انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 1
أستاذ المادة مهدي طه مكي السعيدي
11/10/2018 12:46:07
خصائص الفلسفة الإسلامية عالجت الفلسفة الإسلامية المشاكل التقليدية الكبرى، وهي مشكلة الإله، والعالم، والإنسان، وفصّلت القول فيها، متأثرة أولاً ببيئتها والظروف المحيطة بها، ومستعينة ثانياً بما وصل إليها من دراسات فلسفية سابقة، شرقية كانت أو غربية. وانتهت إلى طائفة من الآراء التي إن اختلفت في بعض التفاصيل باختلاف رجالها، فإنها تلتقي في مذهب شامل ونظريات مشتركة . وتمتاز بوجه عام بالمميزات الآتية: 1- فلسفة دينيــة وروحية: تقوم الفلسفة الإسلامية على أساس من الدين، وتعول على الروح تعويلاً كبيراً. هي فلسفة دينية لأنها نشأت في قلب الإسلام، وتربى رجالها على تعاليمها، واشربوا بروحه، وعاشوا في جوّه. وهي إنما جاءت امتداداً لأبحاث دينية ودراسات كلامية سابقة. ومن الخطأ أن يظن أن الفكر الفلسفي الإسلامي لم يولد إلا في القرن الثالث للهجرة على أيدي الكندي فيلسوف العرب (865)، بل سبقه في مدرسة المعتزلة مكفرون آخرون ذوو مذاهب فلسفية مكتملة، أمثال النظام (845) وأبي الهذيل العلاّف(849) ، والدراسات الكلامية في صميمها باب من أبواب الفلسفة، والكندي نفسه يمكن أن يعدّ بين جامعة المعتزلة، وكثراً ما يحاول فلاسفة الإسلام بوجه عام- شأن المفكرين الإسلاميين الآخرين- أن يدعموا آراءهم بأسانيد من الكتاب والسنّة. والفلسفة الإسلامية دينية في موضوعاتها، تبدأ بالواحد ، وتحلل فكرة الإلوهية تحليلاً شاملاً دقيقاً لم تسبق إليه. وكأنما كانت تباري المدارس الكلامية المعاصرة من معتزلة وأشاعرة، فتتدارك نقصها، ومع في تصوير البارئ جل شأنه تصويراً أساسه التجريد والتنزيه، والوحدة المطلقة والكمال التام، وعن الواحد صدر كل شيء، فهو المبدع والخالق، أبدع من لا شيء، وخلف العالم في الأزل، ونظمه وسيرّه، فالعالم معلول له في وجوده وبقائه، أبدعه بمحض فضله، ووعاه بعنايته، وأخضعه لقوانين ثابتة ونظم محكمة. وعلى هذا فالطبيعة والكسمولوجيا مرتبطتان في الفلسفة الإسلامية ارتباطاً وثيقاً بالمتافزيقا. ولا يخرج علم النفس والخلاق عن ذلك كثيراً، فالنفوس البشرية، مهما اختلف فلاسفة الإسلام في حقيقتها وخلودها، يسلمون جميعاً بأن فيها شيئاً نورانياً وإلهياً. فهي لا تستطيع الكشف عن الحقائق الكلية إلا بمدد ساوي وفيض علوي، وبعبارة أخرى إلا بمعونة العقل الفعَّال إن شئنا أن نستعمل لغة الفارابي (950) وابن سينا(1037). وكمالها في أن تسمو عن طريق النظر والتأمل إلى مرتبة الاتصال بالعالم العلوي، ويسلم فلاسفة الإسلام جميعاً، بين مشارقه ومغاربه، بهذا الاتصال، حتى ابن رشد ( 1198) الذي يبدو عليه أنه يربط النفس بالجسم برابط أوثقن على نحو ما صنع أرسطو. وللفضائل قيم ذاتية، والحلال بين، والحرام بين، وفي وسع العقل البشري أن يكشف عن ذلك، ولكن الوحي يدعم العقل ويؤيده. وما من فلسفة دينية إلا وللروح فيها نصيب ملحوظ، والأديان تخاطب عادة قبل أن تخاطب العقول. ويرى فلاسفة الإسلام أن الروح مصدر الحياة والحركة والإدراك. وسيلة البهجة والسعادة. ففي الكائنات الحية نفوس تغذيها وتحركها ، وتُعد بعضها بالعلم والمعرفة، فهناك نفوس نباتية، وأخرى حيوانية، وثالثة إنسانية، ولكل فلك من الأفلاك السماوية نفس خاصة به. مملوءة شوقاً ورغبةً في الكمال ، فتتحرك وتحرك فلكها، ورئيس المدنية الفاضلة أو الجمهورية المثلى بشر سمت نفسه وتخلصت من شوائب البدن، وأضحى نبيًّا فيلسوفاً يسوس الناس بالحكمة، ويدير شؤونهم بالعدل والقسطاس فعالم السماء وعالم الأرض محكومان عند فلاسفة الإسلام بالنفوس الفاضلة ونزعتهم الروحية أوضح من أن نطيل الحديث فيها. بهذا الطابع الديني والروحي استطاعت الفلسفة الإسلامية أن تقترب من الفلسفة المدرسية، بل وأن تتلاقى مع بعض الفلسفات الحديثة والمعاصرة. وما كان لرجال الدين في القرون الوسطى أن ينكروا فلسفة تقول بالخلق والإبداع، وتبرهن على خلود الروح، وتؤمن بالجزاء والمسؤولية والبعث والسعادة الأخروية. ولقد وصل الأمر بروجر بيكون (1294) أنه كان معجباً (( بنظرية الخلافة والإمامة الإسلامية )) ، على نحو ما شرحها ابن سينا في كتاب الشفاء، إلى حد أنه شاء أن يطلق على البابا لقب ((خليفة الله في أرضه)).
2- فلسفة عقلية: وبرغم هذا الطابع الديني والروحي تعتدّ الفلسفة الإسلامية، بالعقل اعتداداً كبيراً، وتعوّل عليه التعويل كله في تفسير مشكلة الإلوهية، والكون، والإنسان . فواجب الوجود عقل محض، بعقل ذاته بذاته، فهو عاقل ومعقول في آن واحد. وعنه صدر العقل الأول ، فهو أول شيء خلقه الله وفي سلسلة متلاحقة صدرت العقول الأخرى التي تدير شؤون السماء، فيما عدا العقل العاشر، أو العقل الفعّال، الذي يرعى شؤون الأرض. وليس بغريب أن تكون شؤون السماء أنظم وأحكم، لأن العقول المفارقة والنفوس الفلكية هي التي تشرف عليها. ولعالم السموات قداسة عرفها اليونان من قديم، وأيدتها الأديان السماوية. وعن العقل العاشر صدر عالم الكمون والفساد، فمنه استمدت العناصر الأولية، التي نشأ عنها المعدن ، والنبات ، والحيوان ، ثم الإنسان الذي هو أشرف الكائنات. والعقل البشري قوة من قوى النفس ويسمى النفس الناطقة. وهو ضربان : عملي يسوس البدن، وينظم السلوك، ونظرى يختص بالإدراك والمعرفة. فهو الذي يتقبل المدركات الحسية، ويستخلص منها المعاني الكلية بعون من العقل الفعّال، الذي هو من نفوسنا بمثابة الشمس من أبصارنا، وفي وسع العقل البشري أن يسمو إلى مرتبة يستطيع أن يتصل فيها مباشرة بالعقول المفارقة، فتنكشف له المعقولات دفعة. ويخلص إلى عالم القدس واللذّة العليا، وهذه هي السعادة التي ليست وراءها سعادة. بالعقل نعلّل ونبرهن، وبه نكتشف الحقائق العلمية فهو باب هام من أبواب المعرفة، وليست المعارف كلها منزلة، بل منها ما يستنبطه العقل ويستخلصه من التجربة. وفي منطق أرسطو ما يرسم طرائق الحدّ والبرهان، وقيمة البرهان فيما يعتمد عليه من مقدمات يقينية يقرها العقل ويسلم بها جميع الناس. وكم أعجب فلاسفة الإسلام بهذا المنطق وعنوا بشرحه وتلخيصه، وسموا صاحبه (( المعلم الأول)) لأنه بحق ((المنطقي الأول)). أفادوا من منطقته كثيراً في درسهم وبحثهم وطبقوه في جدلهم ومناقشاتهم ، واستعانوا به في إثبات كثير من القضايا الدينية على نحو ما صنع المعتزلة والأشاعرة. وقد عرف من الأشعري (935)، زعيم أهل السنة، أنه كثيراً ما لجأ إلى القياس الأرسطي في برهنته الدينية. والواقع أن فلاسفة الإسلام بنزعتهم العقلية يلتقون بوجه خاص مع المعتزلة الذين سبقوهم إلى تعظيم العقل والنزول عند حكمه، وقد سموا ((مفكري الإسلام الأحرار)) . حكموا العقل في أمور كثيرة، فاتفقوا على أن الإنسان قادر بعقله على التمييز بين حسن الأشياء وقبحها، وعلى التفرقة بين الخير والشر قبل ورود الشرع، وقالوا بالصلاح والأصلح ، فلا يخلو فعل من أفعاله تعالى من الخير والصلاح. وقرروا حرية الإرادة وقدرة العبد على خلق أفعاله، كي يكون للثواب والعقاب معنى. وتأولوا النصوص الدينية التي لا تتمشى مع العقل، ولا يقرها المنطق. وأتوا بحجج عقلية بارعة في دفاعهم عن الدين وردهم على خصومه، ولهم في ذلك مجالس ومناظرات كانت مضرب المثل. وبالجملة يعد المعتزلة في مقدمة العقليين في الإسلام. وهم أقرب الفرق الإسلامية إلى الفلاسفة. ويقترب منهم في هذا أيضاً جماعة الإسماعيلية وبعض المتصوفين الفلاسفة ، أمثال السهروردي المقتول(1191)، وابن عربي(1240) ، وابن سبعين(1270). واستطاع هؤلاء جميعاً أن يبرزوا التيار العقلي في الإسلام، وان يدعموه ويؤيدوه، ووجدوا في الكتاب والسنة ما يتمشى معه ويغذيه. وقد انتقل هذا التيار إلى الفلسفة المسيحية وكان فلاسفة الإسلام بوجه خاص حملة رايته وأثاروا في القرن الثالث عشر حركة فكرية قوية، فأيدهم بعض المدرسين وعارضهم آخرين. ونمت الدراسات العقلية نمواً كبيراً، وكانت الدراسات الفلسفية في القرون السابقة أقوى وأغلب . ويوم ان يتقابل العقل والنقل تقابلاً واضحاً في بيئة دينية، تثار الخصومة بينهما، وتمس الحاجة إلى تغليب احدهما على الآخر أو التوفيق بينهما. ويمتاز القرن الثالث عشر بكثرة ما صدر فيه من قرارات كنسية تحرم كتباً فلسفية أو دراسات عقلية بعينها، وإن لم تمنع عشّاق هذه الدراسات من التعلّق بها. ولا نزاع في أن ازدياد سلطان العقل يعدو على نفوذ الكنيسة ، ويفسح السبيل لبحث حقوقها وواجباتها، وأمر آخر يمكن لاحظته ، وهو أن مشكلة التوفيق بين الفلسفة والدين لم تثر من قبل في الفلسفة المسيحية مثلما أثيرت في القرن الثالث عشر على أثر اتصال اللاتينيين بالفلسفة العربية. 3- فلسفة توفيقيــة: توفق بين الفلاسفة بعضهم وبعض، وقد عرف العرب شيئاً من الفلسفات الشرقية القديمة، كما عرفوا شيئاً عن السابقين لسقراط، والسفسطائيين ، والسقراطيين، وأنصاف السقراطيين، والرواقيين والأبيقوريين، وجماعة الشكاك ، ورجال مدرسة الإسكندرية. ولكنهم عنوا خاصة بأفلاطون وأرسطو، فترجموا للأول أهم محاوراته ، وهي : الجمهورية ، والنواميس ، وطيماوس، والسوفسطائي، والسياسي، وفيدون، واحتجاج سقراط. وترجموا للثاني مصنفات الكهولة كلها تقريباً، من منطقية وطبيعية وميتافزقية ، وأخلاقية ، وكانت الخطابة والشعر، وهما كتابان فنيان ، يعدّان عندهم بين الكتب المنطقية. ولم يفتهم إلا كتبه السياسية، وقد احلوا محلها جمهورية أفلاطون، وبعض كتبه الأخلاقية . وأضافوا إل هذا مؤلفات منحولة ليست من عمل أرسطو، مثل السماء والعالم ، وكتاب الربوبية، ولم يقنعوا بترجمة الكتب الأرسطية وحدها، بل حرصوا ما استطاعوا على أن يترجموا معها شروحاً ، وكانت لهذه الشروح شأن كبير في نظرهم، وعرفوا من الشرائح تاوفرسطس(287ق.م) خليفة أرسطو الأول، والإسكندر الأفروديسي(211) الذي كان يسميه ابن سينا ((فاضل المتأخرين)). وعرفوا من شراح مدرسة الإسكندرية عدداً غير قليل، أمثال : أمونيوس سكاس(أوائل القرن الخامس) ، ويحيى النحوي ( 643). وربما كان هؤلاء أعظم أثراً من المشّائين الأول، لأنهم كانوا إلى العرب أقرب، وفي نظريتهم الدينية ما يلائم بين فلسفتهم والفكر الإسلامي ، وهم على كل حال مصدر هام من مصادر الأفلاطونية والافلوطينية في العالم العربي . فعرف العرب إذن أفلاطون وأرسطو معرفة مباشرة، عن طريق مؤلفاتهما، إلى جانب ما نقله عنهما المؤرخون، أمثال فلوطوخس(125) وجالينوس(200)، وما نقله عنهما حنين بن إسحق (877) في كتابه نوادر الفلاسفة والحكماء. وقد أثر تأثيراً كبيراً في كثير من المدارس الإسلامية وحولهما بوجه خاص دار التوفيق بين الفلاسفة. وللفارابي في هذا موقف واضح، فهو يؤمن بوحدة الفلسفة، وأن كبار الفلاسفة يجب أن يتفقوا فيما بينهم، ما دامت الحقيقة هدفهم جميعً. ولا شك في أن أفلاطون وأرسطو هما زعيما الفلسفة، وضعا أصولها، وفضلا القول فيها، وبلغا بها الغاية، ولا سبيل لأن يتصور خلاف بينهما. ولا يمكن أن ننتظر نجاح محاولة أساها خاطئ، فالأفلاطونية شيء والأرسطية شيء آخر. ولكن لهذه المحاولة شأناً كبيراً في تاريخ الفلسفة الإسلامية، فهي نقطة بدء سار عليها الفلاسفة اللاحقون. ونلاحظ أن ابن سينا لم يعن بالتفرقة بين أفلاطون وأرسطو، وفي فلسفته جانب أفلاطوني واضح.. ونلمح لدى ابن باجّة(1138) وابن طفيل(1185) ، اتجاهات أفلاطونية وأفلوطينية قوية، وإذا كان ابن رشد قد اخذ على عاتقه العودة إلى أرسطو وتخليص أرسطية مما لحق بها من عناصر أجنبية، فإنه لمن سليم هو نفسه من هذه العناصر، وبدت فلسفته في جملتها استمراراً للفلسفة التي قال بها الفارابي وابن سينا. وعلى هذا تربط الفلسفة الإسلامية الأفلاطونية بالأرسطية، وتوفق بينهما وتنسقهما وتضيف إليهما أموراً أخرى، وبذا أصبحت هي نفسها مذهباً جديداً ذا شخصية مستقلة. إذ كان التوفيق بين أفلاطون وأرسطو يعد أساساً من الأسس التي قامت عليها الفلسفة الإسلامية، فإن أساسها الثاني هو التوفيق بينها وبين الدين. وقد سبق لنا أن أشرنا إلى أنها فلسفة ذات طابع ديني واضح. حاولت في جد التوفيق بين النقل والعقل. ونستطيع أن نقرر أن فلاسفة الإسلام دون استثناء شغلوا بهذا التوفيق، من الكندي إلى ابن رشد، وبذلوا فيه جهوداً ملحوظة، وأدلوا بآراء لا تخلو من جدة وطرافة. وكان لمجهودهم أثر في انتشار الفلسفة، ونفوذها إلى صميم الدراسات الإسلامية الأخرى. والتوفيق تقريب بين جانبين، وجمع بين طرفين،وفي الفلسفة نواح لا تتفق مع الدين، وفي بعض النصوص الدينية ما قد لا يتمشى مع وجهة النظر الفلسفية، لذلك عني فلاسفة الإسلام بأن يصبغوا الفلسفة بصبغة دينية، وأن يسكوا بعض التعاليم الدينية بكساء فلسفي ويكاد يدور توفيقهم حول هذين البابين. ولاشك في أن التوفيق الذي حاوله الفلاسفة المسلمون يعد وشيجة من وشائج القربى بين الفلسفة العربية والفلسفية واللاتينية. ففي أخذ العرب عن أفلاطون ما قربهم من الأوغسطينيين ورجال المدرسة الفرنسسكانية بوجه خاص، وقد رأى هؤلاء في بعض النظريات الإسلامية ما يتلاقى مع آراء ألقوها منت قبل، فاستساغوها واطمأنوا إليها. وفي تعلق فلاسفة الإسلام بأرسطو ما وجه إليه أنظار المسيحيين، وحملهم على ترجمة كتبه، ودفع كثيرين من رجال القرن الثالث عشر إلى درسه والتعليق عليه وبخاصة القديس توما الأكويني (1274)، الذي يعتبر في هذه الناحية بين اللاتينيين بمثابة ابن رشد بين العرب. وإذا كان المسيحيون في القرون الوسطى قد حرصوا الحرص حله على التفرقة بين الفلسفة والدين، فإن فلسفتم في أساسها دينية، ولم يترددوا في أن يستعينوا بالعقل والمنطق على إثبات كثير من القضايا اللاهوتية، ويرى ألبير الكبير (1280) أن التعاون بين الفلسفة واللاهوت ممكن ونافع، وأن العقل والنقل لا يتعارضان، وإن كان للنقل أمور خاصة به، وتلميذه القديس توما الأكويني في آن واحد شيخ الفلاسفة وشيخ اللاهوتيين في القرن الثالث عشر، وقد سار على نهج أستاذه في التوفيق بين الفلسفة والدين، فهو يرى أن كثيراً من الحقائق النقلية يزداد وضوحاً بالأدلة العقلية، وليس بلازم أبداً أن يكون كل ما فوق الطبيعة مخالفاً للعقل. 4- فلسفة وثيقـة الصلة بالعلـم: وأخيراً الفلسفة الإسلامية وثيقة الصلة بالعلم تغذيه ويغذيها، وتأخذ عنه ويأخذ عنها، ففي الدراسات الفلسفية علم وقضايا علمية كثيرة، وفي البحوث العلمية مبادئ ونظريات فلسفية والواقع أن فلاسفة الإسلام كانوا يعتبرون العلوم العقلية جزءاً من الفلسفة ، وفد عالجوا مسائل في الطبيعة كما عالجوا مسائل في الميتافزقيا. ومن أوضح الأمثلة على ذلك كتاب الشفاء، أكبر موسوعة فلسفية عربية، فإنه يشتمل على أربعة أقسام: ينصب أولها على المنطق والثاني على الطبيعيات، والثالث على الرياضيات، والرابع على الإلهيات. وفي قسم الطبيعيات يدرس ابن سينا علم النفس، والحيوان، والنبات، والجيولوجيا. وفي قسم الرياضيات يدرس الهندسة والحساب والفلك والموسيقى. وفلاسفة الإسلام علماء، ومن بينهم علماء مبرزون، فالكندي عالم قبل أن يكون فيلسوفاً، عني بالدراسات الرياضية والطبيعية، وكان يرى – كما رأى أفلاطون من قبل – أن الإنسان لا يكون فيلسوفاً قبل أن يدرس الرياضة. واجتهد في تطبيق الرياضيات في الفلك والطبيعة والطب، بل في الميتافزيقا حيث حاول أن يبرهن على وجود الله برهنة رياضية، وعوّل على التجربة، واستخدمها في بعض دراساته الكيميائية وكان في مقدمة الإسلاميين الذين أبطلوا دعوى صنع الذهب والفضة من غير معدنيهما، وعد في عصر النهضة واحداً من اثنى عشر قطباً من أقطاب الفكر في العالم. وللفارابي بحوث في الهندسة وعلم الحيل (الميكانيكي)، وهو دون نزاع أكبر موسيقي الإسلام، عرض الموسيقى في عدة كتب وخاصة في كتاب الموسيقى الكبير، وأدخل على الموسيقى اليونانية إضافات جديدة. وابن سينا حجة في الطب بقدر ما هو حجة في الفلسفة، تعلم الطب في سن مبكرة، وزاوله عملاً ولما يجاوز العشرين، وأحرز فيه شهرة فائقة، وتوسع فيه درساً وبحثاً، وكتابه القانون من أهم المؤلفات الطبية العربية، وقد بقى يتدارس في جامعات أوروبا إلى القرن السادس عشر، وفي بعض المعاهد الإسلامية إلى أوائل هذا القرن، ولم يخرج الأمر في الأندلس عن ذلك كثيراً، فقد كان فلاسفته الثلاثة الكبار: ابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد أطباء وإن تفاوتت رتبهم، وكتاب الكليات في الطل لابن رشد، الذي ترجم إلى اللاتينية في منتصف القرن الثالث عشر مثال جيد لعرض القضايا الكلية والمبادئ العامة. والواقع أن العلوم الطبيعية والرياضية وثيقة الصلة بالدراسات الفلسفية في الإسلام، ولا يمكن أن يفهم أحدهما بدون الآخر، ويوم أن ضعف البحث الفلسفي ضعفت معه الدراسات العلمية، وإذا كنا قد أشرنا إلى الفلاسفة العلماء، فإنا نستطيع أن نضيف إليهم العلماء الفلاسفة. ويمكن أن نذكر أن من بينهم محمد بن زكريا الرازي (320-932)ن وهو دون نزاع أكبر طبيب في الإسلام، بل في القرون الوسطى على الإطلاق، ويمتاز بالأصالة ودقة الملاحظة، واستطاع أن يكشف عن أمراض لم تكن معروفة من قبل، وكتابه الحاوي في مقدمة كتب الطب العربية، التي عول عليها اللاتين. وقد منح الكيمياء قسطاً كبيراً من عنايته، وهو في طبه وفلسفته واثق من نفسه كل الثقة، ينتقد جالينوس، ولا يتردد في أن يهاجم أرسطو، وأبو الحسن بن الهيثم (1039) من أعظم الرياضيين والطبيعيين في القرون الوسطى، انتهى في البصريات إلى آراء ونظريات أكبرها المدرسيون، وسبق بها علماء عصر النهضة والتاريخ الحديث، وشاء أن يطبق هندسته في مجرى النيل بمصر، وينظم الري، ويحول دون الفيضانات الطاغية، وأولع كذلك بالفلسفة، لأنها في رأيه أساس ينبغي أن تقوم عليه العلوم جميعها، وكان معجباً بأرسطو شأن المشائين العرب، فدرس كتبه وعلق عليها. ويمكن أن يلاحظ أن الحركات العلمية في الإسلام سبقت الدراسات الفلسفية، ولابد لنا أن نعيش قبل أن نتفلسف، ويوم استقر العرب في بلاد فارس ومصر، لفتت نظرهم حركات علمية في جنديسابور وحران والإسكندرية، فحاولوا أن يفيدوا منها، وشغلوا أولاً بما تقتضيه ظروف الحياة، وإنا لنرى خالد بن يزيد الأموي (704) يعنى في عهد مبكر بالكيمياء والطب والنجوم، ودعا في أثناء ولايته على مصر بعض المتخصصين لترجمة رسائل فيها عن اليونانية، أو القبطية، ويوم اتجه المنصور (775) نحو مدرسة جنديسابور، التي أسسها كسرى أنوشروان، إنما كان يبحث عن أطباء لا عن فلاسفة، وقد اهتدى إلى بني بخيشوع الذين كان لهم شأن في نشأة الدراسات الطبية العربية، وإسهام في حركة الترجمة الكبرى، وهذه الحركة مدينة بوجه خاص لرجال الصدر العباسي الأول، فقد جعلوا من بغداد مركزاً لحركة أكبر حركات الترجمة في التاريخ، والمترجمون أنفسهم رواد في ميدان البحث العلمي، فحنين ابن اسحق (877) شيخ المترجمين في الإسلام طبيب، وطبيب عيون بوجه خاص، وقد تخصص في ترجمة كتب أبقراط (370ق.م) وجالينوس (200)، وجمع منها اكبر عدد ممكن، وثابت بن قرة (901)رياضي مترجم، ويكاد يتخصص في ترجمة كتب إقليدس (285ق.م) وأرشميدس (212ق.م) وبطليموس (161)، ولم يكن غريباً أن يعنى الكندي، اول مشائي العرب، بالرياضية والفلك والكيمياء. كما بينا من قبل فقد عاصر هؤلاء المترجمين وعاش معهم. وقد أسهمت بعض الجماعات السياسية في الحركات العلمية الناشئة، وللشيعة بوجه عام والإسماعيلية بوجه خاص شأن في تاريخ العلم والفلسفة في الإسلام، ففي أخريات القرن الثامن الميلادي، ظهرت في الكوفة حركة علمية ترمي إلى البحث عن خصائص المعادن والنبات، وقد تزعمها جابر بن حيان الوفي (776) الذي يمت إلى الشيعة بنسب، ويعد ((أبو الكيمياء العربية)) وإليه تعزى مجموعة كبيرة من الرسائل ترجمت كلها إلى اللاتينية، وقد عمرت مدرسته من بعده، وعززت التجربة واستخدمت الأجهزة والآلات، وإخوان الصفا الذين ظهروا في النص الأخير من القرن العاشر جماعة سرية سياسية ولهم صلة بالإسماعيلية، وقد مزجوا العلم بالفلسفة، ورسائلهم نموذج من الثقافة العامة السائدة، وجملتها 51 رسالة، وتنقسم إلى أربعة أقسام: رياضيات، وطبيعيات، وعقليات، وإلهيات. عدا الرسالة الحادية والخمسين التي تسمى ((الجامعة))، وهي توضح هدفهم وتجمل ما ورد في الرسائل الأخرى. ولا نزاع في أن أرسطو قد غذّى الثقافة الإسلامية بعلمه، بقدر ما غذاها بمنطقه وفلسفته، وكان له ولوع كبير بعلم الأحياء إلى حد أنه أعد في ((اللوقيون)) متحفاً خاصاً لبقايا الحيوانات، ترجمت كتبه الطبيعية إلى العربية، وكانت مدداً للفلاسفة والعلماء على السواء، ولم يقف العرب عندما وضعه بنفسه، بل أضافوا إليه كتباً من صنع آخرين، مثل كتاب النبات (De plantis) الذي هو بيقين من تأليف تلميذه تاوفرسطس، وكتابه العالم (Du mondo) الذي يصعد في الغالب إلى بوزيد ونيوس (50) ، من أواخر رؤساء المدرسة المشائية، وفي تقسيم أرسطو المعروف للعلوم يضع الطبيعيات إلى جانب الرياضيات والإلهيات، فيربط العلم والفلسفة برباط وثيق تأثر به فلاسفة الإسلام وعلماؤه. وكان لهذا التآخي صداه في الفلسفة المسيحية في القرن الثالث عشر، يدرس العلم مع الفلسفة جنباً إلى جنب، ويغذيان بغذاء أرسطي عربي، ومن مفكري هذا القرن من يعد فيلسوفاً وعالماً على السواء، فألبير الكبير يدعو إلى دراسة العلم والفلسفة معاً، ويفسح لهما المجال في دراساته اللاهوتية، ويدفع البحث العلمي دفعة قوبة، ويعنى مثل كثير فلاسفة الإسلام بالفلك والجغرافيا، والحيوان والنبات، والكيمياء والطب. وصبغ روبير جروسيت (1253) الدراسات اللاهوتية في جامعة أكسفورد بصبغة علمية قوبة، ولعله هو الذي وجهها هذه الوجهة منذ البداية، وله آراء هامة في الفلك والطبيعة، والبصريات والسمعيات، وعلى نهجه سار تلميذاه روجر بيكون الذي كان معجباً بمفكري العرب، وحذا حذوهم في الأخذ بالملاحظة ودراسة الطبيعة ووضع دعائم المنهج التجريبي، وكتابه الهام (Opus MajuS) محاكاة لشفاء ابن سينا الذي كان يعرفه جد المعرفة، ففيه دراسات علمية متنوعة رياضية وطبيعية إلى جانب دراساته الفلسفية واللاهوتية.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|