انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

العلاقة بين الثقافة والشخصية

الكلية كلية الاداب     القسم قسم الاجتماع     المرحلة 4
أستاذ المادة غني ناصر حسين القريشي       5/23/2011 7:19:40 PM
                                                                                                                                                                                                

العلاقة بين الثقافة والشخصيّة

?

 

?

   إنّ شخصيّة الفرد تنمو وتتطوّر، من جوانبها المختلفة، داخل الإطار الثقافي الذي تنشأ فيه وتعيش، وتتفاعل معه حتى تتكامل وتكتسب الأنماط الفكرية والسلوكية التي تسهّل تكيّف الفرد، وعلاقاته بمحيطه الاجتماعي العام .

  وليس ثمّة شكّ في أنّ الثقافة مسؤولة عن الجزء الأكبر من محتوى أية شخصيّة، وكذلك عن جانب مهمّ من التنظيم السطحي للشخصيّات، وذلك عن طريق تشديدها على اهتمامات أو أهداف معيّنة. ويكمن سرّ مشكلة العلاقة بين الثقافة والشخصيّة في السؤال التالي : " إلى أي مدى يمكن اعتبار الثقافة مسؤولة عن التنظيم المركزي للشخصيّات؟ أي عن الأنماط السيكولوجية؟ وبعبارة أخرى : هل يمكن للتأثيرات الثقافية أن تنفذ إلى لباب الشخصيّة وتعدّلها؟

  إنّ الجواب على هذا التساؤل، يكمن في أنّ عملية تكوين الشخصيّة هي عملية تربوية / تعلمية – تثقيفية، حيث يجري فيها اندماج خبرات الفرد التي يحصل عليها من البيئة المحيطة، مع صفاته التكوينية، لتشكّل معاً وحدة وظيفيّة متكاملة تكيّفت عناصرها، بعضها مع بعض تكيّفاً متبادلاً، وإن كانت أكثر فاعلية في مراحل النمو الأولى من حياة الفرد.

   فالثقافة إذن ترتبط بالشخصيّة، حيث تكوّن رافداً أساسياً من روافد هذه الشخصيّة وتحدّد سماتها. ولذلك، فإنّ دراسة الثقافة والشخصيّة، تمثّل نقطة التقاء بين علم النفس وعلم الإنسان. فلا يمكن فهم أي شخص فهماً جيّداً، من دون الأخذ في الاعتبارات الثقافية التي نشأ عليها. كما لا يمكن فهم أي ثقافة إلاّ بمعرفة الأفراد الذين ينتمون إليها ويشاركون فيها، وتتجلّى بالتالي في سلوكياتهم الملحوظة، حيث تبدو تأثيرات الثقافة على الفرد في النواحي التالية :

1- الناحية الجسمية: إنّ الثقافة السائدة لدى شعب من الشعوب، كثيراً ما تجبر الفرد – بما لها من قوّة جبرية وإلزام، وسيطرة مستمدّة من العادات والقيم والتقاليد- على أعمال وممارسات قد تضرّ بالناحية الجسمية ضرراً كبيراً. فعلى سبيل المثال : كانت العادات لدى بعض الطبقات المرفهّة في الصين، أن تثنى أصابع الطفلة الأنثى، وتطوى تحت القدم، وتلبس حذاء يساعد في إيقاف نموّ قدمها ويجعلها تمشي مشية خاصة. فعلى الرغم من التشوّه الذي يحصل للقدم، فقد كانت تلك المشية بالإضافة إلى صغر القدم، من أهم دلائل الجمال.

2- الناحية العقلية: لا شكّ في أنّ الثقافة بأبعادها المادية والمعنوية، تؤثّر تأثيراً فاعلاً في الناحية العقلية للشخصيّة، ولا سيّما من الجانب المعرفي / الفكري. فالفرد الذي يعيش في جماعة (مجتمع) تسود ثقافتها العقائد الدينية أو الأفكار السحرية، تنشأ عقليته وأفكاره متأثّرة بذلك. فالمعتقدات التي تسود في المجتمع الهندي أو الصيني، غير تلك المعتقدات التي تسود في المجتمع الأمريكي أو العربي، وبالتالي فإنّه من الطبيعي أن يتأثّر الفرد سواء في المجتمع البدائي، أو في المجتمع المتحضّر، بثقافة مجتمعه، ولا سيّما عن طريق الأسرة، باعتبار أنّ من أهمّ وظائف الأسرة، مساندة التركيب الاجتماعي وتأييده.

3- الناحية الانفعالية: يتضمّن الجانب الانفعالي، ما لدى الشخص من الاستعدادات والدوافع الغريزية الثابتة نسبياً، والتي يزوّد بها منذ تكوينه وطفولته. وتعتمد على التكوين الكيميائي والغددي والدموي، وتتّصل اتصالاً وثيقاً بالنواحي الفيزيولوجية والعصبية. وتؤكّد الدراسات الأنثروبولوجية، أنّ للثقافة دوراً كبيراً في تربية مزاج الشخص وتهذيب انفعالاته، وإن لم يكن لها الدور الحاسم في ذلك. فكثيراً ما نجد شخصاً قد ورث في تكوينه البيولوجي، عوامل (استعدادات) تثير لديه الغضب، لكنّ التنشئة الاجتماعية / الثقافية، ونبذ المجتمع لتلك الصفة، يجعله يعدّل من سلوكه.

4- الناحية الخُلُقية: تستند إلى الناحيتين العقلية والانفعالية، بعدّهما المواد الخام التي تبنى عليها الصفات الخُلُقية. ولذا فإنّ الأخلاق السائدة في المجتمع، هي الحصيلة الناتجة من تفاعل القوى العقلية والانفعالية، مع عوامل البيئة. أي أنّ النواحي الأخلاقية أكثر قرباً إلى العوامل البيئية، والوسط الاجتماعي والثقافة المهيمنة على الشخص. فلكلّ ثقافة نسق أخلاقي خاص ينساق فيه الفرد، متأثّراً بالمعايير الأخلاقية السائدة من ناحية الخير والشر، والصواب والخطأ، وما يجوز وما لا يجوز، وإن كانت هذه المعايير نسبيّة تختلف في معانيها ودلالاتها من مجتمع إلى مجتمع آخر.

   فاختلاف شخصيّات الأبناء عن شخصيّات الآباء، من الظواهر النفسيّة التي تبرز بوضوح في المجتمعات المتمدّنة، والتي تميّز بوضوح عملية التغيّر الثقافي. ولذلك ترى (مارغريت ميد) أنّ كلّ عضو (فرد) في كلّ جيل يسهم – من الطفولة وحتى الشيخوخة – في إعادة شرح الأشكال الثقافية، وبالتالي يسهم أعضاء المجتمع في عمليّة التغيّر الثقافي. ولكن يجب ملاحظة أنّ التغيّرات الثقافية التي تصطدم بالشخصيّة العامة للمجتمع، يكون مآلها الفشل في أغلب الأحيان. وهكذا، فإنّ التأثير متبادل بين الثقافة والشخصيّة، وذلك بالنظر لحدوث تغيّر في أحدهما أو في بعضهما معاً.

وإذا كان ثمّة فرق ما بين الشخصيّة والثقافة، فإنّ ذلك يعود إلى الفرق في الأسس التي تقوم عليها كلّ منهما. فالشخصيّة تعتمد على دماغ الفرد وجهازه العصبي، ودورة حياتها ما هي إلاّ مظهر من مظاهر دورة حياة الجسم الإنساني. أمّا الثقافة، فتستند إلى مجموع أدمغة الأفراد الذين يؤلّفون المجتمع.

  وبينما تتطوّر هذه الأدمغة كلّ بمفرده وتستقرّ ثمّ تموت، تتقدّم دوماً أدمغة جديدة لتحلّ محلّها. ومع أنّه توجد حالات كثيرة من المجتمعات والثقافات التي طمستها قوى خارجة عنها، إلاّ أنّه من الصعب أن نتصوّر أن المجتمع أو ثقافته، يمكن أن يموت بسبب الشيخوخة.

   فتأثير الثقافة قوي وفاعل في الحفاظ على النسق الاجتماعي السائد، ويتجلّى ذلك فيما تقدّمه إلى إفراد المجتمع في الجوانب التالية:

 

1-  توفّر الثقافة للفرد، صور السلوك والتفكير والمشاعر، التي ينبغي أن يكون عليها، ولا سيّما في مراحله الأولى، بحيث ينشأ على قيم وعادات تؤثّر في حياته، بحسب طبيعة ثقافته التي عاش فيها .

2- توفّر الثقافة للأفراد، تفسيرات جاهزة عن الطبيعة والكون وأصل الإنسان ودورة الحياة .

3- توفّر الثقافة للفرد المعاني والمعايير التي يستطيع أن يميّز – في ضوئها- ما هو صحيح من الأمور، وما هو خاطئ.

4- تنمّي الثقافة الضمير الحيّ عند الأفراد، بحيث يصبح هذا الضمير – فيما بعد- الرقيب القوي على سلوكياتهم ومواقفهم.

5- تنمّي الثقافة المشتركة في الفرد، شعوراً بالانتماء والولاء، فتربطه بالآخرين في جماعته بشعور واحد، وتميّزهم من الجماعات الأخرى.

6- تكسب الثقافة الفرد، الاتجاهات السليمة لسلوكه العام، في إطار السلوك المعترف به من قبل الجماعة.

  وهكذا يمكن القول: إنّ الثقافة تضفي على حياة الفرد قيمة ومعنى، وتكسب وجوده غرضاً لـه أهميته. وهي بالتالي تمدّ الأفراد بالقيم والآمال والأهداف التي توحّد مشاعرهم وأساليب حياتهم. غير أنّ تشكيل الثقافة للفرد على هذا النحو، لا يعني – بأي حال من الأحوال– إلغاء فرديته، إذ بواسطة الثقافة تنمو إمكانياته وتتحرّر قواه، ويكتسب قدراته المتعدّدة، ويصبح بالتالي قادراً على الاختيار الصحيح والتمييز الواعي. هذا مع الأخذ في الحسبان الفروق الفردية بين الأشخاص، من حيث تأثّرهم بالثقافة أو تأثيرهم فيها.

  وتأسيساً على ما تقدّم، نجد أنّ ثمّة علاقة وثيقة وتفاعلية بين الثقافة وأبنائها، فهي التي توجّههم في جوانب حياتهم المختلفة، لدرجة أنّهم يتصرّفون بطريقة منسجمة وآلية، في معظم الأحيان. والأفراد في المقابل، يؤثّرون في هذه الثقافة ويسهمون في تطويرها وإغنائها، من خلال نتاجاتهم وإبداعاتهم الفكرية والفنيّة والعلمية. ولذلك، نرى اهتمام علماء التربية والاجتماع والأنثروبولوجيا، بدراسة الثقافة للتعرّف إلى السمات العامة للفرد أو الجماعة (المجتمع) في إطار مكوّنات هذه الثقافة، والتعرّف بالتالي إلى أنماط الحياة الاجتماعية للناس، وتفسيرها والتمييز فيما بينها.

?

 

 

?

  
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .