انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

نظرة تأريخية عغن فكرة أصلاح المجرمين

الكلية كلية الاداب     القسم قسم الاجتماع     المرحلة 4
أستاذ المادة عمار سليم عبد حمزة العلواني       18/02/2016 11:31:14
. نظرة تاريخية عامة لفكرة إصلاح المجرمين :-
ظلت المجتمعات البشرية تواجه الجريمة والعقاب وحده دون الاهتمام بتقويم وإصلاح وعلاج الشخص المجرم حتى مطلع القرن الثامن عشر الميلادي, كما ظل العقاب وحده الأسلوب الأول والأخير لردع المجرمين والتصدي للإجرام عبر عصور طويلة. إلا إن القرن الماضي بالذات افرز بذور حركة إصلاحية كبرى توجهت نحو إصلاح المجرم بدلا من عقابه, وان هذه الحركة أخذت مسارين تناول احدهما دراسة الظروف والمواقف التي أسهمت في تكوين السلوك الإجرامي. وتناول الأخر دراسة الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المسؤولة عن زيادة معدلات الإجرام في المجتمعات المتعددة.إن أهدف هذين المسارين قد ترجمت إلى سياسات جنائية أو عقابية أو برامج إصلاحية تدرجت من العلاج النفسي الفردي للمجرم إلى معالجة الظروف البيئية المسؤولة عن الجريمة ومع هذا فقد استطاع النموذج الطبي السيطرة على كافة البرامج والسياسات التي تناولت محاكمة المجرمين وذلك للاعتقاد والشائع بان المجرم شخص مريض ينبغي معالجته من مرض الإجرام بدلا من عقابه ولهذا فقد اتخذت غالبية الممارسات الإصلاحية طابع العلاج الطبي رغم إن بعضها بعيدا كل البعد عن مجال الطب,كما يجاد العمل المناسب لسجينه بعد أطلاق سراحه أو تأهيل المجرمين تعليميا ومهنيا أو غير ذلك.ويرى بعض مؤرخي العقاب إن الممارسات المجتمعية للتعامل مع المجرمين بوجه عام خضعت لثلاث مراحل تاريخية متعاقبة فقد بدأت المرحلة الأولى منذ أقدم العصور حضارة الإنسان واستمرت حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي. إما المرحلة الثانية التي أعقبت المرحلة الأولى فقد استمرت حتى مطلع القرن الحالي. إما المرحلة الثالثة فهي التي تؤرخ الأفرازات مستقبلية قد تتجاوز نطاق القرن أو تطرح بعض معطيات القرن القادم.
والواقع إن هذه المراحل الثلاثة لا تشكل مراحل علمية ذات ممارسات وأهداف متميزة بل هي جميعها تشكل نسيجا حضاريا متكاملا واحدا أو حصيلة تراكمية لخبرات المجتمعات عبر عصور التاريخ وحتى وقتنا هذا. ويمكن إيجاز ابرز ملامح هذه المراحل الثلاثة على النحو التالي :-
. المرحلة الأولى :- وهي المرحلة التي انحصر الاهتمام فيها بالقيمة وضمان مصلحة كل من الصحة والمجتمع معا,سواء كانت مبررات العقاب خلال تلك المراحل القصاص أو الردع أو الدفاع الاجتماعي إلا إن النظرة إلى المجرم لم تكن تقصد النظر إلى شخص مذنبا ارتكب عدوانا على المجتمع ولذلك فهو الذي جنى على نفسه وحرمها من أي حق في العطف أو المساعدة أو الراحة ولهذا ظلت المجتمعات على موقفها العدائي من المجرم عصورا طويلة حتى بداية ما يعرف بعصر النهضة الذي فتح بعض الأبواب المغلقة لبعث أمل جديد للاعتراف بإنسانية الإنسان المجرم والسعي نحو تخفيف معاناته وإلغاء بعض الممارسات الإنسانية التي سادت العقاب عصورا طويلة لقد غرس رواد تلك النهضة بذور حركة إنسانية إصلاحية فتحت صفحة جديدة من تاريخ العقاب وأنارت الطريق إلى جهود إصلاحية جادة لافته.
2. المرحلة الثانية الوسيطة :- هي المرحلة التي استطاعت قطف بعض ثمار ما غرسه رواد الفكر الإنساني الجديد ولعل من ابرز منجزات هذه المرحلة ظهور عقوبة الحبس كبديل لكافة العقوبات البديلة الشاقة القديمة لقد صار الحبس من وسائل إصلاح المجرم وهدفا أوليا وجاءت حماية المجتمع بصورة ثانوية ومكملة للهدف الأول, ويظهر إن هذه المرحلة استطاعت إن تطعم الفكر الإيديولوجي الإصلاحي بتقنيات عملية تناولت أساليب الحبس وممارساته حتى صار الحبس البديل الجديد لكافة العقوبات التقليدية الأخرى.
ومع ذلك فان عملية الاستبدال هذه لم تكن كاملة من جميع الوجوه كما وقد اخفق الفكر الإصلاحي الجديد في تلخيص عقوبة الحبس البديلة من رواسب العقاب الثأري,لقد ظلت عقوبة الإعدام شاخصة بكل أثارها وأبعادها كأول عقوبة وأقسى عقوبة عرفها الإنسان,كما وبدأت بعض الرواسب العقابية التقليدية تطفو فوق سطح ممارسات الحبس تحت مبررات الحراسة القصوى ومنع الهروب والتشديد على الحراسة.
وهكذا ظهرت عقوبة الحبس بعد فترة قصيرة بثوب بشع لا يقل قسوة عن تلك العقوبات البديلة الغابرة وأصبحت هذه العقوبة بعيدة كل البعد عن الصورة المثالية التي سماها رواد الفكر الإصلاحي ودعاة إصلاح السجون,لقد فشل الحبس في مهمته كاداه لإصلاح المجرم وتقويم سلوكه الإجرامي واخفق في وظيفته الرادعة للجريمة والمانعة للعودة.
ورغم ما صور البعض من سلبيات عقوبة الحبس خلال المرحلة الثالثة هذه فقد شهدت تلك المرحلة بعض الايجابيات الفكرية الجديدة كالخروج على الاتجاه التقليدي القائم على حرية الإرادة وظهور الاتجاه الوضعي الذي يرفض عقلانية السلوك الإجرامي ويرفض تفسير الجريمة وفقا لمبدأ الإرادة والاختيار,لقد صار المجرم في نظر الاتجاه الوضعي شخصا مريضا يعاني من مرض يعيقه عن التفكير السليم الذي يؤهله لإجراء الموازنة العقلية بين اللذة والألم كما يزعم أنصار الفكر التقليدي في علم الإجرام.لذلك فان علاج الجريمة كمرض أو نوع من المرض لا يكون بالعقاب وإنما العلاج الذي يقوم على دراسة خصائص الشخص المجرم وليس على نوع جريمته ودرجة خطورتها.
3. المرحلة الثالثة :- بدا الاتجاه ينمو يوما بعد يوم واتسعت مسالة تبني فكرة علاج المجرم والعمل على إصلاحه خلال هذه المرحلة,فإذا كانت نهاية القرن التاسع العشر الميلادي قد سجلت نهاية نظام الرق واضمحلاله فلم يبقى من الأشخاص الذين يخضعون لسيطرة الدولة سوى طبقتين فحسب هما طبقة المجانين في المستشفيات العقلية وطبقة المجرمين في السجون أما طبقة المجانين فقد أعدت لهم مؤسسات للرعاية الطبية الاجتماعية المتخصصة,وأما طبقة المجرمين فلم تنل الاهتمام المناسب لهم أسوة بطبقة المجانين ولعل هذا يرجع إلى تلك الرواسب العقابية التي ظل يحملها المسؤولين عن السجن إزاءهم بوصفهم أشخاصا لا أخلاقيون أو خارجين على النظام وعلى قواعد المجتمع. وقد ظلت هذه المسؤولية الأخلاقية لاصقة بالمجرمين حتى بين رواد حركة الإصلاح أنفسهم,حيث لم يعترض كل من (بيكاريا) أو(فولتير) أو(هوارد) على مسؤولية المجرمين الأخلاقية,من حيث المبدأ رغم انتقادهم لأساليب العقاب وسوء معاملة المجرمين بل لقد نادى بعض هؤلاء بان تكون العقوبة جدية وعلانية ومتساوية بالنسبة لجميع المجرمين وذلك دون إن تنال من حياة المجرم أوجده بشكل لا إنساني ودون إن تنال من مركزه الاجتماعي.وحين بدأت المسؤولية الأخلاقية تنحر قليلا عن الفكر العقابي منذ بداية هذه المرحلة لأنها صارت أكثر تعقيدا بظهور علم الإمراض العقلية الذي نادى بان المرض العقلي إلا أخلاقية عنصران أساسيان في تكوين السلوك الإجرامي. لقد شهدت هذه المرحلة صراعا إيديولوجيا دار بين مدرستين فكريتين متعارضتين هما المدرسة التقدمية (The Progressive School) التي تبقي مطلب المعاملة والعلاج وبين المدرسة التقليدية الأخرى القائمة على مبدأ الحراسة والضبط ((The Esutodial schoolوما يتصل بكليهما بفكرة الإصلاح ذاتها أما المدرسة التقدمية فأنها تنادي وترى :-
1. أن فشل كافة البرامج الإصلاحية التي طرحت في هذا المجال يرجع في الحقيقة على بطيء تلك البرامج إذ هي لم تتقدم بالسرعة الكافية.
2. أن حركات التمرد والعصيان التي بدأت تشهدها سجون العالم بين وقت وأخر ترجع تلك الرواسب الانتقالية التي زال القائمون على إدارة السجون يحملونها في أفكارهم التي تسيطر على مسيرة الحركة الإصلاحية ذاتها وتطبع جانب الحياة خلف جدران السجون.
3. أن زيادة معدلات العودة إلى الجريمة يمكن إرجاعها إلى طبيعة الحياة داخل المجتمع في السجن
إما المدرسة التقليدية التي تتبنى فكرة وأسلوب الضبط والحراسة فيمكن إيجاز موقفها بالاتي :-
1. أن المجرم شخصا عدوانيا وعنيفا وخطرا قبل دخول السجن.
2. أن البرامج الإصلاحية كانت في جوهرها محاولة غير ناجحة لتقريب جو السجن المغلق من الجو الحر في المجتمع الخارجي.
3. أن السجين لا يستطيع إن يسلك سلوكا غير الذي اعتاد عليه قبل دخول السجن حيث كان شيئا قبل دخول السجن وسيبقى كذلك خلال وجوده في السجن وربما سيكون أسوء حالا واشد عنفا وأكثر خطورة لدى أطلاق سراحه من السجن وحصوله على حريته.
4. لذلك كأنه من المناسب جدا إن يوقف السجين عند حده بمعاملته معاملة خشنة قاسية لتلقينه درسا لا ينساه, إن مهمة السجن لا يمكن إن تصبح نزهة ترويحية أو فترة ترفيهية عابرة بل تجربة قاسية تترك أثارها على شخصية السجين بحيث يفهم من خلالها انه ليس باستطاعته إيذاء الآخرين أو استغلالهم بعد الآن.
خلاصة القول إن أنصار المدرسة التقليدية لا يؤمنون بجدوى العملية الإصلاحية أو العلاج بل يزعمون فشلها في تغيير شخصية المجرم, وفشلها في تعديل سلوكه الإجرامي وتعديل شروط محيطه الذي أسهمٍ في تكوين هذا السلوك. لذلك فهم يدعون كل الدعوة إلى أسلوب العقاب وحدة ونسيان كل ما يفعله بتغير المجرم وتغيير محيطه.
على الرغم من الاتجاهات التي ركزت عليها المدرسة التقليدية في تعاملها مع المجرم فأننا نود إن نشير إلى إن القرن الثامن عشر كان بداية عصر إنساني جديد ومدخلا كبيرا لبوادر الفكر الإصلاحي المعاصر في معاملة المجرمين,لقد ارتبطت بدايات هذا العصر الجديد بتطور القانون الجنائي ذاته وبرزت بعض ملامح الفقه الجنائي الجديد ففي عام 1764 الميلادي نشر الفقه الايطالي "شيزار بيكاريا" 1738- 1794 كتابه الشهير حول "الجرائم والعقوبات" الذي دعا فيه إلى ضرورة تقيم السلوك الخاطئ في إطار تشريعي مكتوب (قانون عقابي) بحيث لا تترك مهمة تعين السلوك الإجرامي إلى تقدير القاضي الجنائي نفسه أو اجتهاده الشخصي الذي يقوم على قناعته الشخصية التي يستخلصها من خلال المحاكمة.
وفي بداية عصر النهضة من منذ منتصف القرن الثامن عشر فقد كانت مرحلة تحول فكري كبير بدل ومرحلة انتقالية جديدة في تاريخ التعامل مع المجرمين,لقد كانت هذه المرحلة ثورة فكرية وفلسفية تعرضت لقوة العقاب وأدانت كافة الممارسات أللإنسانية التي كانت تصاحب إجراءات التحقيق والمحاكمة وتنفيذ العقوبة.لقد نادت الحركة الإصلاحية هذه بضرورة إيجاد بعض البدائل الأخرى للعقاب كعقوبة الحبس التي حلت في مرحلة لاحقة محل العقوبات البديلة كما مر معنا سابقا والى جانب هذا البديل التطبيقي الجديد فقد ظهرت حركة فكرية جديدة أخرى تناولت الهدف من العقوبة ذاتها كتحسين حال المجرم أو حماية المجتمع ذاته أو المحافظة على النظام السياسي أو الاجتماعي القائم.
انطلاقا من هذا التغير الذي حصل خلال هذا القرن "الثامن عشر" فقد ظهرت حركة الإصلاحية كوظيفة أساسية للسجون في المنتصف الأول من القرن التاسع عشر ثم استمرت تبعا لتطور العلوم الاجتماعية والطبيعية مستفيدة من النتائج التي توصلت إليها هذه العلوم موظفة بذلك الطرق والأساليب العلمية في عملية إصلاح المجرمين.
وفي بداية القرن العشرين نجد أن تغييرا أساسيا قد حصل في كل من فلسفة القانون الجنائي وفي وظيفة السجون وطبيعتها وخصائصها وبرامجها وأسلوب تعاملها مع السجناء خاصة بعد تقدم العلوم ذات العلاقة بعلم الإجرام وعلم الاجتماع الجنائي وعلم النفس الجنائي, الطب النفسي العقلي.لذلك نجد أن حركة الإصلاح التي بدأت في مطلع القرن التاسع عشر قد تمخضت عنها نظام الإصلاح والعلاج الحديث الذي تسير عليه المؤسسات الإصلاحية في برامجها ووسائل الضبط فيها معتمدين في ذلك على الوسائل العلمية القائمة على التدريب والعلاج والتوجيه والإرشاد.
هكذا بدأت حركة إصلاح المجرمين تتضح أكثر فأكثر كوظيفة للسجون وأصبحت أمرا لامناص منه حتى أصبح لها أنصار كثيرين في بلدان أوربا وأمريكا إلى أن جاء المؤتمر العالمي للسجون الذي عقد نهاية القرن التاسع عشر 12\10\1870 في مدينة سنسفاني في أمريكا بناء إلى الدعوة التي وجهها الدكتور(واينس) والذي أصبح بعد ذلك سكرتيرا لجمعية السجون الأمريكية في نيويورك,وفي ما يأتي بعضا من البنود التي خرج بها هذا المؤتمر والتي يمكن اعتبار البعض منها مدخلا بل خطوة رائدة على طريق إرساء نظام إصلاح المجرمين والأساليب الحديثة في التعامل معهم:-
1. أن العقوبة يجب إن يكون غرضها الإصلاح وليس العقاب لأغراض إحلال الألم.
2. أن تصنيف المجرمين يجب إن يقام على أساس نظام الدرجات.
3. اعتماد مبدأ الحوافز والتي تقدم للسجين لتحسين سلوكه لمكافأة لهذا التغير.
4. الوصول بالسجين بان يدرك أن مستقبله ومصيره بيده ويعتمد ذلك على ما يبديه من سلوك حسن داخل السجن ومدى تنفيذه للتعليمات والأنظمة المعتمدة في المؤسسة الإصلاحية.
5. العمل على تحويل المؤسسة إلى دار إصلاح يشارك فيه العاملين والسجناء في المأكل والمشرب والحديث والنقاش.
6. ضرورة اختيار العاملين في هذه المؤسسات من مدراء و أدارين وفنين من الذين يؤمنون بفكرة الإصلاح والعلاج.
7. ضرورة تطبيق نظام الإحكام غير المحدودة بدلا من الإحكام المحدودة وعدم التمييز بين السجناء أثناء التعامل اليومي داخل المؤسسة وخارجها.
8. التأكيد على ضرورة تطبيق البرامج الثقافية واعتمادها كجزء أساسي في البرامج الإصلاحية.
9. اعتماد مبدأ تدريب السجناء على الصناعات المختلفة التي يمكن الاستفادة منها عند خروج السجين "التدريب المهني"
10. العمل على تطوير أبنية السجون والوصول إلى تأسيس مؤسسات حديثة تتسم بالشروط الصحية وإلحاق مستشفى خاص لكل سجن.
11. أعادة النظر في القوانين المتعلقة بالتعامل مع المجرمين واتخاذ كل ما من شانه دعم فكرة الإصلاح والعلاج.
لقد كان لهذا المؤتمر الأثر الكبير في حدوث تغيرات جذرية في شكل السجون ونظمها ووظائفها وأهدافها قاصد أن شخصيات عديدة من المهتمين في شؤون الجريمة والسجون وغيرها من الدول الأخرى شاركت في هذا المؤتمر وحملت معها الأفكار الحديثة التي خرج بها هذا المؤتمر إلى بلدانها.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .