـة ( ، وعـرف ) ابـراهيم ( انـه سـيقتل ، فعهـد
بـالامر نمــ بعـده الــى اخيـه )ابــي العبــاس الـسفاح ( . وقتــل ابـراهيم ، ونقلــت الانبـاء الــى ) ابــي
العباس السفاح ( دخول ) الحسن بن قحطبة( الكوفـة – وهـو قائـد جيـشهم ضـد الامـويين – فخـرج
اليها في اهلـه يتقـدمهم اعمامـه : داود وعيـسى وصـالح وعبـد االله واسـماعيل وعبـد الـصمد ، واخـوه
ابوحعفر ، وابن عمه عيسى بن موسى بن محمد .
/ س ما الدافع الذي دفع الفرس لان يشاركوا في الثورة العباسية ؟
/ ج وذلــك لان ثمــن هــذه المــشاركة هــو مــشاركتهم بالــسلطة ، وبالفعــل طبــق هــذا الاتفــاق ،
واصبحت الخلافة للعرب والوزارة للفـرس ، الا انـه لمـا قلـت ّص الـصراع بـين العـرب انفـسهم دخـل
بالسياسة عنصر جديد هو العنـصر الفارسـي شـركاء الدولـة الجديـدة ، وبـدأ الـصراع مبكـرا بـين
الخليفة الذي مثّ ّ ل العرب والوزير الذي مثـل الفـرس ، والخلفـاء العباسـيون الاوائـل كـانوا اقويـاء
فكـسبوا الـصراع ، فـاكثرهم قتلـوا وزراءهـم الفـرس ، فـابو العبـاس الـسفاح قتـل وزيـره ابـا سـلمة
الخلال ، وابوجعفر المنصور قتل وزيره ابا مسلم الخراساني ، وقـصة نكبـة البرامكةمعروفـة فـي
عهد هارون الرشيد .
ولما كان الادب يتاثر بالحياة السياسية ، حق لنا ان نسأل :
/ س لماذا قل الادب السياسي شعرا ونثرا في العصر العباسي ؟
/ ج وذلك لسببين : الاول : لان الفئات السياسية الكثيرة في العصر الاموي من خوارج
وزبيريين وامويين انتهت وتقلصت ، واصبح الصراع بين فئتي العلويين والعباسيين فقط .
الثـاني : لان العباسـيين صـادروا حريـة النـاس فـي الكـلام خلافـا لمـا كـان عليـه الامويـون ، اذ
اصبح من يتكلم من الناس على العباسيين يكون مصيره القتل .
س/ ما الا ّ سباب التي أضعفت الخلافة العباسية وأدت الى تدهورها ؟
ج/ ّ ّ هناك عدة أسباب أدت الى ذلك كان أهمها:
- 1الشعوبية والزندقة : لفظان مجتمعان ظهرا في العصر العباسي ، والشعوبية هي موقف قومي
عنصري،وهي كره العرب عامة و ? احتقارهم وانكار كل ما لهم مـن فـضل أو مزيـة ، ويمكـن تفـضيل
جميع الأمم الأخرى على العرب.
أما الزندقة فهي موقـف دينـي ، وهـي معـاداة الاسـلام ومحاربتـه وعـدم الايمـان بـه كـدين ،
وهم الذين يسميهم القرآن الكريم بالمنافقين الذين يتظاهرون بالاسلام ويبطنون الكفر .
س/ الفخر غرض قديم من أغراض الشعر ، فهل عندما يفخر الشاعر ُ ?بقومـه يعـد موقفـه هـذا
ً شعوبيا ؟
ج/ ّ ً لا يعد هذا الموقف شعوبيا لأن العربي يفخر بقومـه ، فمـن حـق الأعجمـي أن يفخـر بقومـه
ً أيضا ، ولكن اذا افتخر بقومه ثم ال ُ َ تفت وشتم العرب فهذا موقف شعوبي فيقتل الشاعر عليه ،
وممن كان يذهب هذا المذهب في العداوة للعرب ) المتوكل ( ي الشاعر المنسوب الى المتوكـل ؛
لأنه كان من ندمائه ؛ إذ يقول في شعوبية حاقدة:
أنــا ابــن الأكــارم مــن نــسل
ّْ وجم
ِ ْ وحائز إرث ملوك العجم
وطـالب أوتارهـم جهـرةً ْ فمن نام عن حقهم لم أنم
فقـل لبنـي هاشم أجمعين َ ْ ?هلموا الى الخلع قبل الندم
وعــــــــودوا الــــــــى أرضــــــــكم
بالحجاز
ْ ?لأكل الضباب ورعي الغنم
َ فاني سأعلو سريـر ِ الملوك ِ ?بحد الحسام ْ وحرف القلم
وكأن الشاعر نسي أن بني هاشم من قريش سكان مكة فـي القـديم، وأنهـم لـم يكونـوا رعـاة
ولا أهل جفاء وخيام، انها الشعوبية العمياء.
ولكن هـذه الـشعوبية خطرهـا قليـل ، وذلـك لأنهـا علن َ يـة ، ولكـن الخطـر هـو فـي مـن يعمـل
?سرا لهدم الدين ولهدم الدولة ،وهي أخطر مظاهر الشعوبية والزندقة .
وكــان الفــر ً س هــم الــسبب أيــضا فــي تكــوين حركتـ ّـي الــشعوبية والزندقــة ،والتــي تمثلــت
بالحركات الانفصالية في شرقي الدولة ) بلاد ايران وما بعدها( حيث قامـت مجموعـة مـن الثـورات
والتمـردات الـشعوبية ، مثـل ا) لخرميـة والأشـفين والمازيـا( ، وهـي تمـردات عـسكرية مـسلحة كلفـت
لا ً دولة جهـودا وضـحايا للقـضاء عليهـا، لأنهـا كانـت تـدعو الـى طـرد العـرب والانفـصال عـن الدولـة
والعودة الى المجوسية.
ومن مظاهرها أيضا الوضع في الحديث النبوي الـشريف فـي نـشاطها الـسري ، أي وضـع
الآلاف من الأحاديث الكاذبة على لسان النبي محمد ) صلى االله عليه وآله وسلم ( ? واشاعتها بين
النـاس ، والهـدف منهـا تخريـب الـدين وتحريفـه وم َ ْ حاربـة الاسـلام ، ومـن يـضع هـذه الأحاديـث هـو
ُ تـااقن لهـا وذو خبـرة بهـا ، بـل قـد يـصلّ َ ى وراءه ، وهـذا أخطـر مـا قامـت بـه الـشعوبية والزندقـة ،
والذي ثبت على زندقتة قتلوه ، ومنهم ) عبد الكريم بن أبـي العوجـاء ( ُ عنـدما جـاءوا بـه ليقتـل قـال
بانه وضع ) (4000أربعة آلاف حديث كاذب ستجهدون في الحصول عليها وتصحيحها .
وعظمت حركة الزندقة في عهد المهدي ?ببغـداد والعـراق ،ورأى المهـدي فيهـا شـرا مـستطيراً
ّ يتهــدد كيــان الدولــة والاســ ?لام ، فجــد فــي طلــب الزنادقــة منــذ ســنة ) 166هــ( ً ، واتخــذ لهــم ديوانــا
ً يتعقبهم ، وأخذ يقتلهم نكالا لغيرهم ، وكان ممن قتله عبد االله بن وزيره أبي عبيد االله ، وبـشار بـن
برد الذي تبرأ من ولائه للعرب بقوله :
ُ أصبحت ِ مولى ذي الجلال وبعضهم م َُ ِ ولى العريب َ فخذ بفضلك ِ فافخر
وكان بشار يعلن إشادته بالنار معبودة قومه المجوس ويفضلها على الطين، كما يفضل
ابليس على الانسان ، وكذلك ُِ َ قتل صالح بن عبد القدوس ُ َ ، وحماد عجرد ، ومن قبلهم قتل ابن
المقفع في عهد المنصور ، وفيه يقول المهدي : )) ما وجدت كتاب ّ زندقة قط إلا وأصله ابن
المقفع (( .
الحياة الاجتماعية
َ ?لقد عم البذخ حياة الخلفاء وحواشيهم من البيت العباسي ومن الوزراء والقواد وكبار رجـال
الدولـة ومـن اتـصل بهـم مـن الـشعراء والمغنـين والعلمـاء والمثقفـين، وكـان الخلفـاء والـوزراء والـولاة
والقواد يغدقون علـى العلمـاء والأطبـاء والـشعرا َ ْ ُ ء والمغنـين ، ورسـم المهـدي لمـروان بـن أبـي حفـصة
مائة ألف درهـم علـى مدحتـه ذائـع مـشهور ، وكـان يـصنع الـصنيع نفـسه مـع المغنـين حـين يطـرب
ً ً َ لبعض أصواتهم ، وكان الرشـيد بحـرا فياضـا مـايِ ّ ني ينهـل علـى العلمـاء والفقهـاء مـن أمثـال قاضـيه
أبــي يوســف والأصــمعي والكــسائي ، والأطبــاء مــن مثــل جبرائيــل بــن بختيــشوع ، وكــان يجــزل
للشعراء والمغنين من نواله ، أما الأمين فق َ ?د تجـاوز بـصلاته كـل حـد حتـى قـالوا إنـه أجـاز عبـد االله
ً بن أيوب التيمي الشاعر يوما بمائتي ألـف درهـم ، وطـرب ليلـة لغنـاء إسـحاق الموصـلي ، فأعطـاه
ألف ألف درهم وهكذا كان ً الخلفاء جميعا يتنافسون في البذخ .
ونافسهم الوزراء في هذا البذل الواسـع ، وللبرامكـة فيـه مـا لـيس لأحـد ، فقـد كانـت بأيـديهم
خزائن الدولة في عهد الرشيد ، فملأوا منها أيـدي العلمـاء والأطبـاء والمتـرجمين والمغنـين والـشعراء
بالأموال ، وكأنهم كانوا يبارون فيه الرشيد .
وكـان لهـذه الـسيول التـي كانـت مـا تـزال تـسيل الـى حجـور العلمـاء والأطبـاء والمتـرجمين
والـشعراء والمغنـين أثرهـا الواسـع فـي نهـضة العلـو ُِ َ م والآداب والفنـون ، فقـد كفـي أصـحابها مؤونـة
َ ُ ً العيش ، بـل كـان مـنهم مـن يثـري ثـراء ً فاحـشا حتـى يقـال إنـه صـار الـى ابـراهيم الموصـلي المغنـي
أربعة وعشرون مليون درهم سوى راتبه الجاري وهو عشرة آلاف درهم .
ولاريـب فـي أن هـذا كلـه كـان علـى حـس ُ ْ اب العامـة المحرومـة التـي كانـت تحيـا حيـاة بـؤس
تقـوم علـى شـظف العـيش ليـنعم الخلفـاء والـوزراء والـولاة والقـواد وكبـار رجـال الدولـة وأمـراء البيـت
العباسـي الـذين بلغـوا هـم وأبنـاؤهم ً نحـو ثلاثـين ألفـا لعهـد المـأمون . وظهـر فـي هـذا العـصر أدب
يسمى ) أدب المسامرة ( أو أدب النديم ، وكان يصاحب هذا ظهور أدوات الترويج ولعب كثيـرة ،
مـن ذلـك سـباق الخيـل ، وسـباق الحمـام الزاجـل ، ُ ولعبـة الـصولجان ، وهـي كـرة تـضرب مـن فـوق
ظهور الخيل ، ومن ذلك المحادثة بين الديوك والكباش والكلاب .
ونتيجة للحروب التي خاضها المسلمون شاعت ظاهرة الرقيق ، وكان يقـوم عليـه موظـف
يـسمى ) َ ?قـيم الرقيـق ( . ُ وكـان الرقيـق يجلـب مـن بـلاد الـزنج وافريقيـة الـشرقية ومـن الهنـد وأواسـط
آسـيا ومـن بيزنطـة وجنـوب أوربـا ، وقـد دعـا الاسـلام دعـوة واسـعة الـى تحريـر الرقيـق فكـان كثيـر
مـنهم ّ يحـررون ، وقـد يـصل بعـضهم الـى أرفـع المناصـب فـي الدولـة مثـل الربيـع بـن يـونس مـولى
المنــصور وحاجبــه ثــم وزيــره . وكــان الرشــيد يــستكثر مــنهم ح ً تــى قيــل إنــه ســار يومــا وبــين يديــه
أربعمائة منهم .
وكـان رقيـق النـساء مـن ا ً لجـواري أكثـر عـددا مـن رقيـق الرجـال ، فقـد ?امـتلأت بهـن الـدور
ُ ?والقـصور ، وكـن معروضـات بـدور النخاسـة تحـت أعـين الرجـال ، وكانـت الجـواري مـن أجنـاس
ّ وثقافات وديانات وحضارات مختلفة ، فأثرن ً ّ آثارا واسعة في أبنـائهن ومحـيطهن وهـي آثـار امتـدت
الى قصر الخلافة و ً عملت فيه عملا بعيد الغور ، فقد كان أكثر الخلفاء مـن أبنـائهن ، فالمنـصور
أمــه حبــشية والهــادي والرشــيد أمهمــا الخيــزران روميــة والمــأمون أمــه مراجــل فارســية وكــذلك أم
المعتـصم مـاردة ، وكانـت أم الواثـق روميـة وتـسمى قـراطيس . وقـد أخـذ هـؤلاء الجـواري يكثـرن فـي
القصر منذ عهد المهدي ، ويقال إنه اشترى جاريته مكنونة بمائة ألف درهم .
وكان للغناء في الناس أثر كبير ، ً فقد شغلوا به كثيرا ، وكأنه نعيمهم من دنياهم الذي لا
يـؤثرون سـواه لمـا يبعـث فـي نفوسـهم مـن غبطـة وابتهـاج ، وكـان الغنـاء قـد بـدأ منـذ نهايـة العـصر
ُ الأمـوي ُ ، ?ومـا تنـشأ بغـداد ويطـل عهـد المهـدي حتـى ً تـصبح دارا كبيـرة للغنـاء ، فقـد جـذبت اليهـا
المغنـ َُِ ?ين والمغنيـات مـن كـل فـج ، نثـرت علـيهم الأمـ َ ـوال ، وأول مـن نثرهـا مـن الخلفـاء المهـدي ،
واقتدى به الهادي ، وخلفهما الرشيد فجعل المغنين مراتب وطبقات ، وهو الـذي طلـب الـى ابـراهيم
الموصلي واسماعيل بن جامع ُ وفليح بن أبي العوراء أن يختاروا له الأصوات المائة التي أدار أبو
الفرج الأصبهاني – فيما بعد – كتابه الأغاني عليها .
ُ وبلغ من رقي هذا الفن وارتفاع شأنه في ِ النفوس أن أقبـل أبنـاء الخلفـاء وعليـة القـوم علـى
تعلمه واتقانه حتى لنراهم يصنعون فيه ألحانً ً ُْ َ ُ ا وأصواتا تنسب اليهم ، وقد فتح أبو الفرج في أغانيه
ً فـصلا ، بـ ً ِ َ ل فــصولا طويلـة لأبنـاء الخلفــاء ، ومـا أُثـر عــنهم مـن أصـوات ، وأشــهرهم ابـراهيم بــن
ّ ُ ُ َ ?المهدي وأخته علية ، وكان ابراهيم يعد في كبار المغنين المحسنين ، وله أصوات كثيرة ، وكانت
ُ ّ علي ّـة مثلـه تجيـد الغنـاء وقـد خلفـت فيـه ثلاثـ ً ة وسـبعين صـوتا . وممـن بـرع فـي الغنـاء وأثـرت عنـه
أصوات بديعة فيه عبد االله بن طاهر ، وأبو دلف العجلي قائد المأمون المشهور.
وكانت القيان في الكوفـة وبغـداد يكثـرن مـن الاخـتلاف الـى دور الـشعراء ، وكـان الـشعراء
وغيــرهم يــزورونه ّ ّ ?ن فــي دور اصــحابهن مــن المقينــين ، وكانــت أشــبه بــالنوادي الكبيــرة للغنــاء
والموســيقى يــثكو. ً ّ را مــا يقــع الــشعراء فــي حــب بعــضهن المكــتملات الخلــق الجمــيلات الجــسد ،
فيـستأثرن بكـل مـافيهم مـن عاطفـة وهـوى علـى نحـو اسـتئثار ريـم بقلـب مطيـع بـن إيـاس ، وعبـادة
بقلــب عبــد االله بــن محمــد البــواب ، وعنــان بقلــب أبــي النــضير ، وسلــسل بقلــب أبــان بــن عبــد
ّ الحميد،وكن يتبارين في جذب الشع ُ راء بمـا يـ ّ شعن فـي أحـاديثهن ُ ّ مـن عذوبـة حلـوة وبمـا يحـسن مـن
صنوف الغزل والعبث بقلوب الرجال .
وعلى هـذا النحـو كانـت الجـواري والقيـان ّ فـي هـذا العـصر مـن العوامـل الفعالـة فـي انتـشار
الظـرف والرقـة فـي المجتمـع العباسـي حتـى أصـبحا ّ سـمتين بـارزتين فيـه ، وبـذلك رقـت المـشاعر
والأحا ّ ً ً سيس ودقت الاذواق وأرهفت إرهافا شديدا .
المجون
ورث المجتمع العباسي ما كـان فـي المجتمـع الـساساني الفارسـي مـن أدوات لهـو ومجـون،
وساعد على ذلك مادفعت اليه الثورة العباسية من حرية مسرفة ، فإذا الفـرس يمعنـون فـي مجـونهم
ّ ?ويمعن الناس معهـم ، فقـد مـضوا يعبـون الخمـر عبـا ، ويحتـسونها حتـى الثمالـة ، فأصـبح الادمـان
عليها ظاهرة عامة ، وكان من أسباب انتـشارها واقبـال النـاس عليهـا أن أدى اجتهـاد فقهـاء العـراق
?
الـى تحليـل بعـض الأنبـذة كنبيـذ التمـر والزبيـب المطبـوخ أدنـى طـبخ ونبيـذ العـسل والتـين ، فـشرب
النـاس هـذه الأنبـذة وقـبلهم شـربها الخلفـاء ، وتهالـك بعـض النـاس – إمعانـا فـي المجـون – علـى
أنواعها المحرمة باجماع الفقهاء .
والمعروف أن الهادي أول خليفة عباس ْ ِ َ َ ي أُغري بـالخمر ، وتبعـه الرشـيد ومـن جـاءوا بعـده
، ولاسيما الأمين الذي كان يعيش للخمر ً ً المسكرة يشربها أرطالا ، حتى ليصل أحيانا مساءه فيهـا
بصباحه ، وكان من ندمائه أبو نواس ، وكان الأمين اذا نام واستيقظ السحر طلب الى أبي نواس
أن ينشطه الى متابعة السكر ببعض الأبيات ، فأنشده :
َن?ب َ ه نديم ْ ك قد نعس ً ْ يسقيك كأسا في الغلس
ِ صرفاً ّ كأن ُ ش َ عاعها ّ في كف شـ ْ اربها قبس
تََذُر ّ الفتى وكأنماـ بلسانه منهـ ـا خ ْ رس
ُيْد َ ع َ ى فيرفع رأس ُ ه ّ فإذا استقل ب ـه نـ ْ كس
ّ فهش الأمين ونشط ودعا بالشراب يصطبح به لليوم التالي وينعم بنشوته .
ولهذا السبب اشتهر فيها غير شاعر بخمرياته ، على نحو ماهو معروف عن أبي نـواس
، وقــد تفــنن الــشعراء فــي وصــف نــشوتها وآثارهــا فــي الجــسد والعقــل ووصــف دنانهــا ومجالــسها
وندمائها وسقاتها ، ومنذ أول العصر نجـد الخمـ ّ ّ ر تقتـرن بالغنـاء والـرقص ، إذ تحـول المقينـون فـي
كـرخ بغـداد والبـصرة والكوفـة بـدورهم الـى حانـات كبيـرة للـشرب كـل مـساء ، فكـان الـشعراء وغيـرهم
يؤمونهـا للــشرب علــى غنـاء القيــان وضــرب الـدفوف والطبــول ، وكثيــر مـن دور الــشعراء أنفــسهم
تحولـوا بهـا الـى مقاصـف للخمـر والمجـون علـى نحـو ماكانـت دور مطيـع بـن إيـاس ورفقائـه فـي
الكوفة ودار بشار بن برد في البصرة ودار أبي نواس في بغداد .
ومما لا ريب فيه أن إدمان الخمر حينئٍـذ دفـع الـى كثيـر مـن المجـون والعبـث والإباحيـة ،
ً وكان المجتمع زاخرا بزنادقـة وملاحـدة وأنـاس مـن ديانـات شـتى مجوسـية وغيـر مجوسـية ، فـأطلقوا
ِ العنان في ارتكاب الآثام متحررين من كـل قـانون للخلـق والعـرف والـدين . وكـان مـن أهـم العوامـل
ُ التي هيأت لذلك السلع التي كانت تباع وتشترى من الجواري والقيـان فـي هـذا العـصر الـى انتـشار
الغزل المكشوف الذي لا تصان فيه كرامة المرأة والرجل ، فكان الـشعراء ينظمـون ً فـي ذلـك أشـعارا
صـريحة ، علـى نحـو مـا يلقانـا عنـد مطيـع بـن إيـاس فـي الكوفـة ًوبـشار بـن بـرد ومعاصـريه فـي
البصرة ، وقد استحال شعر بشار الى نداء صارخ للغريـزة الجـسدية ، نـداء ينـدى لـه جبـين الـشرف
ّ ، مما جعل وعاظ بلدته من أمثال واصـل ب ّ ـن عطـاء ومالـك بـن دينـار يـصرخون بـه ان يكـف عـن
ّ غيـه ، وتعـالى صـياحهم حت ّـى وصـل سـمع المهـدي ، فهـدده وأنـذره ان ينـزل بـه عقابـه إن هـو لـم
يزدجـر ، واضـ ّ طر أن ينـزل علـى مـشيئته وبكـى ذل ًـك طـويلا فـي اشـعاره، علـى أن تـدخل المهـدي
ً ّ جاء متأخرا ، فقد عم طوفان هذا الغزل لا في البصرة والكوفة وحدهما ً ، بـل أيـضا فـي بغـداد عنـد
ُ أبي نواس وأضرابه ، بحيث ع?د ظهورال ً عباس بن الأحنف بغزله الطاهر العفيف شـذوذا علـى جيلـه
ومجتمعه .
وقد أشاع هؤلاء المجان والخلعـاء آفـة مزريـة هـي آفـة التعلـق بالغلمـان المـرد ، وكـان أول
من اشتهر بالغزل فيهم والبة بن الحبا ً ب ، وهو يصرح بذلك تصريحا في غير مواربة ولا اسـتحياء
، ويقال إنه هو الذي يتحمل وزر إفـساد أبـي نـواس ، وفـي رأي الـدكتور شـوقي ضـيف أنـه يتحمـل
وزر العصر كله وما شاع فيـه مـن هـذا الغـزل المقيـت الـذي يخنـق كرامـة الرجـل ، وربمـا كـان مـن
أسباب شيوعه ُ كثرة الغلمان الذين قتَِ ْ لـت رجـولتهم فـي بغـداد وغيرهـا مـن مـدن العـراق ، وكـان مـنهم
من تسقط عنه رجولته حتى ليلبس لبس النـساء . ً وكـان مـن الجـواري مـن يلـبس لـبس الغلمـان لفتـا
للشباب والرجال ، ويروى أن الأمين حين أفضت إليه ّ الخلافـة قـدم الغلمـان وآثـرهم ، فـشاعت قالـة
ّ السوء فيه ، ورأت أُمه زبيدة َْ ً درءا لتلـك القالـة ?أن تبعـث إليـه بعـشرات مـن الجـواري ، ألبـستهن لـبس
الرجال ، حتى ينصرف عن الغلمان . فك ?ن يختلفن بين يديه ، وابرزهن للناس ، ولم يلبث كثيرون
ُ ? ُ ?أن جاروه في هذا الصنيع ، وكن يسمين ّ بالغلاميات ، وعمت هذه البدعة في الـساقيات بالحانـات
، ?ولعل ّ ذلك هو السر في أن أبا نو ً ّ اس كثيرا ما يتحدث عن بعض الجواري بضمير المذكر .
الزهد والتصوف
كانــ ّ ّ ت موجــة المجــون حــادة ، ولكنهــا لــم تكــن عامــة فــي المجتمــع ، بــل كانــت خاصــة
بــالمترفين ومــن حــولهم الــشعراء والمغنــين ، أمــا عامــة الــشعب فلــم تكــن تعــرف المجــون ، وكــانوا
ساخطين س ً ً خطا شديدا على كل ما يرونه حولهم من جموح الأهواء والإمعان في المجون .
واذا كانت حانات الكرخ ودور النخاسة والمقينين به اكتضت بالجواري والقيان والمغنين ،
ُّ ُ ?فإن مساجد بغداد كانت عامرة بالعبـاد والنـساك وأهـل التقـوى والـصلاح ، وكـان فـي كـل ركـن منهـا
حلقة لواعظ ي ?ذكر باالله واليوم الآخر وما ينتظر الصالحين من النعيم المقيم والعاصين من العذاب
والجحيم . َ ّ ْ وكان من الوعاظ من يقتحم قصر الخلافة ليعظ الخلفـاء علـى نحـو مـاهو معـروف عـن
عمرو بن عبيد في وعظه للمنصور ، وصال ّ ح بن عبد الجليـل فـي وعظـه للمهـدي ، وابـن الـسماك
في وعظه لهارون الرشيد .
وكان الوعظ في هذا العصر يلتحم بالقصص للعظة والعبـرة ، وهـو التحـام قـديم منـذ تمـيم
الداري وكعب الأحبار في عصر الخلفاء ا ُ ّ لراشدين ومنذ قصاص الفتوح من أمثـال أبـي سـفيان بـن
حـرب . وقـد ازدهـر هـذا الـوعظ القصـصي فـي عـص ّ ر بنـي أُميـة عنـد الحـسن البـصري وأضـرابه ،
وتكامل ازدهاره في هذا العصر . وقد كثر قصاص الوعظ الذين كانوا يدفعون الى العبادة ورفض
المتاع الدنيوي وسلوك السبيل الواضحة الى نعيم الآخرة كثرة مفرطة .
ّ ويدل أكبر الدلالة على ارتفاع موجة ٍ ّ ّ ّ النسك حينئذ أنـه أخـذت تنبثـق بـين النـساك مقـدمات
نزعة التصوف متمثلة في ابراهيم بن أدهم البلخي ت) ( 160هـ ورابعة العدوية ت) ( 180هـ وشـقيق
البلخـي تلميـذ ابـن أدهـم ت) ( 194هــ ومعـروف الكرخـي ت) ( 200هــ وعبـدك الكـوفي وأبـي سـليمان
الداراني الشامي ت) ( 205هـ وبشر بن الحارث الحافي الخراساني نزيل بغـداد ت) ( 227هـ وينبغـي
ّ ألا نبـالغ فـي أن التـصوف نــضج فـي العـصر العباسـي الأول ، إنمــا أخـذت مقدماتـه فـي البــروز
والظهور ، أما تكونه التام فقد حدث في العصر العباسي الثاني .
وثمـة آراء قيلـت فـي اشـتقاق كلمـة صـوفي ، ذكرهـا )القـشيري( فـي )الرسـالة القـشيرية ، (
منها : أنها أُخذت من الصوف لأنهم كانوا يلبسونه ً تمييزا لهم من أهل ر الّفه والتنعم ، أو هـي مـن
ال ? ? ?صفاء ، أو هي من الصفة نسبة الى أهل الصفة الذين كانوا ينقطعون للعبـادة فـي المـسجد لعهـد
الرسول )ص( ، وذهب البيروني الى انها مشتقة من كلمة صوفيا اليونانية بمعنى الحكمة .
وفـي هـذا العـصر ّ تأصـلت فـي التـصوف فكـرة المعرفـة الإلهيـة ومحبـة االله ، كمـا تأصـلت
فكــرة أن الــصوفية أوليــاء االله ، وقــد أحــاط )الحــلاج( الرســول ) لىصــ االله عليــه وآلــه وســلم( بهالــة
قدسية تشبه الهالة التي يحيط بها المسيحيون المسيح ع) ليه السلام( ، وكان لذلك كلـه أثـر عميـق
ّ في حياة التصوف وتطوره على مر الأجيال .
الحياة الثقافية والعقلية
ّ اتـسعت رقعـة الدولـة العباسـية ، حيـث امتـدت ً مـن حـدود الـصين وأواسـط الهنـد شـرقا الـى
المحيط الأطلسي غربـا ، ومـن المحـيط الهنـدي وا ً ً لـسودان جنوبـا الـى بـلاد التـرك والـروم والـصقالبة
ً شـمالا . أي أن الدولـة ّ ضـمت بـين جناحيهـا ) دبـلا الـ ? سند وخراسـان ومـاوراء النهـر وايـران والعـراق
والجزيـرة العربيـة والـشام ومــصر والمغـرب ( ، هـذه الرقعـة الجغرافيــة الكبيـرة عاشـت فيهـا شــعوب
متباينــة مــن حيــث الجــنس واللغــة والثقافــة ، وهــذه الــشعوب والأجنــاس بــدأت تنــصهر فــي الوعــاء
العربي حتى غدت كأنها جنس واحد .
وأهم الاسب ُ اب وراء ذلـك نـزول القبائـل العربيـة فـي الأمـم المفتوحـة وامتزاجهـا بـشعوبها فـي
?السكن وعن طريق المـصاهرة وتـسري الإمـاء ، بحيـث غـدت بيـوت بغـداد تزخـر بـالجواري مـن كـل
ً جنس ، بحيث أصبح العربي خالص الدم في بغداد نادرا .
وكـان وراء هـذا المـزج الـدموي بـين العنـصر العربـي والعناصـر الأجنبيـة مـزج روحـي عـن
طريق الولاء الذي شرعه الاسلام والذي اتخذ رابطة تشبه رابطة ا ?لـدم ، فالـشخص يكـون فارسـيا أو
?هنــديا? أو رومي ً ً ً ً ً َ ــا أو قبطيــا ويكــون عربيــا ولاء ، وحتــى مـ ُـن لــم يــسلم مــن المــوالي مــن المجــوس
والــصابئة والنــصارى أخــذ ينــدمج فــي المحــيط العربــي بفــضل مــا شــرعه الإســلام لهــم مــن حقــوق
اجتماعية وحرية دينية .
َ ْ وقد اسرع مـن أسـلموا مـ ً ن الـشعوب المفتوحـة جميعـا الـى تعلـم لغـة القـرآن الكـريم والحـديث
ِ النبـوي ، فلـم يمـض نحـو قـرن حتـى أخـذت العربيـة تـسود فـي كـل أنحـاء العـالم الإسـلامي ، وقـد
ملكـت ألـسنة النـاس وقلـوبهم فـي البلـدان المفتوحـة ج ً ً ميعـا ، فأصـبحت شـعوبها جميعـا عربيـة اللغـة
والتفكير والشعور والثقافة والأدب والحضارة ، وأقبلت تلك الشعوب علـى التعـرب ، ولاسـيما الفـرس
الذين أكبوا على تعلم العربية حتى اتقنوها ، وأصبح جمهور العلماء والكتاب والشعراء منهم ، فهـم
يقبلـون علـى درس الـشريعة الإسـلامية والفقـه ، وجمـع العربيـة وتـدوين أُصـولها النحويـة ، ? واحـسان
صناعة الكتابة ، والـشعر ، وأبـرز أعلامهـم مـنهم أبـ: و حنيفـة ، وسـيبويه ، وابـن المقفـع ، وبـشار
وأبو نواس .
وبسبب اخـتلاط العـرب بالـشعوب الأخـرى أخـذ اللحـن بالتفـشي ، ولكـن علمـاء اللغـة كـانوا
بالمرصاد لكل م ّ ن يلحن ، حتى لكأنهم كانوا يعدون اللحن احدى الكبائر .
و ?كــذلك تــسربت الــى اللغــة اللكنــات الأعجميـة بــسبب صــعوبة التكيــف العــضوي لمخــارج
الحروف العربية التي لا توجد في لغاتهم .
اذن الأمـة العربيـة تــؤثر وتتـأثر ، يقــول الـدكتور طــه حـسين : )) ّ إن العــرب أثـرت فــي
الأمـم الأخـرى ثقافيـا ولكنهـ ّ ً ً ا تـأثرت بهـا ماديـا والعـرب فرضـوا الـدين الاسـلامي وفرضـوا معـه اللغـة
العربية في حين أخذوا من تلك الثقافات والحضارات بعض الماديات (( .
لقـد اذكـى الاسـلام جـذوة المعرفـة فـي نفـوس العـ ً ـرب ، إذ دفعهـم دفعـا الـى العلـم والتعلـيم ،
ونهض التعليم في العصر العباسي نهضة واسعة ، وكانت مناهلـه الأولـى تبـدأ بـ)الكتاتيـب( حيـث
كــان الناشــئ يــتعلم فيهــا مبــادئ القــراءة والكتابــة وبعــض س ً ــور القــرآن الكــريم وشــيئا مــن الحــساب
وبعض الأشعار والأمثال .
وكانــت الكتاتيــب خاصــة لتعلــيم أبنــاء العامــة ، وكــان هنــاك معلمــون لأبنــاء الخاصــة ،
ً وكـانوا أحـسن حـالا مـن معلمـي أبنـا ُ ُ ء العامـة ، حيـث كانـت تفـرض لمـن كـان يعلـم أبنـاء الخلفـاء
والوزراء والبيت العباسي والقواد منهم رواتب ضخمة جعلتهم يعيشون في سعة من العيش ، ومنهم
) المفـــضل الـــضبي( معلـــم المهـــدي ، ولـــه اختـــار مجموعتـــه الـــشعرية الملقبـــة بالمفـــضليات ،
)والكسائي( معلم الرشيد وابنيه الأمين والمأمون .
وامتـازت فـي هـذا العـصر البـصرة بـسوق باديتهـا المعـروف بــ)المربـد( الـذي كـان ملتقـى
للفـصحاء العـ ًـرب يلتقـي فيــه شــباب البـصرة تمرينــا لألـسنتهم وتربيــة لأذواقهــم ، وكـان مــن شــعراء
َ البصرة الشباب من يرحل الى البادية ليأخذ اللغـة والـشعر مـن ينابيعهـا الأصـلية علـى نحـو مـا هـو
معروف عن بشار بن برد .
وكانت المـساجد سـاحات العلـم الكبـرى ، ً ً فلـم تكـن بيوتـا للعبـادة فحـسب ، بـل كانـت ايـضا
معاهد لتعليم الشباب ، حيث يتحلقون حول الأسـاتذة يكتبـون مايلقونـه أو يملونـه ، وكـان لكـل فـرع
مـن المعرفـة حلقتـه الخاصـة، فحلقـة لفقيـه وحلقـة لمحـدث وحلقـة لقـصاص أو لمفـسر وحلقـة للغـوي
وحلقة لنحوي وحلقة لمتكلم ، وكانت هناك حلقات للشعراء ينشدون فيها أشعارهم .
وهذه الحلقات الكثيرة هيأت لظاهرتيبن كبيرتين ، أولهما : كثرة العلماء المتخصصين فـي
كل علم وفن ، والثانية ن: شوء طائفة من العلماء و ً الأدباء الذين نوعـوا معـارفهم تنويعـا ً واسـعا ، إذ
لم يكتفوا بالاختلاف الى حلقة واحدة ، بل مضوا يختلفون الى الحلقات المتنوعـة ، آخـذين بطـرف
من ك ً ل لون من ألوان المعرفة حتى أصبحوا يتحدثون حديثا شائقً ّ ا في صور المعرفة كلها ، وكان
ُيطلَق على هذه الطائفة في البصرة اسم )المسجديين( ٌ ، وكان لهم سوق نافقة في مجـالس الخلفـاء
?والوزراء وعلية القوم ، وصار ا َ لمثقف العباسي المثالي هو من أخذ من كل علم وفن بطرف .
لقــد أغــدق الخلفــاء ووزراؤهــم ع ً ?لــى العلمــاء كثيــرا ، وكــان أول مــن ســن هــذه الــسنة مــن
الخلفاء )المهدي( ً ، ثم صار بعد ذلك تقليدا احتذاه من جاء بعده .
وان من أهم الأسباب في بلوغ الحركة العلمية غايتها من النهضة الواسعة استخدام الورق
فـي هـذا العـصر ، وأنـشأ ) الفـضل بـن يحيـى البرمكـي ( ً فـي عهـد الرشـيد مـصنعا ببغـداد للـورق ،
فاتـسعت صـنعة الوراقـة، وكـان ممـا دفـع لـرواج الوراقـة تنـافس كثيـرين علـى اقتنـاء الكتـب واتخـاذ
المكتبات، وقد أقامت الدولـة منـذ عهـد الرشـيد مكتبـة ضـخمة هـي )دار الحكمـة ( ُ عنيـت فيهـا اشـد
العناية بالكتـب المترجمـة التـي تحمـل كنـوز الثقافـات الأجنبيـة ، وكانـت هـذه المكتبـة جامعـة كبـرى
لطلاب العلم والمعرفة .
وكانـت أضـخم مكتبـة هـي مكتبـة ) يحيـى بـن خالـد البرمكـي ( ، وربمـا فـاق هـذه المكتبـة
ً عظمــا وضــخامة مكتبــة ) الواقــدي ( المــؤرخ المــشهور ت) ( 207هــ وكانــت تــشتمل علــى ســتمائة
صندوق مملوءة بالكتب.
وأنشأ بعض الوراقين لهم دكاكين كبيرة ملؤوها بالكتب يتجرون بها ، وكان بعض الشباب
يغدو الى هذه الدكاكين لا ليشتري منها فحسب ، بـل ليقـرأ فيهـا ?مـا لـذ وطـاب مـن صـنوف الآداب
نظير أجر بسيط يتقاضاه منه صاحبها .
وممـا هيـأ لازدهـار ً الحركـة العلميـة ايـضا مجـالس الخل ?فـاء والـوزراء والأمـراء والـسراة ، إذ
تحولوا بها الى مايشبه ندوات علمية ُ يتناظر فيها العلماء من كل صنف ، على نحو ما يروى من
منـاظرة الكـسائي الكـوفي واليزيـدي البـصري بـين ي ُـدي المهـدي ، ومـا يـروى مـن منـاظرة الكـسائي
وسيبوبه بين يدي الرشيد أو بين يدي يحيى بن خالد البرمكي .
وكـان مجلـس المـأمون سـاحة واسـعة للجـدال وا ً لمنـاظرة ، وكـان مثقفـا ثقافـة واسـعة عميقـة
بالعلوم الدينية واللغويـة وبالفلـسفة وعلـوم الأوائـل ، فمـضى يحـول مجالـسه فـي دار الخلافـة ببغـداد
الى ندوات علمية تتناول فروع المعر ً فة كلها ، وكذلك كان مجلس يحيى بن خالد البرمكي ، فضلا
عن مجلس أيوب بن جعفر بن أبي جعفر المنصور .
وكـان يلتقـي فـي هـذه المجـالس أصـحاب الملـل والنحـل والأهـواء المختلفـة ، وكانـت هنـاك
مجالس أخرى للمتفلسفة و ُ المتكلمين ، ويخيل الى الانسان كأنما كانت أزواد المعرفـة والثقافـة ملقـاة
ّ ?في كـل مكـان ، وهـي حقـا كانـت مطروحـة فـي الطرقـات معرضـة لكـل الأيـدي ، ويكفـي أن نعـرف
أن أعـلام ً الـشعر فـي هـذا العـصر كـانوا جميعـا مـن الطبقـة الـدنيا فـي الـشعب ، فبـشار كـان أبـوه
ّ ً طيانا يضرب اللـبن ، وأبـو نـواس كانـت أمـه غازلـة للـصوف ، ومـن هـذا الغـزل كانـت تعولـه، وأبـو
ِ العتاهية كان في صغره يحمل الخزف والجرار على ظهره في شوارع الكوفة يبيعهـا للنـاس ، وكـان
أبو مـسلم ّ ً ً بـن الوليـد حائكـا ، وأبـو تمـام كـان أبـوه عطـارا ً أو خمـارا ، ويمكـن القـول إن أبنـاء العامـة
جميعا قد أ ّ ً ً صابوا حظا مـن الثقافـة ، ونـرى الجـاحظ فـي رسـالته ) الـرد علـى النـصارى( ينكـر علـى
العامــة تعرضــهم لمناقــشة الملحــدين فــي آرائهــم الفاســدة لعــدم إحــاطتهم الدقيقــة بتلــك الآراء ومــا
ً ينقضها نقضا من الأدلة ، يقول : )) ومن البلاء أن كل إنسان من المسلمين يرى أنه مـتكلم وأنـه
ليس أحد أحق بمحاجة الملحدين من أحد(( . ويهمنا ما تدل عليه شكواه من أن كل مسلم لعصره
أص ?ـاب حظـا مـن طريقـة المتكلمـين فـي حجـاج اصـحاب الملـل والنحـل الفاسـدة ، وبالمثـل كانـت
العا ً مة تصيب حظوظا من الثقافة الدينية واللغوية والشعرية .
وكان هذا ثمـرة ازدهـار الحركـة العلميـة والأدبيـة فـي العـصر ، وأهـم الأسـباب التـي دفعـت
الى ذلك الاتصال الخصب المثمر بين الثقافة العربية الخالصة وبين ثقافات الأمم المـستعربة ومـا
طوى فيهـا مـن معـارف وعلـوم ، وكـان هـذا الاتـصال يأخـذ منـذ عـصر بنـي أُميـة طـريقين : طريـق
المشافهة مع المستعربين ، وطريق النقل وال ّ ً ترجمة ، إلا أن الطريق الثاني اتسع كثيـرا فـي العـصر
العباسي .
كل ماسبق تسبب في اغناء الحياة الثقافية في العـصر العباسـي ، والتـي كانـت تـسير فـي
ثلاثة روافد :
- 1علوم العربية : ونعني بها علوم اللغة وما يتصل بها من نحو وبلاغة ونقد وعروض وصرف
وعلم لغة.
- 2العلـوم الاسـلامية : وهـي كـل العلـوم التـي تـدور حـول القـرآن والـسنة والاسـلام ، والتـي تتنـاول
التأويل أو التفسير والاعراب وغير ذلك .
- 3العلوم المعربة أو المترجمة : ويراد بها كل ما نقل الى العربية من تراث الأمم المختلفة .
لقــد نــشطت الترجمــة ، وكــ ُ ِ ان للخلفــاء دور كبيــر فــي ذلــك ، فترجمــت المــصنفات اليونانيــة عــن
السريالية، وعن اليونانية الى اللغة العربية .
وقـد أدلـى الفـرس بـدلوهم لا فـي ثقـافتهم فحـسب ، بـل فـي نقـل الثقافـة اليونانيـة أيـضاً ، إذ
نقل لنا )ابن المقفع( منطق ارسطو ، وكتاب )كليلة ودمنة( وهي حكايات هندية الأصل .
وأنفـق الخلفـاء ام ًـوالا طائلـة أذكـوا بهـا جـذوة الترجمـة مثـل )المـأمون( الـذي أنـشأ )دار أو
خزانة الحكمة(، ووظف فيها مترجمين وجلب لهـم الكتـب مـن بـلاد الـروم فترجمـت مـصنفات كثيـرة
فـي علــم الفلــك والرياضـيات والجغرافيــة والطــب وتركيـب الأدويــة والهندســة والكيميـاء ، وكــن مــن
الطبيعـي نتيجـة لهـذا الاخـتلاط ونقـل الكتـب وترجمتهـا أن يظهـر لـدينا علمـاء فـي الاختـصاصات
المختلفة مثل الخوارزمي وجابر بن حيان .
ً وكـان مـن الطبيعـي ايـضا وقـد نقلـت الفلـسفة اليونانيـة أن تـصبح للعـرب فـي مـرور الـزمن
فلسفة خاصة ذات طوابع مستقلة ، فالعقل ا ً ً لعربي فـي العـصر العباسـي أصـبح عقـلا متفلـسفا كمـا
ً ً أصبح عقلا علميا .
وأول فيلسوف عربي ) الكندي( الذي لقـب فيلـسوف العـرب ، ومـن ثمـة كـان هنـاك أعـلام
بارزون في الفلسفة الاسلامية ) الفارابي( )ت( . 339هـ

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .