انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 3
أستاذ المادة كاظم جاسم منصور العزاوي
12/03/2019 13:35:11
المحاضرة الثالثة: القدم والحداثة وقف الجاحظ عند قضية الشعر القديم والشعر المحدث، فكان توفيقيا في موقفه، فهو لا يعتقد بتفضيل قديم على محدث ولا محدث على قديم، فيقول: ( وقد رأيت أناسا يبهرجون أشعار المولدين ويستسقطون من رواها، ولم أر ذلك قط إلا في راوية للشعر غير بصير بجوهر ما يروي، ولو كان له بصر لعرف موضع الجيد ممن كان، وفي أي زمان). فهو بقوله هذا لا يفضل القديم على المحدث ويعيب على من يفضل القديم ويصفه بعدم المعرفة بالشعر. والجاحظ يتحدث عن شعر أبي نواس فيقول: (وإن تأملت شعره فضّلته إلا أن تعترض عليك فيه العصبية أو ترى أن أهل البدو أبدا أشعر وأن المولدين لا يقاربونهم في شيء. وذهب الى أبعد من ذلك حين فضل قصيدة لـبي نواس على قصيدة للمهلهل. اللفظ والمعنى: يعد الجاحظ أول من تطرق الى قضية اللفظ والمعنى في الفكر النقدي عند العرب، حتى أخذها عنه المتكلمون، فكانوا بين مؤيد له ومعارض يذهب الى عكس ما ذهب اليه. لقد نظر الجاحظ الى اللفظ والإبداع في الصياغة فجعل لهما الشان الأول في تقدير القيمة الفنية للعمل الأدبي. فالجاحظ ينظر الى الأدب بمقدار ما اشتمل على آثار الصنعة في جودة التشبيه وحسن الاستعارة وابتكار الصور التي تميز صاحبها على غيره من الأدباء، فيقر له النقاد بالتفوق والتفرد. ويستشف ذلك من قوله: (المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي، إنما يقع الشعر على إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك). فالمعاني قدر مشترك بين الناس جميعا، وإنما الفضل في كيفية التعبير عن تلك المعاني بأشكال مختلفة. ولهذا انحاز الجاحظ الى الوزن واللفظ وما يتعلق به، هو انحياز الى جانب الشكل على حساب المضمون. ولهذا كان الجاحظ يعنى كثيرا بصياغة الشعر، بادئا بالألفاظ ، فهي تارة جزلة رصينة ، وتارة عذبة رشيقة، ولكل لفظة موضعها من الكلام ومن المعنى الذي تؤديه، فيقول: (لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا وساقطا وسوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا، فإن الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقي رطانة السوقي)، ولذلك يريد الجاحظ أن يكون أسلوب المتكلم وسطا بين لغة العامة ولغة الخاصة، وأن تعبر الألفاظ عن المعاني، فبقول: ( أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره ومعناه في ظاهر لفظه...وإذا كان المعنى شريفا واللفظ بليغا صنع في القلوب صنع الغيث في التربة الكريمة). وقد أكد الجاحظ انحيازه الى الشكل فذهب الى أن الشعر لا يترجم ( ومتى حوّل تقطع نظمه وبطل وزنه وذهب حسنه وسقط موضع التعجب)، وعدم ترجمة الشعر هي سرّ من أسرار الشكل. ولكن ألم يناقض الجاحظ موقفه هذا، فيعطي قيمة للمعنى على حساب الشكل؟ نعم ناقض الجاحظ نفسه حين قال بأن هناك معان لا تسرق كوصف عنترة للذباب، (فإنه وصفه فأجاد صفته فتحامى معناه جميع الشعراء فلم يعرض له أحد منهم، قال عنترة: جادت عــليه كــل عـــين ثـــــــرة فـتـركن كـل حـديـقة كـالـدرهـم فترى الذباب بها يغني وحده هزجا كفعل الشارب المترنم غردا يحك ذراعه بذراعه فعل المكب على الزناد الأجذم فقوله لا يسرق دليل على أن قيمة الأبيات في مضمونها وليس شكلها، أي أن المعنى مقدم على اللفظ. ما الأسباب التي جعلت الجاحظ ينحاز الى اللفظ على حساب المعنى أو الى الشكل على حساب المضمون المضمون؟ 1- لم يتابع الجاحظ أستاذه النظّام في قوله بالصرفة تفسيرا للإعجاز في القرآن الكريم، وإنما وجد أن سر الإعجاز يكمن في النظم، أي الشكل. 2- لم يشغل الجاحظ نفسه في الحملة التي قام بها النقاد المعاصرون له ضد سرقة المعاني بين الشعراء، لأن المعاني قدر مشترك بين الناس جميعا. 3- وسبب ثالث يتعلق بالجاحظ نفسه، فقد كان خصب القريحة لا يعييه الموضوع ولا يثقل عليه المحتوى أيا كان نوعه، ولذا فإنه كان يحس أن المعنى موجود في كل مكان، وما على الأديب إلا أن يتناوله ويصوغه صياغة متفردة. السرقات الشعرية وقضية الانتحال: لم يشغل الجاحظ نفسه بقضية السرقات الشعرية، لذلك يقول: ( وعلى الرغم من حداثة الشعر، فإن الشعراء قلدوا بعضهم بعضا حتى إنه لا نجد معنى غريبا أو شريفا أو بديعا أتى به أحد الشعراء، إلا وتعاوره الشعراء الذين بعده أو معه. فإما ان يسرقوا المعنى واللفظ معا ويدّعوه، وإما أن يسرقوا المعنى وبعض اللفظ، وإما أن يكتفوا بالمعنى فقط ويعتبرون أنفسهم شركاء فيه مع صاحبه الأول، لأن المعاني مشاعة بين الناس لا يملكها أحد)، ولعل عدم احتفاله بالسرقات الشعرية كان من بين الأسباب التي جعلته يميل الى الشكل على حساب المضمون كما مرّ بنا. أما قضية الانتحال فهي موضوع خطير أحدث ضجة في النقد، وقد تناولها الجاحظ وذكر أسبابا دعت إليها: 1- رغبة الشعراء في أن يشقوا لهم طريقا بين الشعراء المشهورين فينسب أشعاره الى بعض كبار الشعراء السابقين عليه أو المعاصرين له، فإذا واتاه الحظ صحح النسبة لنفسه. 2- العصبية بأنواعها: المذهبية والشعوبية والقبلية والمفاخرة . وقد أكمل الجاحظ ما بدأه ابن سلام في التمييز بين الصحيح والمنحول من الشعر، فيستخدم شهادة الرواة سبيلا لذلك التمييز. ويتخذ من تفاوت الشعر وسيلة يثبت بها الانتحال مثلما فعل ابن سلام. ويروي الجاحظ بيتا منسوبا لأوس بن حجر: فانقضّ كالدريّ يتبعه نقع يثور تخاله طنبا فيقول معلقا: وهذا الشعر ليس يرويه لأوس إلا من لا يفصل بين شعر أوس بن حجر وشريح بن أوس. وروى قول الأفوه الأودي: كشهاب القذف يرميكم به فارس في كفه للحرب نار فيقول معلقا: من أين علم الأفوه أن الشهب التي يراها إنما هي قذف ورجم وهو جاهلي، ولم يدع هذا أحد قط إلا المسلمون.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|