انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

علم الاجتماع الديني 16

الكلية كلية الاداب     القسم قسم الاجتماع     المرحلة 4
أستاذ المادة سلوان فوزي عبد بقلي العبيدي       25/09/2018 22:24:24
2- ماكس فيبر :
يعد إسهام ماكس فيبر في مجال الدين إسهاماً نظرياً عظيماً , فقد اهتم بدراسة العلاقة بين الدين و الإقتصاد , وكان يرمي من وراء هذه الدراسة الكشف عن طبيعة العلاقة بين الظاهرتين , هل الإقتصاد يؤثر على الدين كما يؤكد ذلك أصحاب التفسير المادي , أم أن الدين يؤثر على الإقتصاد , أم أن هاتين الظاهرتين تتبادلان التأثير والتأثر , وقد توصل فيبر في دراساته الى ان هناك تأثيراُ متبادلاً بين الظواهر الدينية والظواهر الإقتصادية , وقد انصب اهتمام فيبر على دراسة الأخلاقيات الإقتصادية للدين , وتناول الأخلاقيات الإقتصادية لست ديانات عالمية : الكونفوشيوسية والهندوسية واليهودية والمسيحية والإسلامية , ثم درس طبيعة الأخلاقيات الإقتصادية في كل منهما , وآثارها على التنظيم الإقتصادي والحياة الإجتماعية للشعوب التي تنتمي الى هذه الديانات . ( )
كما انه درس آثار المسيحية في تأريخ الغرب في عدة مؤلفات من أبرزها (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية1904 م-1905 م) , وتختلف كتابات فيبر عن الدين عما وضعه دوركهايم من ناحية تركيزها على الترابط بين الدين والتغير الإجتماعي , وهو المجال الذي لم يتطرق اليه دوركهايم , كما أن فيبر يعارض الموقف الذي اتخذه ماركس , اذ يرى أن الدين لا يمثل بالضرورة قوة محافظة , بل ان بعض الحركات والتوجهات الدينية التي تستلهم جانباً من تعاليم الدين قد أحدثت تحولات اجتماعية مثيرة في المجتمعات الغربية , فقد كانت البروتستانتية , ولا سيما الإتجاه التطهري البيوريتاني منها , المنبع الأساسي للنظرة الرأسمالية في المجتمعات الغربية الحديثة , و كان أوائل المبادرين بالمشروعات التجارية من أتباع الزعيم البروتستانتي (كالفن) , وكانوا في اندفاعهم لتحقيق النجاح الذي أسهم في انطلاق التنمية الإقتصادية الغربية , يصدرون عن رغبة في خدمة الله , وكان النجاح المالي المادي بالنسبة اليهم علامة من علامات العناية الإلهية . ( )
يدفع فيبر بأن الكلفانيين ومسيحين متزمتين آخرين لشعوب القرنين السادس عشر والسابع عشر كوّنوا وجهة نظر عن الحياة تناسب عن قرب صورة الرأسمالي الكامل , لقد اعتقد الكلفانيين ان حياة الإنسان مقدرة له , وأن ثمة قلة اصطفاها الرب للخلاص , لكنه مستحيل للكائنات البشرية أن تستوعب لماذا ينبغي ان يكون هذا , إن رب كالفن كان بارداً وصارماً , كان يتطلب الطاعة , ولكن لن يشرح , وحسب رأي فيبر فإن هذا الغموض المقترن بالمذهب عديم الرحمة يخلق توتراً لا يحتمل في حياة الكلفانيين , باحثين عن حلول , يجول في خاطرهم أن العمل الشاق المقترن بطريقة العيش المقتصدة فقط هو الذي يمكنه أن يقربهم من نعمة الله , كان مفروضاً عليهم أن يحققوا نتاجات , ولكن حرم عليهم أن يتذوقوا ثمار عملهم , وبدلاً من ذلك يعيدون استثمارها في مشروعهم مُحدثين حلزوناً من الأرباح المتزايدة لقداسة الرب , إن رأي فيبر لا يعني بالضرورة أن الكالفينية هي السبب في الرأسمالية , فقد كانت هناك اسباب عديدة تبرر نشأة الرأسمالية , كما أن اعادة الإستثمار ليست بأية حال من اختراع الكلفانيين , لقد كان الرأي الأصوب أن الكلفانية وبمفهوم اوسع البروتستانتية في مجملها شكلت ايديولوجيا بررت و أيضاً مجدت الأخلاق الرأسمالية . ( )
ومع ذلك فإن المذهب الكالفيني المتعلق بالقدر والإحسان يمكن أن يؤدي الى خلق عقلية معارضة للروحانية لدى المؤمنين جاعلاً من العمل واجباً , ومن النجاح إشارة الى الإختيار , ومن الإثابة رفض فضيلة , ويتلازم البحث عن الربح مع جهد لعدم التمتع بالثروة , بل وضع الأرباح في مشروع , وهذا من شأنه الى ميلاد عقلية عقلانية تتعلق بالرجل الرأسمالي الحديث . ( )
ويحدد فيبر القيم الأخلاقية للديانة البروتستانتية في المبادئ التالية :
أ‌- مبدأ العمل – حيث ترى الكالفينية أن العالم وجد من أجل خدمة الله , فلا شك أن هذا المبدأ ينظم الحياة الإجتماعية الدنيوية , والعمل لا يمارس لخدمة المصلحة الشخصية , بل للمصلحة العامة , وفي هذا تعزيز لمجد الله وتحقيق لإرادته .
ب‌- مبدأ الثقة بالنفس – على الإنسان ان يثق بذاته , وأن يحارب كل الشكوك , لأن عدم الثقة بالنفس تنجم عن الإيمان الناقص والحالة الدينية غير الكاملة , ولا تأتي هذه الثقة إلا من خلال النشاط الدنيوي المكثف الذي يُعد أفضل وسيلة للتخلص من الشكوك الدينية , والتأكد من رحمة الله .
ت‌- مبدأ القضاء والقدر – ان الأفراد وجدوا من أجل الله , الذي هو حر لا يخضع لأي قانون , وهو الذي يحدد مصير كل فرد , ولذلك فلا ضرورة للمعايير والقوانين الوضعية .
ث‌- ضرورة تخلص الإنسان من دوافعه غير الرشيدة , وايمان الفرد يتحدد من خلال أعماله الدنيوية .

ومن خلال هذه المبادئ الأخلاقية والقيم التي أتت بها الديانة البروتستانتية خلُص فيبر أن الروح الرأسمالية بالشكل الذي حدده قد تشكلت من خلال الديانة البروتستانتية , وحاول فيبر تأييد استنتاجه من خلال تحليل تأريخ بعض الدول البروتستانتية , فمنذ عصر الإصلاح كانت الدول الرائدة اقتصادياً , هي تلك التي تسودها العقيدة البروتستانتية مثل هولندا , انكلترا , أمريكا , في حين ظلت الدول الكاثوليكية أو غير البروتستانتية متخلفة نسبياً , وقد فسر فيبر ذلك بأن العقيدة البروتستانتية في تلك الدول كانت تدعيماً وتثبيتاً لأشكال النشاط
الذي يعتبر ضروري لإقامة وإدارة المشروعات الرأسمالية الحديثة , وقد دعمت البيانات الإحصائية آراء فيبر , وأوضحت أن السكان البروتستانت في ألمانيا تتميز حالتهم الإقتصادية بأنها أفضل من غيرهم , واذا كان فيبر قد أثبت أن الديانة البروتستانتية ساهمت في ظهور النظام الرأسمالي الرشيد , فقد حاول أن يثبت في دراسته للإسلام أن بناءات المجتمعات الإسلامية لا تتضمن العناصر البنائية الضرورية القادرة على بلورة نظم رأسمالية متطورة لأن نظرة فيبر للإسلام قاصرة , وقد تأثر بالأفكار العامة التي كانت سائدة في أوروبا خلال القرن التاسع عشر , وهي الأفكار التي تميل الى وصف المجتمعات الشرقية بعدم الإستقرار السياسي و الإقتصادي , فضلاً عن الجمود الفكري والتخلف الثقافي .( )

ثانياً / الإتجاه الأنثروبولوجي :
1- مالينوفسكي :
يرى مالينوفسكي أن الدين والسحر إستجابات للضغوط العاطفية , والدين لا يستمد أساسه من المجتمع نفسه , ولكن من الحاجة الى مجتمع مستقر يجد إجابة لحاجات أفراده العاطفية , فالوظيفة الأساسية للدين عند مالينوفسكي هي اتجاهات قيمية عقلية Valuable mental attitudes)) , فالطقوس المرتبطة بالموت تعمل على تقوية الرابطة بين الأحياء بعضهم ببعض , كما تحميهم من حالة إنعدام المعنى المحيط بالحياة الإجتماعية , فالدين قوة هامة للضبط الإجتماعي , وهذا لا يرجع الى أنه منبثق من المجتمع , ولكن لأنه يقدم للأفراد الإجابة والإنضباط التي يحتاجون اليها في أوقات أزماتهم , وقد قادت النزعة النفسية الوظيفية مالينوفسكي الى القول انه بالرغم من أن معظم الأديان تُمارس بصورة جماعية وتهتم بالمجتمع , فإن في الشعوب البدائية يوجد بعض التجارب الدينية الخاصة سببها حاجات فردية شأنها شأن الحاجات الإجتماعية . ( )
ويُعد مالينوفسكي من جيل العلماء الأنثروبولوجيين الذين تخلو منذ 1930 تقريباً عن البحث في جوهر الأديان وأساسها وأصلها للمشاركة في البحث في نفعية الديانات المختلفة من خلال دراسات لحالات محددة , حيث ظهرت في مؤلفاته : (سحر البساتين 1935م , وأساطير 1948 م , و تروبرياندي دي ميانيزي) .( )
ويرى مالينوفسكي رائد النظرية النفعية ان مجمل العقائد والممارسات تشكل وحدة نفعية مترابطة وواضحة ومنطقية في إطار المفهوم الذي من داخله يفكر المجتمع في الطبيعة , والوضع الإجتماعي , ويحمي في الوقت نفسه النظام المطبق , ويعبر السحر والدين عن كل الجهود الإنسانية حتى تتحقق الرغبات حتى ولو بطريقة وهمية , فهي تتعلق بالمقدس المحاط بأوامر ومحرمات لكن ترمي مثل العلم الى أهداف عملية . ( )
حيث يختلف مالينوفسكي عن الكثير من علماء الإنسان والأثنولوجيين من أمثال دوركهايم وراد كلف براون وليفي برول , فهو يرى ان بحث الأديان ينبغي ان يتم على أساس ارتباطها الوثيق بالتركيب الثقافي للبشر بإعتباره بناءاً موجهاً لإرضاء

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .