مصطلحاتُ نقد الوجه النحويّ بين الكثرة والغموض



Rating  0
Views   18
حسن عبيد محيسن المعموري
08/07/2019 18:03:22

مصطلحاتُ نقد الوجه النحويّ بين الكثرة والغموض
لا يكاد الناظرُ في كتب النحو والإعراب يقرأ صفحاتٍ منها حتى تملأَ عينيه مصطلحاتٌ كثيرةٌ يُطلقها النحويون والمعربون في نقدهم الوجوه النحويّة التي يذكرونها في ميدان التنظير النحويّ أو التطبيق، ولا سيما ما يتمثّل بتحليل النصّ القرآنيّ نحويّاً في كتب معاني القرآن وإعرابه، وفي خضمّ الكثرة الكاثرة من مصطلحات النقد النحويّ لا تجد عند علماء العربيّة الأوائل حدودًا أو تعريفاتٍ لهذه المصطلحات التي يُطلقونها على الوجه النحويّ في مختلف ميادين تحليلهم النحويّ على غرار ما تجده في حدودهم الجامعة المانعة للمصطلحات النحويّة ، سواءٌ أكان ذلك في كتب النحو ، أم في كتب الحدود النحويّة التي أفردوها لهذا الغرض ، فتجد حدودًا وتعريفاتٍ للاسم والفعل والحرف والفاعل والمفعول وغيرها من مصطلحات النحو الكثيرة ، في حين لا ترى عندهم حدَّا أو تعريفًا لقولهم : هذا وجه ضعيف ، وهذا بعيد ، وذلك متكلَّف ، أو غير جيد ، أو ممنوع ، أو مرفوض ، أو نادر ، أو قويّ، أو جيّد، أو قريب، أو راجح، وغير ذلك ممّا يمكن أنْ يسمى بــ(مصطلحات نقد الوجه النحويّ) ، وهي تدخل ـ فيما أحسب ـ ضمنَ ما يسميه الدكتور تمّام حسان بـ ( قواعد التوجيه ) التي « لا يرِد ذكرُها إلا لمامًا ؛ لأن النحاة لم يُعنوا بجمعها وتصنيفها، وإنّما كانوا يشيرون إليها كلّما سنحتِ الفرصة لمثل هذه الإشارة ، إمَّـا في معرض الشرح أو في معرض النقاش والمحاجّة » ( ) ، ولا سيّما « أنَّها تحتـاج بمجملها إلى درجة عالية من الإلمام والتعمّق » ( ) فلم يُولوا تحديد هذه المصطلحات عنايتَهم ، وإنّما كانت غايتهم بسطَ المفاهيم العامّة لأغراض تعليمية، فتراهم يهتمون بالمعاني اللغويّة لهذه الألفاظ من غير أن يحدّدوا مفاهيمها الاصطلاحيّة ( )، فضلاً عن أن هذه المفاهيم لم تُحدَّد عند النحاة تحديدًا يمتنع معه الخلطُ في تناول الظواهر اللغويّة والنحويّة ( ) .
ولعلّ وضوح المراد من هذه المصطلحات عندهم شغَلَهم عن تحديد مفاهيمها ؛ لأنّهم يستعملونها تلقائيًا ، من غير أن تكونَ هي محورَ حديثهم وغايتَه ، وإنّما ترد في معرض تحليلهم النحويّ لمسائلَ وموضوعاتٍ معيّنة .
ولم يختلفِ المحدثون عن القدماء فيما يتعلّق بهذا النوع من المصطلحات ، فلا تجد عندهم سوى حديث مقتضب عن بعضها في الدراسات التي تخصّ بالبحث اختياراتِ نحويّ معيّن ، أو اعتراضاتِه ، فتتحدّث عمَّا يرد عند هذا النحويّ منها ( )، ولو أنَّ المحدثين عُنوا بدراسة هذه المصطلحات عنايتَهم بدراسة المصطلحات النحويّة والصرفيّة والبلاغيّة التي خصّصوا لها دراساتٍ عدّةً ، ووضعوا فيها موسوعات ومعجمات ، لقدَّموا للدارسين خدمةً كبيرةً ، ولكشفوا عن جانب مهمّ من جوانب التحليل والنقد اللغويّيَنِ لدى علماء العربيّة .
ونتيجةً لعدم تحديد مفاهيم هذه المصطلحات نلحظ أنَّ مدلولات بعضها تتقارب وتتداخل مع بعضها الآخر ، حتى إنَّ غيرَ واحدٍ من الدارسين جعلها مجتمعةً تدلُّ على ما يدلُّ عليه واحدٌ منها ، بناءًا على ما نَقَله كلُّ واحد منهم من ترادفها أو تقارب مدلولاتها عند النحاة ، فالدكتور عبد الفتاح الدجني جعل مصطلح القليل والنادر والضعيف والقبيح والمرفوض والمحال وغير الجائز وغيرها ضمنَ مصطلح الشذوذ الذي وسم به دراستَه( )، والدكتور محمود سليمان ياقوت حشد هذه المصطلحات وغيرَها ضمنَ (ما يدلُّ على غير الصحيح نحويًا عند سيبويه) ( ) ، وجعل أحد الباحثين هذه المصطلحات منضويةً تحت مفهوم (الضعيف)، بل ذهب إلى أنَّ من الضعيف ما هو جائز ، ومنه ما هو ممتنع( ).
ولستُ في مقام تخطئة هؤلاء الدارسين فيما ذهبوا إليه بقدر ما أريد الكشف عن الغموض الذي يكتنف هذه المصطلحات بوصفها أحكامًا نقديّة تقويميّة للوجه النحويّ .
واحترز دارسون آخرون بما يكفل التفريق بين ما يدلُّ على عدم الجواز أو المنع أو الردّ، وما يدلُّ على الضعف أو القبح أو الشذوذ أو البعد من هذه المصطلحات، فمنهم من سمَّى مصطلحات : الضعيف والقبيح والشاذ والقليل والنادر والمكروه والضرورة مصطلحات متفاوتة ( )، أي : تفاوتت في دلالتها بين الجواز والمنع ، ومنهم من سمَّاها (تعبيرات اختلطت دلالتها بدلالة المنع)( )، ومنهم من جعلها ممّا يدلُّ على (المردود ردَّا غير قطعي)( ) .
ويبدو أنَّ صنيع هؤلاء الدارسين أكثرُ دقّـةً وسدادًا من صنيع سابقيهم ، ولا سيّما ممن يجعل هذه المصطلحات ضمنَ ما يعبَّر به عن منع الوجه النحويّ وعدّه غيرَ صحيح ، إذا ما علمنا أنَّ المنع « حكم نحويٌّ يراد به رفضُ كلِّ ما يُخلّ بمقتضيات الصحّة وقواعدها ؛ لعلة مانعة من ذلك حالتْ بينه وبين الصواب » ( ) .
ولعلّ من المفيد أنْ أذكرَ ــ بعد ما تقدَّم ــ أنّ تحديد شيوع مصطلحات نقد الوجه النحويّ يرتبط ارتباطًا كبيرًا بتعدّد أوجه التحليل النحويّ ، وهذا التعدّد الذي يعني تعدّد الاحتمالات أو الوجوه النحويّة لتركيب معيّن( ) يتنوّع « بحسب موقف النحويّ من الأوجه، أي : بحسب حكم القيمة الذي يطلقه الدارس على أوجه التعدّد، ومن ثَمّ قد يكون تعدّدًا جائزًا ، والمراد هو أن يجيز النحويّ غير وجه في المسألة الواحدة ، سواء أكان ما أجازه مرويًا عن نحاة آخرين ، أم من اجتهاده ، وهذا الجائز نوعان : مطلق ومقيَّد، فالمطلق ما أجاز فيه النحويّ أوجه التعدّد من غير تضعيف أو ترجيح كأن يقول : يجوز كذا ويجوز كذا، أمّا الجائز المقيَّد فما وقع فيه تضعيف أو ترجيح كقولهم : يجوز في الجملة (كذا) الاعتراض، والراجح أنْ تكون حاليّة ، وقد يكون تعدّدًا مرفوضًا، وهو أنْ يكون في المسألة الواحدة أكثر من وجه فيرفضها الدارس جميعًا ما عدا وجهًا واحدًا يعتمده (...) ، وربَّما كان تعدّدًا بين الجواز والرفض، وهو النمط الذي يجيز فيه النحويّ غيرَ وجه، ويرفض وجهًا أو أكثر في الظاهرة الواحدة » ( ) .
وأحسب أنَّ التضعيف والترجيح متقابلان فيما يدلان عليه ( ) ، فالترجيح يستلزم الحكم على الوجه النحويّ بكونه قويًا أو جيدًا أو حسنًا أو مختارًا أو راجحًا أو غير ذلك من عبارات الترجيح، ولكنْ من دون أنْ يكون ذلك الوجه واجبًا ، بمعنى أنّه يجوز ، ولا يجوز غيره من الوجوه، والتضعيف يستلزم الحكم على الوجه النحويّ بكونه ضعيفًا أو بعيدًا أو متكلَّفًا أو غير جيد أو غير ذلك من عبارات التضعيف من دون أنْ يصل الأمر إلى كونه مرفوضًا أو ممنوعًا ، أي : إنَّه لا يجوز ، ولا سيّما أنَّ مفهوم التضعيف يقتضي أنْ يكون الوجه النحويّ على خلاف القوّة وليس على خلاف الصحّة، يقول ابن جني : « وكذلك عامّةُ ما يجوز فيه وجهان أو أوجه ، ينبغي أن يكون جميعُ ذلك مجوَّزًا فيه، ولا يمنعك قوّةُ القويّ من إجازة الضعيف أيضًا » ( ) ، فالتعدّد الجائز هو (ما يجوز فيه وجهان أو أوجه) ، منها ما هو قويّ ، أي : راجح ، ومنها ما هو ضعيف ، أما ما كان من الوجوه غيرَ صحيح عند المعربين أو ممنوعًا أو مرفوضًا ، فهو ما يقابل الجائز من الوجوه النحويّة.


وصف الــ Tags لهذا الموضوع   تعدد / المصطلح النحوي / فوضى المصطلحات