بــناء اللغـــة
عندما تطرق بعض العبارات في لغة لا تعرفها اسماعنا فاننا نحس بأن ذلك نوع من الاصوات المشوشة الخالية من المعنى والمفتقرة الى النظام . غير ان هذا النظام يتلاشى تماما عندما نتعلم تلك اللغة وتصبح الجمل التي تلفظ فيها شيئا مفهوما لا لبس فيه ولا غموض .
ثم نبدأ ندرك أن اصوات تلك اللغة التي تعلمناها قليلة نسبيا مثل لغتنا الام وان تلك الاصوات تتكرر هنا وهناك بتركيبات متماثلة أو متنوعة . وهناك مجموعات من الاصوات تحصل بتكرار منسق والفاظ أخرى تقع في أنماط متميزة .
وبعد مرور بعض الوقت يصبح الكلام في تلك اللغة الغربية مألوفا كالكلام بلغتنا الاصلية , كما تتضح لنا حقيقة خضوع تلك اللغة الى بناء محدد .
ان بناء اللغة أو تركيب اللغة عند التحليل والاستقصاء يتألف من وجهين : الصوتي والنحوي والمقصود بالتركيب الصوتي ( فونو لوجي ) هو ما يأتي :
1- ان المتحدث بلغة ما يوظف عددا محدودا من الاصوات المميزة يطلق عليها مصطلح فونيمات .
2- ان هذه الفونيمات تركب في سلسلات متتابعة ومحددة .
اما النحو او البناء النحوي فيعني ان كل تعبير ينطق في جماعة لغوية معينة يتبع سلسلة محددة او اكثر من التركيبات ذات المعنى الخاصة بلغة تلك الجماعة او ذلك المجتمع . ففي لغتنا العربية تصنف الفونيمات الى اصوات ( حروف ) علة وحروف ( اصوات ) صحيحة . وان الاصوات الصحيحة وان بدأت ملتصقة في الكتابة كما في كلمات , حب , كف , سن , بنت , عم , الخ .
الا ان هذه الكلمات المكونة من حروف صحيحة تتكون من فونيمات تضمر ولا تكتب تلك هي الاشارات التي تمثل حروف العلة التي تفصل الحروف الصحيحة لهذه الكلمات .
فالكلمة الاولى في مثلنا ( حب ) رغم انها من الناحية الشكلية من حرفين ( ح . ب ) الا انها في الواقع الصوتي تتكون من فونيمات هي ( ح و ب ) اما الواو فهو حركة الضمة التي لا تكتب .
وكذلك كلمة كف تتكون من الفونيمات ( ك . ا . ف ) ولكن الفونيم أ المخفف هو حركة لا تطهر في الكلمة رغم انها صوت ينطق ويطلق عليه فتحة . وكلمة ( سن ) هي فونيمات وليس حرفين كما تشير الكلمة والفونيمات الصوتية فيها هي ( س , ى , ن ) ولكن صوت الياء يأتي قصيرا وسريعا ويطلق عليه كسرة .
ان صلادة التركيب الفونيمي او الصوتي للغة يجعل نطق اصوات اللغات الاجنبية صعبا على من يتعلمها من الاجانب . فحرف الضاد في لغتنا العربية هو من الحروف التي يتعسر على الاجانب الذين يتعلمون لغتنا نطقه بشكل مطابق لنطقنا له .
وهناك صعوبات تبرز في محاولة الاجانب لفظ حروف الحاء والخاء واطاء والعين وغيرها . والصعوبات التي تواجه الاجانب في نطق كلمات لغتنا قد تواجهنا بشكل او باخر في نطق كلمات الانجليزية المكونة من بعض الحروف الصحيحة المتصلة .
كذلك نلاحظ ان هناك صلادة في البناء النحوي . ففي لغتنا العربية يأتي النعت بعد المنعوت أو الصفة بعد الموصوف : الرجل الطويل , الفتاة الجميلة , البيت الجديد الخ . هذا النسق من الترتيب في لغتنا يجعلنا نصطدم بمشكلة عندما نتعلم الانجليزية وهي ان الموصوف يأتي بعد الصفة , أي بعكس القاعدة السائدة في اللغة العربية الطويل الرجل الجميلة الفتاة بدلا من الفتاة الجميلة وهكذا .
والتحليل النحوي يعتمد فيما يعتمد على مفهومين اساسيين هما : المورفيم وجمعها المورفيمات والثاني هو الترتيب اما المورفيم فهو مجموعة من الفونيمات التي تنطوي على معنى محدد .
أي لا يمكن تجزئته الى وحدات منفصلة كل منها يعني معنى مستقلا . اما الترتيب او التنظيم فيتكون من جانبين الجانب المورفولوجي ويتناول ترتيب المورفيمات والعناصر الاكبر التي ينتج عنها تكوين الكلمات . اما الجانب الاخر ويتصل بالاسلوب أي ترتيب العبارات والجمل .
وهكذا يتضح ان بناء اللغة يتكون من ثلاث وجوه هي الفونيمات او الاصوات والمورفيمات والتي تؤلف الكلمات او القواميس الخاصة باللغة , ثم الترتيب او التنظيم ويتناول النحو والاسلوب الذي يحتضن الامكانيات التعبيرية في اللغة .