انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 4
أستاذ المادة حسن غانم فضالة الجنابي
11/10/2018 12:11:21
المحاضرة الثامنة مستويات مفهوم حداثة الشعر عند شعراء المهجر 1. مفهوم الحداثة في المستوى اللغوي: وفي مجال حداثة لغة الشعر، طالب شعراء الرابطة بدعوتهم الحداثوية، بضرورة فسح المجال كثيراً للشعراء باستعمال اللغة المتدّاولة والابتعاد ما امكن عن اللغة الموروثة لاعتقادهم بانها لا تحتوي إلا على رموز قاموسية لا يؤدي الاعتماد عليها الى الوصول الى أدب عصري مُواكب للتطور الحياتي العام في الانسان وفيما حوله. وكان (امين الريحاني) من اوائل النقاد العرب الذين ثاروا على التقعر والتبجبل الذي اسبغ على اللغة الشعرية في اوائل القرن العشرين(3). فتمرد على اللغة القديمة، ونعى على الشعراء المعاصرين له تقليدهم الأعمى للصيغ القديمة، فقال: "ليس في العالم العربي، لا في العراق ولا في سورية، ولا في مصر، لغة للشعر جديدة بأجمعها أي بمبانيها ومعانيها، بأساليبها وفنونها، بأغراضها ومصادر وحيها. فإنك لا تجد بين الشعراء العراقيين او المصريين أو السوريين شاعر من طبقات الشعراء الأوروبيين في نطاقهم الرحيب، الاجتماعي والوجداني، والطبيعي والروحي"(4). فالريحاني بقوله هذا يطالب بالتجديد الشامل في عناصر البناء الفني جميعها، وابداع الشاعر عنده ليس بالنسج على منوال الاقدمين، وانما ابداعه قائم على تفرده باختياره اللغة العصرية المناسبة للمضمون العصري، وقد اشار (الريحاني) الى اللغة العصرية في الشعر فقال: "ومن التجديد أن يكون بياننا – وان خلا من السحر – قريباً من حياتنا الواقعية، له صلة نابضة بأحوالنا وعاداتنا ، وممثلا لروحنا الاجتماعية والوطنية"(1). والرغبة بمواكبة التقدم في الروح العام وفي التعبير عنه، واضحة جلية في هذه الآراء وأمثالها. إن دعوة (الريحاني) لتجديد اللغة لا تعني أنه يرفض اللغة القديمة بأجمعها أو يرفض بعض التعابير المألوفة، وانما "اهم ما في التجديد صحة النظر [...] لنرى الحياة وقد ازدادت أسباباً ولم تزدد سنين، فالاحاطة بها اذاً، تستوجب أسلوباً قوامه الجلاء والايجاز والصراحة"(2) والاسلوب الذي اشار اليه (الريحاني) هو اسلوب عصري يتناسب مع تطور الحياة، وهو اسلوب يعتمد على المعنى الداخلي اكثر من اعتماده على المعنى المتبادر الى الذهن ومن اللفظ نفسه فـ"قوة الشعر وسموّه لا بالمعنى الذي يظهر في الاحرف والكلام بل في المعاني الداخلية التي تشير اليها وتلمح عنها بعبارة وجيزة"(3). فالريحاني يضع المعنى الداخلي معياراً لحداثة اللغة الشعرية. وبذلك يكون مفهومه لحداثة اللغة مفهوماً واقعياً، يسير في ركب العصر الحديث، وحداثته اللغوية قرينة بحداثة (والت ويتمان) اللغوية، الذي جعل من لغة الشعر، لغة حرّة، ديمقراطية، تنصهر فيها لغة اميركة العامة "بثروة من المجاز وباستخدام منعش لالفاظ مألوفة وبتقديم متجدد لصيغ خطابية، أو رواية أو تجمع غير عادي الاصوات. فعدم التجانس في اللغة ينجم عنه نغمة مستهترة غير عابئة، فلغة الشاعر هي لغة انسان يخاطب رفيقه ونديمه"(4). وبهذا اصبح (ويتمان) المرجع الأكثر تأثيراً في حداثته الشعرية، وبعبارة أخرى اصبح استاذه الذي هداه الى التغيير في الشكل والمحتوى للقصيدة الحديثة. اما (جبران) فحداثته الحقيقة تأتي من باب لغته الخاصة التي انفصلت كثيراً عن لغة الاقدمين(5). واعلن (جبران) انفصاله عنها، بمقالته (لكم لغتكم ولي لغتي)(1)، التي جاء فيها: "لكم من اللغة العربية ما شئتم، ولي منها ما يوافق افكاري وعواطفي . لكم منها الالفاظ وترتيبها، ولي منها ما تومئ إليه الالفاظ ولا تلمسه، ويصبو اليه الترتيب ولا يبلغه. [...] لكم منها قواعدها الصارمة، وقوانينها اليابسة المحددة، ولي منها نغمة أحوّل رناتها ونبراتها وقراراتها إلى ما تشبه رنة في الفكر ونبرة في الميل وقراراً في الحاسة. [...] لكم منها ما قاله سيبويه وأبو الأسود وابن عقيل ومن جاء قبلهم وبعدهم من المضجرين المملين، ولي منها ما تقوله الأم لطفلها، والمحب لرفيقته، والمتعبد لسكينة ليله. لكم منها الفصيح دون الركيك والبليغ دون المبتذل ولي منها ما يتمتمه المستوحش وكله فصيح، وما يغص به المتوجع وكله بليغ وما يلثغ به المأخوذ وكله فصيح وبليغ"(2). فجبران ضاق بلغة قومه، متمرداً على قواعدها التي تعبد لها الأدباء والشعراء منذ اجيال ، وخاصة اذا عرفنا انه "مأخوذ بهاجس التجديد والتفرد، هاجس ان يبتدع اعظم اثر عربي في وقته"(3). وبذلك أبى اللجوء الى قواعدها الصارمة، والى الاساليب البيانية العربية القديمة. ولغة الأمة هذه هي رهن خيال الشاعر، والوسيلة الوحيدة هي الشاعر نفسه. يقول (جبران): "إن خير الوسائل بل الوسيلة الوحيدة لإحياء اللغة هي في قلب الشاعر وعلى شفتيه وبين أصابعة، فالشاعر هو الوسيط بين قوة الابتكار والبشر، وهو السلك الذي ينقل ما يحدثه عالم النفس إلى عالم البحث، وما يقرره عالم الفكر الى عالم الحفظ والتدوين. الشاعر ابو اللغة وأمها. [...] والمقلد ناسج كفنها وحافر قبرها"(2). ومن هنا يتمثل الابداع بصورته العليا، في الشاعر، لانه حارس اللغة وحاضنها(3). فالشاعر خالق اللغة من خلال نظرته المتقدمة. ومستقبل اللغة العربية وتقدمها موكل الى عبقرية الشاعر. ثم اختار اللغة الانكليزية لكتابة مؤلفاته، وكان ذلك منذ عام 1920 حتى وفاته 1931(4). وهو يرى انه احدث حداثة تقدمية في لغة النثر والشعر، فيقول: "إن لي أسلوبي الخاص، باللغة الانكليزية. لكني لن اتمكن قط من تغيير اللغة الانكليزية بالشكل الذي غيرت به اللغة العربية. ففي العربية خلقت لغة جديدة داخل لغة قديمة كانت قد وصلت حداً بالغاً من الكمال. لم ابتدع مفردات جديدة بالطبع، بل تعابير جديدة واستعمالات جديدة لعناصر اللغة"(5) . والباحث يرى ان (جبران) محق في قوله، لأنه استطاع ان يخلق اسلوباً جديداً، جبرانياً، في اللغة، وهو اسلوب الرمز الشفاف، الذي يعطي للناس اسرار الكون كما وعاها في ضميره، كما ابتدع اسلوب النثر الشعري في العربية وهو اسلوب اكثر تقدماً من اسلوب النثر التقريري، ولعله تأثر باسلوب (نيتشه) الالماني في (هكذا تكلم زرادشت)(6).
واعلن (نعيمة) تمرده على اللغة القديمة، وعلى وجه التحديد في مقالته (نقيق الضفادع)(6)، التي صب فيها غضبه على ضفادع الادب الذين يكثرون من الوقوقة حفاظاً على قواعد اللغة القديمة. فهو يرى ان "الانسان أوجد اللغة ولم توجد اللغة الانسان. فهي تحيا به لا هو بها، وتتغير بتغيّر أطواره ولا يتغير بتغير أطوارها. هي آلة في يده وليس هو آلة في يدها. أما ضفادع الأدب فيعكسون هذه الآية ويجعلون الأديب، أو ما يدعونه اديباً، آلة في يد اللغة يتكيف بها ولا يكيفها"(1) فنعيمة يعرض الصراع بين المجددين والمحافظين الذين يطلقُ عليهم (الضفادع)، والذين يحولون بين اللغة والنمو، ويجعلون من الكتابة أداة بيد اللغة. ومشكلتهم هي أن الحياة تتقدم وتتطور وهم باقون في دور الجمود والتقليد، واللغة التي يقدسها هؤلاء الضفادع ماهي إلا رموز لا قيمة لها في حد ذاتها(2)، وتأتي اهميتها من باب انها اداة الأدب، وهي الوسيلة التي بوساطتها نصور الافكار والعواطف البشرية(3). وحاول (نعيمة) ان يجمل رأيه في تطور اللغة وتقدمها في الأدب، برأي قال فيه: "والأدب في دنيا العرب ما بلغ بعد أشدّه، ولن يبلغه حتى تكون لنا امور ثلاثة: 1. لغة سلسة القياد. 2. امة لا تعاني، في جملة ما تعاني، مركب النقص. 3. حرية الكلمة"(3). ويعلق (نعيمة) بعد ذلك على حرية الكلمة التي نعاني منها نحن العرب، فيقول: "وما الذي تخشاه أي عقيدة من حرية الكلمة؟ ان تكن تلك العقيدة من مصدر فوق الانسان فلن تقوى عليها كلمة الانسان. وان تكن من الانسان ، فللإنسان الحق ان يتناولها بالشك والتجريح، والدرس والتحليل ليكيفها بحسب ما يقتضيه تطوره من حالٍ الى حال"(4)، وهذا التكيف اسلوب فني في تحقيق المواكبة المطلوبة للتطور، وتلك السلاسة في قيادة اللغة هي بداية التعبير الفني عن ذلك.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|