انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم الاجتماع
المرحلة 4
أستاذ المادة غني ناصر حسين القريشي
09/11/2015 06:36:59
الثورة التنظيمية ليست التنظيمات مقتصرة على المجتمع الحديث، فقد شهد العالم القديم كثير من التنظيمات، لكنها تختلف اختلافاً كبيراً عن التنظيمات الحديثة من ناحية عددها ومن حيث قدرتها على اشباع الحاجات المجتمعية والشخصية؛ حيث تتميز بكثرة عددها في ظل المجتمع الحديث وتنوع الحاجات التي تشبعها، وكبر حجمها وتعقد بنائها وكفاءتها العالية. والسؤال الذي يطرح نفسه ما الظروف الاجتماعية التي ساعدت على نمو ظاهرة التنظيم وتطورها في المجتمع الحديث؟ وللإجابة على هذا السؤال يمكن تحديد تلك الظروف في المتغيرات التالية: 1- التصنيع: ظهور التصنيع في المجتمع الحديث أدى إلى ارتفاع معايير التعليم والانجاز، وانتشار الوعي السياسي، والاتجاه نحو التفكير العلماني نتيجة لتقدم العلم، وتغير نظام الأسرة، وازدياد معدلات التنقل الاجتماعي. بمعنى آخر أنَّ التصنيع أدى إلى تغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية كانت عاملاً حاسماً في ظهور ما يسمى بالعصرية. وأهم ما تنطوي عليه العصرية هو نمو عدد هائل من التنظيمات الكبيرة المعقدة. 2- التعليم وما رافقه من ظهور للمدارس والجامعات. 3- ظهور الأحزاب السياسية التي تعد ذاتها تنظيمات جماهيرية تمارس دوراً رئيساً في الدولة. 4- التمايز أو التباين. من المسلم به أنَّ المجتمعات التقليدية أو البسيطة تؤدي نفس الوظائف الاجتماعية شأنها في ذلك شأن المجتمعات المعاصرة والمعقدة، فهي تقوم بإنتاج السلع، وتوزيعها، كما يسود فيها نوع من التكامل الاجتماعي من خلال الطقوس التي تمارسها القبيلة لكي تحافظ على وحدتها وتماسكها. كذلك امتثال أعضائها للثقافة وتقبلهم للمعايير السائدة في المجتمع، وانتقالها من جيل إلى آخر. لكنَّ المجتمعات العصرية تمارس هذه الوظائف بكفاءة أعلى عن طريق التمايز، فبدلاً من تركيز كل هذه الوظائف داخل نطاق وحدة اجتماعية واحدة متمثلة بالأسرة الممتدة في ظل المجتمع التقليدي أصبحت تؤديها وحدات اجتماعية متعددة في ظل المجتمع المعاصر. وهناك سببان يجعلان التمايز عاملاً مهماً في قيام الثورة التنظيمية هما: 1- أنَّ تنوع الحاجات التي يريد المجتمع اشباعها يصاحبه باستمرار إقامة تنظيمات متخصصة تتولى مهمة هذا الاشباع. 2- قيام هذه الوحدات التنظيمية بصورة مقصودة الأمر الذي يجعلها أكثر قدرة وأعلى كفاءة لاعتمادها عل ى معايير أو قواعد خاصة بها، ولها بناء يخدم مباشرة أهدافها. ومن الجدير بالذكر إنَّ المجتمع الإنساني قد شهد قبل الثورة الصناعية كثير من التنظيمات التي تمارس نشاطاً تجارياً وتعليمياً وإدارياً ودينياً، لكنَّها كانت تفتقر إلى مقومات التنظيم البيروقراطي الرشيد، فالبيروقراطية الصينية مثلاً لم تكن قائمة على معرفة متخصصة بقدر ما كانت تنهض على نوع من المعرفة الفلسفية والمقدرة الأدبية، كذلك ارتبطت المكانة في التنظيم بالمكانة الاجتماعية في المجتمع، بحيث كانت عضوية التنظيم قاصرة على الطبقات صاحبة السيادة، ونخلص من كل هذا إلى القول: أنَّ المجتمع الحديث هو الذي يمكن أنْ يوصف بأنَّه مجتمع التنظيم الرشيد. من جهة أخرى هناك تغيرات بنائية وثقافية ساعدت على النمو التنظيمي في المجتمع الحديث وسنشير هنا إلى آراء كل من (ايزنشدت ووليم ديلاني وماكس فيبر) في هذا المجال: لقد ذهب (ايزننشدت) إلى أنَّ الظروف البنائية التي ساعدت على نمو التنظيم البيروقراطي في المجتمع الحديث تتخلص في: 1- وجود درجة عالية من التباين في الأدوار والمراكز والمتطلبات النظامية في المجتمع. 2- الاتجاه نحو تحديد الأدوار الرئيسة على وفق معايير عامة ومستقرة. 3- تأكيد مصالح المجتمع قبل مصالح أية جماعة خاصة. 4- زيادة تعقد الحياة الاجتماعية وتشابك نظمها. 5- اهتمام الجماعات بأداء وظائف اقتصادية واجتماعية لا تقتصر على مصالحها الخاصة. 6- شيوع التنافس بين الجماعات حول الأهداف والموارد النادرة. أمَّا (وليم ديلاني) فيؤكد على أنّ النظام الذي يوجد في المجتمع سوف يتغير بالضرورة، ويرجع ذلك إلى التناقضات القائمة في البناء البيروقراطي ذاته، بحيث يصبح من الضروري أنْ نبحث خلال هذه المرحلة في شكل التنظيم الذي سيظهر بعد البيروقراطية أو ما سمي بالتنظيم اللاحق للبيروقراطية. أمَّا (ماكس فيبر) فيعد من أوائل العلماء الذين اهتموا بالتغيرات الثقافية التي كانت سابقة على الثورة التنظيمية التي شهدها المجتمع الحديث، فقد قدم تحليلاً شاملاً لهذه التغيرات الثقافية في كتابة: (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية) حيث اهتم بالكشف عن الظروف التي أدت إلى ظهور نظام الإنتاج الحديث الذي يتسم بالتعقل والرشد، فرفض آراء (ماركس) الذي اعتبر فيها أنَّ التغيرات التي طرأت على العوامل التكنولوجية وعلاقات الملكية تعدّ مصدراً للرأسمالية، وأكد (فيبر) تأثير طائفة من المعايير الجديدة أطلق عليها( الأخلاق البروتستانتية) حيث يرى أنَّ الرأسمالية الحديثة بما تتضمنه من نزعة نحو التنظيم الرشيد، والكفاءة في العمل والإنتاج، والروح المعنوية العالية، والحماس المتزايد قد نشأت من خلال العقيدة البروتستانتية وأخلاقياتها الاقتصادية. فروح الرأسمالية هي ذاتها روح العقيدة البروتستانتية التي تؤكد السلوك العملي، وقد توصل (فيبر) إلى استنتاجاته هذه من خلال تحليله الدقيق لتعاليم (لوثر وكالفن). فالعقيدة البروتستانتية تهتم اهتماماً كبيراً بتنشئة الفرد تنشئة عقلية، وهي تمنح المهنة قيمة أخلاقية كبيرة، كما أنَّها تقدس العمل وترى أنَّ أداء العمل بإخلاص هو واجب مقدس، وترى أيضاً أنَّ جمع المال بطريقة شريفة نشاطاً ذكياً. ومن ثم يؤكد (فيبر) وجود تغير في العقلية قبل ظهور النظام الرأسمالي في الإنتاج، وهو تغير ينحصر في إحلال السعي الحر من أجل الربح النقدي والمشروع والتوفير، والعمل الشاق المنظم محل القيم الإقطاعية التقليدية للحياة في الريف. والتنظيم المعتاد القائم على وجود طوائف تضم أصحاب الحرف في المدن. فلكل عصر تاريخي، روحه الخاصة به، والتي تنحصر في مجموعة الاتجاهات السيكولوجية التي تجعل لكل عصر طابعه المتميز. وأخيراً أكد (فيبر) أنَّ الصور الثلاث للتعقل وهي: الرأسمالية، والعلم، والتنظيم البيروقراطي قد ظهرت في وقت متزامن، ومن ثم كان ظهور كل منها يدعم ظهور الآخر.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|