الدين وآثره على حياة الفرد والمجتمع



Rating  0
Views   9608
حسنين فاضل حمزة الجبوري
6/14/2011 7:46:38 PM

الدين وأثره على حياة الفرد والمجتمع

إنّ التدين فطرة في الإنسان ، مثل بقية الغرائز الفطرية التي تتكون منها النفس البشرية كالحاجة إلى الطعام والشراب وحب البقاء . قال تعالى : ? فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ? [ الروم :30] . فهذه الآية صريحة في أن فطرة الإنسان هي التدين وطاعة الله ، واللجوء إليه ، فالمؤمن دائم الطاعة والخضوع واللجوء إلى الله ، وأما غير المؤمن فلا يلجأ إلى الله إلا عند الملمات والأزمات والأوقات الحرجة .
إنّ التدين الصحيح يترك آثاراً واضحة في حياة الإنسان من خلال تأثيره وتلبيته لحاجات الفرد العقلية والنفسية والروحية والجسمية . أما أثر الدين في حياة الفرد من الناحية العقلية فنذكر أن الإسلام قد نظر إلى العقل نظرة متوازنة ، بلا إهمال ولا تقديس ، بل جعل له دوراً في الحياة من خلال تنمية العقل أولاً  ، فكما الجسم يحتاج  إلى غذاء لينمو ، كذلك العقل يحتاج إلى غذاء بالعلم والمعرفة ، فعندما ينمو العقل يفكر أولاً فيما بين يديه من المنظور والمشاهد أمامه ، فإذا نما أكثر حاول البحث والتفتيش عما وراء هذا المنظور ، وما هو وراء الغيب ، وعلى هذا يأتي الدين ليلبي تطلعه ورغبته في المعرفة فيقدم أجوبة لتساؤلاته مع الحجة والإقناع ، ومن هنا فإن الدين يعد غذاءً ضرورياً لتنمية العقل .
وفضلاً عن تنمية العقل فإن الإسلام كرّم العقل ، فعندما يكرّم الإنسان عقله ويطيع ربه يكتسب العزة لقوله تعالى : ? ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ? [ المنافقون :8]  .
اهتم الإسلام بعقل الإنسان ونفسه كذلك فهناك دعوة للعقل إلى التفكير والبحث والتأمل في الكون ، فما دام الله عزوجل قد سخر الكون للإنسان ، فينبغي أن لايهمل لقوله تعالى : ? ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ...? [ لقمان :20] .
ونتيجة للبحث والتفكير ووجوب التأمل والنظر ، دعا الإسلام إلى العلم والأخذ بأسبابه ووسائله ، لقوله تعالى : ? إنما يخشى الله من عباده العلماء ? [فاطر :28] .
وكما اهتم الإسلام بالناحية العقلية للإنسان كذلك اتجه إلى النفس الإنسانية بالرعاية والتوجيه والإرشاد فكان للدين أثر من الناحية النفسية في حياة الفرد والذي يتجلى أولاً بالكمال النفسي ، فالدين يوصل الإنسان إلى الكمال النفسي ، ويرقى به إلى مدارج الكمال ، من خلال ترسيخ القيم والمبادئ النبيلة السامية كالحب والتواضع والحياء ، فهذه تطهر النفس من النقائض والرذائل وتخفف من الانفعالات السيئة والميول الجامحة . وقد حذّر الإسلام من النزعات الطائشة والأهواء الفاسدة ، فهي تلبية معتدلة من غير إفراط ولا تفريط ، فلم يفرض الرهبنة على البشر ، ولم يحرم عليهم الاستمتاع بملذات الحياة ، وإنما قدّم للإنسان نظاماً وقواعد وتشريعات تلبي له رغباته ودوافعه النفسية .
هذا ويعد الدين دواء لمعالجة الأمراض النفسية في الإنسان كالهم والحزن والقلق واليأس والخوف والتردد والحيرة ، إذ الإيمان يزرع في النفس الإنسانية الطمأنينة والسكون والهدوء والوقار ، لقوله تعالى : ?الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكـر الله ألا بذكر اللـه تطمئن القلوب ? [ الرعد :28] .


 

الدين غذاء الروح

كذلك فإن الدين له أثره على حياة الفرد من الناحية الروحية ، فكما أن الجسد غذاؤه الطعام والشراب ، فإن الروح تحتاج إلى غذاء ، وغذاؤها الإيمان والعقيدة وذكر الله ، والاستئناس بالخالق من أجل أن تنعم بالأمن والسلام ويزول عنها القلق والاضطراب .
ومن جهة أخرى طلب الإسلام البعد عن كل ما فيه هلاك محقق للجسد ، أو خطر منتظر ، وحرّم كل ما يضر الجسم أو يوهنه  أو يضعفه ، فحرّم التبتل والوصال وصوم الدهر ، وحرّم القتل والانتحار ، وجعل التكليف بقدر الاستطاعة لقوله تعالى :? لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ? [ البقرة :286] .
فكما كان للدين أثر على حياة الفرد –سواء نفسياً أو جسدياً أو روحياً – فكذلك كان أثره على حياة المجتمع ويظهر ذلك من خلال : إقامة الروابط الاجتماعية سواء على نطاق الأسرة أو على مستوى الحي أو المدينة أو الدولة أو الوطن أو الأمة .
ومن أجل ربط الفرد بالمجتمع وربط المجتمع بالفرد ، فقد حدد الإسلام لكل مسؤوليته .قال رسول الله  ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ، وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها .. ) . 
هذا ويعد الدين الوسيلة لتحقيق الانسجام بين الجماعات ، إذ أن التوحد عن طريق المصالح المشتركة القريبة من كالنسب أو العشيرة أو القبيلة أو العمل المشترك سرعان ما يزول بزوال المصلحة ، لأنها تبقى مصلحة دنيوية زائلة . أما التوحد الذي يبقى ويدوم فهو توحد إيماني قائم على أساس فهم الحياة ومصيرها ، وحاجة الناس إلى الدين الصحيح الذي يجمع كلمتهم ويلم شملهم ، لقوله تعالى : ? كنتم خير أمة أخرجت للناس ? [ آل عمران :110] . فضلاً عن أن الدين يحقق التوازن بين الفرد والمجتمع ، فلا يطغى الفرد ويستأثر بالحقوق ، وتبدو عليه أنانية وأثرة مذمومة ، ولا يستبد المجتمع بالفرد ، بل أن الدين يعطي لكل ذي حق حقه ، فالفرد له حقوق وعليه واجبات ، وكذا المجتمع له حقوق وعليه واجبات دون طغيان لحق على آخر . 
كذلك فإن الدين يحرص على تحقيق التوازن في المؤسسات والهيئات الاجتماعية ، إذ أن تقدم جهة على أخرى يوقع الاختلال والفوضى . 
 

 

بقلم الدكتور : فاضل عبد العباس النعيمي


وصف الــ Tags لهذا الموضوع   الدين وآثره على حياة الفرد والمجتمع