انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

نشأة القصة العربية الحديثة

Share |
الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة ايمان عبد دخيل عيسى أل جميل       25/05/2019 15:11:08
نشأة القصة العربية الحديثة

بدأ ظهور القصة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ويكاد يجمع الدارسون على أن معرفة العرب بهذا الفن جاء عن طريق الاختلاط بالغرب، وأن للصحافة أثرها المهم إذ إنها كانت تشجع المترجمين على ترجمة النصوص القصصية الغربية، لنشرها في أعدادها. حتى بالنسبة للنصوص الطويلة كانت تنشر مسلسلة في الأعداد المتتابعة، وكانت الغاية من هذه الترجمة للتسلية والترفيه لجذب القراء، أو للوعظ والإرشاد. وهذا الأمر انتقل إلى الأدباء فبدأت تظهر نصوص معربة بتصرف كما فعل الطهطاوي عندما نقل رواية " مغامرات تلماك " لـ(فلنون) إلى " وقائع الأفلاك في مغامرات تلماك "، وأيضا محمود عثمان جلال الذي حول رواية " بول وفرجيني " لـ(فردناند سان) ، إلى " الأماني والمنة في حديث قبول وورد الجنة ". ولعل المنفلوطي أكثر من توسع في هذا الأمر. ومصطفى لطفي المنفلوطي أديب يمتلك لغة سلسة أخاذة عاطفيا قريبة من النفس، فكان يعرب القصة العالمية إلى العربية بلغته الخاصة هذه، واللافت أنه لم يكن يعرف لغة أجنبية، بل كانت تحكى له الحكاية ليعيد صياغتها بأسلوبه الخاص، ومن أشهر أعماله " ماجدولين " و" الفضيلة ".
لماذا ترجمت هذه النصوص بتصرف؟
1- لأن فن الترجمة لم يكن مكتمل الشروط والسمات آنذاك.
2- لأن كتّاب تلك المرحلة لم يستطيعوا نقل النص كاملا؛ لأن فيه ما يتعارض مع قيم وعادات المجتمع العربي الإسلامي في القرن التاسع عشر، فكان يعمد إلى الحذف أو التحوير أو الإضافة، بما يتماشى مع بنية المجتمع العربي.

مع اتجاه الترجمة هذا ظهر اتجاه آخر حاول استلهام الحكاية من الموروث العربي القديم، ولاسيما فن المقامة الذي يشبه فن القصة من بعض الوجوه، ولعل أشهر تلك المحاولات " حديث عيسى بن هشام " لمحمد المويلحي، والذي أكمله ابنه إبراهيم المويلحي بعد وفاته، وهو عمل لا يمكن القول عنه إنه قصة لأنه جمع بين المقالة والحكاية.

هذان الاتجاهان: الاتجاه الذي حاكى النموذج الغربي تعريبا، أو الاتجاه الذي حاكى النموذج الموروث كلاهما لم ينتج قصة فنية مكتملة الملامح لأنهما كان في طور التقليد. بعد ذلك بدأت تظهر محاولة كتابة قصة ذاتية، وأول رواية عربية هي بعنوان " حسن العواقب "، كتبتها الصحافية اللبنانية زينب فواز، وهي تعود إلى العام 1899، ومع بديات القرن العشرين بدأت تظهر محاولات لكتابة قصة مستقلة مثل: قصة " عذراء دنشواي " لمحمود طاهر حقي، والمحاولة الأخرى هي " الحياة في القصاص " لكاتب اسمه خضر بوبر، و" زينب " لمحمد حسين هيكل و" الأيام " لطه حسين و" سارة " للعقاد و" إبراهيم الكاتب " للمازني و" عودة الروح " و " عصفور من الشرق " لتوفيق الحكيم. وهي محاولات امتازت بأنها اكتسبت سمة الذاتية بمعنى التحرر من المحاكاة للغرب أو للقدماء وقد تفاوتت في استكمالها للسمات الفنية، وإن ظل أغلبها دون مستوى القصة الفنية الناضجة.

تعد رواية " زينب مناظر وأخلاق ريفية " لمحمد حسين هيكل التي صدرت عام 1912 ، الرواية الأولى عند أغلب الدارسين العرب، فبها يُؤرخ للرواية العربية في العصر الحديث، والطبعة الأولى منها صدرت بتوقيع مستعار هو مصري فلاح، ثم صدرت طبعة ثانية عام 1920 باسمه الصريح وكتب لهذه الطبعة مقدمة بيّن فيها أسباب استعارته للقب مصري فلاح في الطبعة الأولى؛ إذ أدعى أنه كان يسمع هذا التعبير من أفواه أبناء الطبقة الارستقراطية في مصر، وهؤلاء أغلبهم ليسوا من المصريين بل من أرومات أخر، وكان استعمال المصطلح عند هذه الطبقة يشير إلى معنى التحقير والازدراء لأبناء البلد الأصليين، في أنهم يفتقرون إلى الذوق ومعرفة الجمال، فأراد هيكل أن يصور لهم جمال الطبيعة المصرية ورفعة أخلاق أبنائها.
لكن بعض الدارسين يذهب إلى أن هيكل لم يذكر اسمه الصريح في الطبعة الأولى؛ لأنه خشي من مغبة ارتباط اسمه بفن القصة؛ ولاسيما أن الناس آنذاك كانت تنظر للقصة على أنها ترفيه وتسلية، وهو كان يعد نفسه ويدرس الحقوق في فرنسا ليكوّن شخصية مهمة في مهنة المحاماة وعلى المستوى السياسي أيضا، لكنه فيما بعد عندما رأى حسن استقبال الطبقة المثقفة في البلد للرواية، واهتمام النقاد بها، الذين جعلوها رائدة هذا الاتجاه، نسبها إلى اسمه الصريح، خصوصا أنه في النص يسخر-في أكثر من مرة - من أهل الريف وعاداتهم على لسان بطله حامد.
الرواية تحكي قصة الشاب المتعلم المثقف حامد، الذي يدرس في المدينة لكنه في العطل يرجع إلى القرية، التي يمتلك فيها والده مساحات شاسعة من الأراضي، يعمل فيها كثير من الفلاحين، ومنهم زينب التي تظهرها الرواية، فتاة جريئة صريحة تمتلئ حيوية ونشاطا، تتعلق أول الأمر بحامد الذي كان يتردد على العمال يجالسهم ويتحدث معهم، ثم تكتشف أن هذا الحب عبارة عن نزوى فتنصرف عنه إلى إبراهيم رئيس العمال الذي تعمل معه، فتحبه حبا حقيقيا ويبادله هو المشاعر ذاتها، غير أن إبراهيم يجند في الجيش الذاهب إلى السودان فتنقطع أخباره عن القرية وعن زينب، التي يضطرها أهلها للزواج من حسن زميلها في العمل، وهكذا تعيش زينب صراعا بين إخلاصها لزوجها ووفائها لحبيبها حتى تقع فريسة المرض وتموت، دون أن يعلم أحد بمأساتها.
وعندما يعلم حامد بموت زينب يهرب من القرية إلى مكان مجهول ثم بعد مدة يبدأ بمراسلة والده ويشرح له في هذه الرسائل أسباب اختفائه ويكشف عن رفضه للمجتمع القاسي، ولموقف هذا المجتمع من المرأة، ووجهة نظره في كثير من القضايا والأفكار الاجتماعية. وتنتهي الرواية هذه النهاية المفتوحة دون أن نعلم ما مصير حامد أو مصير إبراهيم.
منحت رواية زينب ريادة الرواية العربية لأسباب منها:
1- سبب تاريخي متعلق بالزمن الذي أنتج فيه النص، وإن لم تكن هي أقدم النصوص المنتجة في العصر الحديث.
2- سبب فني متمثل في حيازة هذه الرواية، على خصائص وسمات فنية ومكونات كما هو موجود في الرواية الغربية.
3- جو القصة والشخصيات والحدث وزمانها ومكانها، حققت درجة من الواقعية حاولت أن تجسد طبيعة الحياة الريفية المصرية، وأن الأحداث التي جرت في الحكاية قابلة للتصديق وأنها ممكنة الحدوث واقعا.
4- لغة النص لغة عصرية خلت من عيوب اللغة التقليدية كالسجع أو الصنعة اللفظية أو تصيد الغريب والتراكيب الفخمة.

مع هذا لم تخل الرواية من عيوب النشأة الأولى ومنها:
1- ضعف الحبكة فهي بسيطة وفيها نسبة افتعال ولاسيما في الجزء الأخير، عندما يختفي حامد ويبدأ بمراسلة والده .
2- ضعف بناء الشخصيات في قدرتها على تمثيل الشخصية المصرية في واقعيتها، ولاسيما فيما يتعلق بزينب إذ تصورها الرواية فتاة متحررة، تقيم العلاقات العاطفية مع الرجال دون رقابة أو سلطة.
3- الإسراف في الوصف المكاني للطبيعة المصرية، وكثيرا ما يتحول الوصف إلى استطراد لا علاقة له باللحظة الشعورية للشخصية أو ببناء الحدث، وإنما يمثل أعجاب الكاتب بالبيئة المصرية وأجواء ريفها الخلابة.
4- ظهرت أراء الكاتب وأفكاره في النص بصورة فجة وبعيدة عن الأحداث، ولاسيما في الجزء الخاص بالمراسلات فهو ترك الحكاية ليتحول إلى خطيب بأفكاره حول المجتمع والمرأة وفيه سنجد هيكل السياسي والكاتب المتأثر بقاسم أمين وأفكاره الاجتماعية.
5- الكاتب وزع لغة الرواية بين الفصحى لغة الراوي، والعامية لغة الحوار، وهو من الأوائل الذين أدخلوا العامية إلى النص الأدبي وسيفتح بابا لم يغلق إلى يومنا هذا.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
download lecture file topic