إنَّ الفكرة القائلة بأنَّ الصراع وإيجاد حل للصراع هما من الخصائص الأساسية في المجتمع يمكن تتبعها قديماً إلى قدماء الكتاب في الصين القديمة واليونان والرومان والعرب المسلمين، ولكن في التاريخ المعاصر نجد ( البين سمول) في أوائل (1910) يؤكد بأنَّ الصراع كان العملية الاجتماعية الأساسية في الحياة، وستبقى الحياة الاجتماعية رهناً للصراعات الخاصة التي يواجهها الفرد. وفي عام (1956) نشر (لويس كوزر) كتابه (وظائف الصراع الاجتماعي) الذي أشار فيه إلى وظائف الصراع الإيجابية، وأشار فيه أيضاً إلى أنَّ (بارسونز) يربط الصراع بالسلوك المنحرف والذي ينظر إليه في الوقت نفسه بوصفه مرض يحتاج إلى علاج، علاوة على ذلك فإنَّ بعض العلماء مثل: (مايو) قد تحاشى الصراع في دراسته للتنظيم ونظر إليه من وجهة نظر الإدارة فإنَّ الإدارة تمثل الهدف الأساس للمجتمع وبهذه الخلفية المبدئية لم ينظر في إمكانية أنْ يحتوي نظاماً صناعياً مصالح متضاربة تنطلق من اتجاهات مختلفة ومنطق مختلف.
وهناك الكثيرون من العلماء أسهموا في تحليل الصراع الاجتماع إلاَّ أنَّ (كوزر) و (رالف داهرندورف) سيظل الأكثر فائدة فلقد أكد (كوزر) بأنَّه يشعر بأنَّ نموذجاً متكاملاً يؤكد الاتفاق والصراع في آن واحد لابد من الوصول إليه، كما أنَّ مجهوداته قد أسهمت في تقديم رؤية مختلفة (لماركس وزيمل) حول الصراع.
وعلى أية حال فأنَّ أهم الأسس التي تقوم عليها هذه النظرية ما يأتي:
1- الصراع طبيعي ولا يجب أنْ يعرّف بوصفه مرض.
2- تختلف الجماعات في السلطة، فكل جماعة تسعى لزيادة سلطتها على الآخرين وكل مجتمع مقام على أنء تقوم جماعة لردع جماعة أخرى، والأفراد يرون مصلحتهم العامة ومستعدون للتضحية إذا كانوا يعتقدون أنَّ ذلك سيؤدي إلى مستقبل أفضل، ولهذا فالجماعات أو الجماعة تسيطر على سلوك أعضائها لتزيد قوة الجماعة من خلال الصراع.
3- للصراع وظائف إيجابية عديدة كما أنَّ السماح بدرجة من الصراع داخل حدود المؤسسات والنظم يمكن أنْ يسمح بظهور حلول جديدة والذي يهدد توازن النظام الاجتماعي ليس الصراع في حد ذاته ولكن جمود النظام الاجتماعي الأمر الذي يسمح بظهور العداء والحقد أنْ يتراكم ويوجه نحو معطيات النظام الاجتماعي نفسه، ومن هنا فتحديد العداوات وتحديد مظاهر التذمر والاختلاف أمر ضروري فبواسطة ذلك تصبح الجماعة أكثر قدرة على تكوين نظام اجتماعي قوي والذي سيكون أقل احتمالاً من أنء يتفكك فجأة بسبب تراكم الغضب وعدم الاتفاق.
4- أنَّ عدم وجود صراع ليس بالضرورة من علامات قوة النظام أو الاستقرار، وربما العكس فإنَّ وجود الصراع يمكن أنْ يكون علامة على درجة عالية من استقرار النظام وحيويته وفعاليته.فإنَّ بناء الجماعات في المجتمع المفتوح لابد أنْ يسمح بدرجة من الصراع التي هي بمثاية صمامات أمان ضد نوع من الصراع يمكن أنْ يجعل الاتفاقات الأساسية والقيم الرئيسة في خطر فالاعتماد المتبادل بين الجماعات المختلفة وتبادل الارتباط بطريقة الصراع يؤدي وظيفة نسج النظام الاجتماعي مع بعضه وهذا في حد ذاته يمنع تفكك النظام الاجتماعي.
5- للصراع الاجتماعي وظيفة هامة في حفظ حيوية المؤسسات الاجتماعية وذلك بظهور الكثير من الميكانيزمات التي بواسطتها يمكن أنْ يحل الصراع الكثير من المشكلات ويساعد على عملية الاتفاق الاجتماعي.
وعموماً وجهت لنظرية نسق الصراع الانتقادات نعرضها على النحو الآتي:
يقال بأَّ الحياة في الاجتماعية أشياء أخرى أهم من الصراع ومن هنا فالتحليل وموضوع الدراسة يصبح ضيقاً بشكل كبير ومفككاً ويبدو أنَّ (كوزر) يؤيد ذلك حيث اقترح جهوداً لجمع وجهة نظر الصراع مع وجهة نظر النسق الطبيعي.وعلى أية حال إنَّ ما يجمع الجماعات ويوحدها مع بعضها بعيداَ عن الصراع وعن روح الحرب في إطار هذه النظرية لم ينل حقه من التحليل والاهتمام فالواحد منا فرض عليه أنْ يرى الصراع في كل مكان، ولا يرى شيئاً غيره في الحياة، ويتضمن في النقد السابق إهمال عمليات أساسية مثل التعاون والتنسيق والثقافة والدين والقومية ولعل في هذه الروابط الأخيرة بذور التماسك الاجتماعي والابتعاد عن روح الحرب والدمار والحقد والكراهية.
وبهذا فإنَّ نسق الصراع استبعد عوامل كثيرة من تحليل التنظيم الاجتماعي وبذلك لا يصلح أنْ يكون النسق الأساس في فهم المنظمات الاجتماعية وتحليلها.