المنهج التجريبي
أن التقدم الذي حققته العلوم الإنسانية في مجالات البحث العلمي جعل التجريب ليس وقفا" على العلوم الطبيعية مثل علوم الكيمياء والطبيعة وعلم التاريخ الطبيعي وعلم الفلك بل أصبح المنهج التجريبي منهج شائع الاستخدام في البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية كعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم التاريخ والجغرافية .والتجريب سواء تم في المعمل أو في القاعة الدراسية أو في مجال أخر هو محاولة للتحكم في جميع المتغيرات والعوامل الإنسانية باستثناء متغير واحد حيث يقوم الباحث بتطويعه وتغيره بهدف قياس تأثيره .فعلى الرغم من أن التجارب في العلوم الطبيعية قد حققت نجاحا" مما لا شك فيه بأن هناك الكثير من المحاولات الناجحة أيضا" في العلوم الاجتماعية .
مفهوم المنهج التجريبي
يعد المنهج التجريبي هو أقرب مناهج البحوث لحل المشاكل بالطريقة العلمية ، كما يعد هو منهج البحث الوحيد الذي يمكنه الاختبار الحقيقي لفروض العلاقة الخاصة بالسبب أو الأثر .
ويتوفر في المنهج التجريبي أقصى درجات الضبط العلمي ، فالمنهج التجريبي يتيح للباحث أن يغير عن قصد وعلى نحو منظم متغيرا" معينا" ( المتغير التجريبي أو المستقل ) يرى تأثيره على متغير أخر في الظاهرة قيد الدراسة ( المتغير المعتمد ) وذلك مع ضبط أثر كل المتغيرات الأخرى مما يتيح للباحث الوصول إلى استنتاجات أكثر دقة ، وهذا يعني أن البحوث العلمية التي يستخدمها المنهج التجريبي . وتعرف التجربة ( Experiment) على أنها الطريقة التي يقوم من خلالها الباحث العلمي بالتحقق من العلاقة بين السبب والنتيجة وذلك في ظل ظروف مسيطر عليها بأحكام . تصمم التجربة لاختبار فرضية محددة تحديدا" دقيقا" . فالفرضية بهذا المعنى تقرب من الفكرة العلمية غير الموثقة لتحديد العلاقة السببية بين متغيرين. يقوم الباحث بعدها ، أي بعد الانتهاء من تحديد الفرضية ، بجمع الأدلة التي يحتاج إليها لقبول أو رفض الفرضية . ويتم ذلك عبر ثلاث مراحل هي
أولا" : قياس المتغير التابع أو المعتمد أو ما يسمى بلغة الحياة اليومية ، النتيجة أو الأثر المترتب على أمر ما .
ثانيا" : تعريض المتغير المعتمد أو التابع الى المتغير المستقل أو ما يسمى بالسبب المباشر .
ثالثا" : قياس مدى التغير الحاصل في المتغير المعتمد مرة أخرى للتحقق والتيقن . في ضوء هذه الخطوة ، يكون باستطاعة الباحث قبول أو رفض فرضية البحث .
يلاحظ في هذا المجال أن التجارب الناجحة تعتمد اعتمادا" كبيرا" على مدى القدرة على السيطرة أو التحكم بالمتغيرات الرئيسية التي يفترض أن يكون لها تأثير في موضوع البحث . كما أن القدرة على تحديد العلاقة السببية بين مجموعتين من المتغيرات تتأثر بدرجة السيطرة على العوامل الداخلية التي يمكن أن تحقق ترابطا" زائفا" أو كاذبا" يؤدي إلى التوصل إلى نتائج غير صحيحة .فقد يفترض الباحث أن زيادة الوعي بمخاطر التدخين ، يؤدي إلى تقليل الميل إلى التدخين لدى الطلبة . في هذه الحالة ، يلاحظ أن الطلبة يمكن أن يكونوا المتغير الذي يحدث ترابطا" زائفا" . فالمتغيران الأساسيان أو الأصليان هما الوعي بمخاطر التدخين والميل إلى التدخين . أما الطلبة فيمثلون متغيرا" غير أصيل أو دخيل بدليل أن الوعي بمخاطر التدخين والميل إلى ممارسته يمكن أن يوجد لدى جماعات متنوعة وليس الطلبة فقط. ويمكن التحقق من صحة هذا التصور من خلال السيطرة على الطلبة كمتغير وأخذ الفرضية ذات العلاقة بالوعي بمخاطر التدخين والميل إلى ممارساته وتطبيقها على جماعات من نوع أخر كالموظفين أو أبناء المحلة أو الحي الواحد أو زملاء المهنة أو أفراد يعملون في ثكنة عسكرية الخ في هذه الحالة فأن أي جماعة أخرى غير الطلبة ستكون بمثابة جماعة ضبط (Control Group ) فيما يمثل الطلبة أو ما يسمى بالجماعة التجريبية (ExperimentalGroup )
دعائم المنهج التجريبي
أن المنهج التجريبي وكما سبق أن أوضحنا أنه عبارة عن أجراء بحث فيه يقوم الباحث بخلق الموقف بما يتضمن معه شروط وظروف محددة حيث يتحكم في بعض المتغيرات ويقوم بتحريك متغيرات أخرى متى يستطيع أن يتبين تأثيره هذه المتغيرات المستقلة على المتغيرات التابعة . وبناءا" على ذلك فأن التجربة العلمية وباستخدام المنهج التجريبي ، ترتكز على دعائم وأسس محددة نوجزها فيما يأتي :أولا" : من المستحيل التحكم في تأثير المتغيرات ، ومعرفة نوع هذا التأثير ما لم يقم الباحث بخلق الموقف بمعنى أن يكون على علم بالمتغيرات التي يقوم بالبحث فيها وبتأثير المتغيرات المستقلة عليها .ثانيا" : أن استخدام المنهج التجريبي في البحث يقلل من نسبة الخطأ والتحيز عند جمع البيانات ، لان جمع البيانات يكون عن طريق الاختبارات التي يجب أن يتوفر فيها الصدق والثبات والموضوعية .ثالثا" : أن المنهج التجريبي في البحث يتضمن ما يطلق عليه المجموعة الضابطة وتنحصر هذه الطريقة في ملاحظة مجموعتين متساويتين من الأفراد أثناء أدائهم تحت نفس الظروف فيما عدا عنصر واحد وهو المتغير المستقل ، وينحصر الاختلاف في أداء المجموعتين بعد عزل جميع مصادر التأثير في تأثير المتغير المستقل .رابعا" : يشترط في استخدام المنهج التجريبي في البحث أن يكون للمجموعتين موضوع التجربة إمكانيات متساوية في أول الأمر ، ومعنى ذلك أن تكون المجموعتين لهما نفس الشروط وعلى نفس المستوى من القدرة ، من حيث المتغيرات التي يمكن أن تأثر في النتائج .خامسا" : يشترط في البحوث التي تستخدم المنهج التجريبي وجود متغير تابع وهو المتغير الذي يتغير نتيجة تأثير المتغير المستقل .