انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 1
أستاذ المادة حيدر عبد الرسول حسين عوض
03/11/2019 15:28:20
نشأة علم الصرف لم يُعن المتقدِّمون بتاريخ علم الصرف كعنايتهم بعلم النحو، ولم ترد رواية واحدة تُصرِّح باسم الواضع كما وردت في النحو، وذلك يرجع إلى أن ((التصريف جزء من أجزاء النحو بلا خلاف من أهل الصناعة))( )، فهم عندما أرَّخوا للنحو أرَّخوا إلى الصرف من ضمنه وإن لم يصرِّحوا بذلك، فالقدماء عندما يتحدَّثون ((عن بدايات علم العربية فإنَّهم غالبًا ما يُطلقون على ذلك اسم النحو وهم في حقيقة الأمر إنما يريدون معه الصرف، بدليل أن مسائل التي أثاروها منذ نشأة هذه العلوم منها ما هو نحوي ومنها ما هو صرفي))( )، فهو عندهم: ((مشتمل على نوعين؛ أحدهما: علم الإعراب، والآخر: علم التصريف، وذلك أن علم النحو مشتمل على أحكام الكلم العربية، وتلك الأحكام نوعان: إفرادية وتركيبية، فالإفرادية هي علم التصريف، والتركيبية هي علم الإعراب؛ ولذلك يقال في حد علم النحو: علم يُعرف به أحكام الكلم العربية إفرادًا وتركيبًا))( ). ولم تقتصر هذه الحال على المؤلفات الأولى، بل استمرت إلى عصر ابن جني وما بعده الذي يقول: ((لا تكاد تجد كتابًا في النحو إلا والتصريف في آخره))( )، وتعريفه للنحو خلط معه مباحث الصرف؛ لأنَّه جزء منه في نظره( ). نعم، ظهرت مؤلفات مستقلة في الصرف بعد كتاب سيبويه فقد قيل: إن ((أول من دون علم الصرف أبو عثمان بكر بن حبيب المازني، وكان قبل ذلك مندرجا في علم النحو))( )، لكن في الأغلب الأعم ظل الصرف مندرجًا في النحو إلى عصر متأخر، وهذا ما يفسِّر قلة المؤلفات المستقلة في هذا العلم؛ مقارنة بالنحو؛ لأن أغلب علماء اللغة قد بحثوه ضمن مصنفاتهم النحوية، كمقتضب المبرد وأصول ابن السراج(ت:316هـ)، ولمع ابن جني، ومفصل الزمخشري، وألفية ابن مالك، وهمع السيوطي وغيرها. واللحن الذي كان سببًا رئيسًا في نشأة النحو، لم يكن إعرابيًا فقط، بل كان في البنية أيضًا، من ذلك ما روي عن ((الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: جاء أعرابي إلى عليّ ? فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، كيف تقرأ هذه الحروف؟ لا يأكله إلَّا الخاطون، كلّنا والله يخطو. قال: فتبسم أمير المؤمنين ?، وقال: يا أعرابي ?لا يأكله إلا الخاطؤون?( )، قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، ما كان الله ليظلم عباده...))( )، فلم يُميِّز الأعرابي بين جمع خاطئ، وخاطٍ. ومنها ما روي أن الأمام عليا ?((كان يُشيِّع جنازة فقال له قائل من المتوفِّي؟ - بلفظ اسم الفاعل سائلًا عن المتوفَّى فلم يقل فلان بل- قال: الله. ردًّا لكلامه عليه مخطئا إيَّاه منِّبهًا له بذلك على أنَّه كان يجب أن يقول من المتوفَّى؟ بلفظ المفعول، ويقال: إن هذا الواقع كان أحد الأسباب التي دعته إلى استخراج علم النحو))( ). ومنها ما روي ((أنه دخلت بنت خويلد الأسدي على معاوية فقالت: إن أبوي مات وترك لي مالًا - بإمالة مال- فاستقبح منها معاوية ذلك. وبلغ الخبر عليًّا كرَّم الله وجهه. فرسم لأبي الأسود... باب الإمالة))( ). بل إن الجاحظ قال: ((أول لحن سمع بالبادية: هذه عصاتي، وأول لحن سمع بالعراق: حيِّ على الفلاح))( )، وكلا اللحنين صرفي كما هو واضح. فالإمام علي بن أبي طالب? ((هو الذي وضع مبادئ علم التصريف، وذلك أنَّه فطن إلى شيوع أخطاء في أبنية الكلمات وهيآتها، فوضع في علم البناء بابا أو بابين، فكان ذلك أساس علم الصرف))( )، وكذلك، تقسيمه الكلام إلى: اسم وفعل وحرف يعد أساس علم الصرف كما هو أساس علم النحو، وحديثه عن المُعرب والمبني اللذين يحددان ما يدخل ضمن هذا العلم في البحث، فضلًا عن وضعه لباب الإمالة( )، وإلى ذلك ذهب أبو علي الحسن اليوسي(ت:1102هـ)( )، وأيده محمد بن أحمد عليش(ت: 1299هـ)( )، ونسب هذا الرأي لليوسي: محمود العالم المنزلي(1311هـ)( )، والشيخ علي رجب الصالحي(1324هـ)( )، وذكر هذا الرأي الشيخ الحملاوي(ت:1351هـ) من دون نسبة( )، وممَّن أيَّد وضع الإمام ? لعلم الصرف من المحدثين الدكاترة: فخر الدين قباوة( )، وحسن هنداوي( )، وعصام نور الدين( )، ومحمد إحسان الله مياه( ). وأما ما ادُّعي من نسبة وضع هذا العلم لمعاذ الهراء(ت: 187هـ)( )فلا تصح؛ إذ لم يستند الناسبون إلى رواية واحدة تثبت ذلك، فالرجل معاصر لسيبويه ولم يبلغ ما بلغه((وأن كلامه في أمور متعلقة بالصرف لا تعني أنه وضع علم الصرف أو وضع أصوله ومسائله))( )، وعلى الرغم من أنَّ كتاب سيبويه قد استوعب معظم مباحث هذا العلم حتى مسائل التمرين( ) لم يقل أحد أنَّه أسس هذا العلم؛ فكيف بمن لم يصنف شيئًا( )، وليس له رأي صرفي يذكر( )، فضلًا عن أن مسائل هذا العلم ((تدرس من قَبْلِ معاذ: دُرِّست مع العربية بوجه عام، ودرست مع مسائل النحو بوجه خاص))( )، وهو علم قائم بنفسه مستوٍ على ساقه، وإن لم يفرد له مصنف خاص؛ إلا في مطلع القرن الثالث الهجري، فإن دمجه مع النحو منهج اتبعه الكثير من النحويين إلى عصور متأخرة كما ذكر آنفًا. والغريب أنَّ يذهب السيوطي إلى أنَّ معاذًا وضع الصرف مستندًا إلى ما حكاه الزبيدي(ت:379هـ) من أن أبا مسلم مؤدب عبد الملك بن مروان، ((كان قد نظر في النحو، فلمَّا أحدث الناس التصريف لم يحسنه وأنكره، فهجا أصحاب النحو فقال: قد كان أخْذُهُمُ في النحوِ يُعجبني حتى تَعاطوا كلامَ الزنجِ والرومِ
... فأجابه معاذ الهرَّاء أستاذ الكسائي فقال: عالجتَها أمردَ حتَّى إذا شبتَ ولم تُحسِنْ أباجادها
سمَّيتَ من يعرفُها جَاهلًا يُصدرُها من بعد إِيْرَادِها
سهَّل منها كلَّ مُستصعبٍ طودٌ علا القرنَ من أطوادِها
وكان أبو مسلم يجلس إلى معاذ بن مسلم الهراء النحوي فسمعه يناظر رجلًا في النحو، فقال له معاذ: كيف تقول: من ?تؤزهم أزا?( ) يا فاعل افعل، وصلها بيا فاعل افعل من ?وإذا المؤودة سئلت?( ): فسمع أبو مسلم كلامًا لم يعرفه، فقام عنهم، وقال الأبيات))( ). وقال في ذيلها: ((ومن هنا لمحت أنَّ أوَّل من وضع التصريف معاذٌ هذا))( )، ولا يعلم الباحث كيف استدلَّ السيوطي على وضع معاذ للتصريف منها؟ فإن كان بسبب مناظرته في التصريف، فقد ذُكرت مناظرات فيه بين علماء سبقوا معاذًا ولم ينسب أحد الصرف لهم، منها: مناظرة ابن أبي إسحاق الحضرمي(ت:117هـ) مع أبي عمر بن العلاء(ت:154هـ) في الهمز( )، ومناظرة الكسائي(ت:189هـ) مع الأصمعي في (طيْف) و(طيّف)( )، وغيرهما. وإن كان بسبب ما ذكر فيها من مسائل التمرين فهي عليه لا له، لأنَّه ((محال أن تكون هذه المسائل أسبق في الوجود من النظريات والأصول التي تمدها بالقواعد والوسائل التطبيقية))( )، فقول معاذ: (يا فاعل افعل) يؤكد أنَّ الميزان الصرفي كان معروفًا شائعًا حتى إنَّه لا يحتاج إلى إيضاح، فضلًا عن أنَّ قول الزبيدي في صدر الرواية: (أحدث الناس التصريف) ما يبعد النسبة لمعاذ، وينسبها إلى مجهول، وإلَّا لو كان هو الواضع لقال: (أحدث معاذ التصريف)( ). زيادة على ما ذكر فإن فيها من الاضطراب والاختلاف ما جعل الدكتور المخزومي يعدها من الموضوعات والمفتعلات( )، إذ جعل الزبيدي صاحب القصة مع الهراء أبا مسلم مؤدب عبد الملك وهو مجهول لا يعرف عنه شيء، وجعله الزجاجي أبا مسلم الخراساني(ت:137هـ) صاحب العباسيين( )، في حين جعل الحموي(ت: 626هـ) بدل الهراء الكسائي، وبدل أبا مسلم أعرابيًا( ). والجدير بالذكر أنَّ السيوطي نسب إلى أستاذه الكافيجي (ت: 879هـ) في كتابه (شرح قواعد الإعراب) قول: ((إنَّ أول من وضعه معاذ بن جبل))( )، وعند رجوع الباحث إلى الكتاب المذكور لم يجد فيه ما ذكره السيوطي، بل فيه: ((أن معاذًا أوَّل من وضع التصريف))( ).
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|