انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 4
أستاذ المادة حسن غانم فضالة الجنابي
11/10/2018 12:04:43
المحاضرة الرابعة مستويات مفهوم حداثة الشعر عند جماعة الديوان 1. مفهوم الحداثة في المستوى اللغوي: تظهر (بصمة الذات) في مستوى اللغة ايضاً عند جماعة الديوان. فبتأثير من مدرسة (بيرون) و(وردزورث) الادبية التي كانت تدعو إلى بساطة التعبير وتجنب الزخرف والالفاظ الفخمة والطنانة(5)، اذ "كانت ثورة وردزورث عنيفة ضد التأنق في اللفظ الشعري، وكان يدعو للعودة إلى لغة الانسان العادي"(6)، تمرد رواد مدرسة الديوان على ما سمي في النقد العربي القديم والحديث بالقاموس الشعري، فدعوا إلى تحرير اللغة الشعرية من عبودية القوالب الجاهزة، وإلى ان يعبر الشاعر عن مضمونه الجديد بلغة لها القدرة على التحليل والتركيب، واصطناع نوع من الدماثة اللغوية التي تقرب الشعر من حركة العصر والمعاناة وتأمل الفكر وإشعاع الوجدان(7). فـ(العقاد) في مقدمة للغربال يرى ان للشاعر الحق في ان يتصرف في اللغة على ان يراعي القواعد التي يشترك فيها جميع الكتّاب، فلا يخشى ان يضيف إلى اللغة شيئاً او يعدل او يتصرف تصرفاً مفيداً(1)، ويرى ايضاً ان اللغة يجب ألا تنحصر بكلمات معينة ذات قيمة شعرية، كما يجب ألا يكون التعبير عن الافكار بطرائق غامضةٍ أو تشبيهات متكلفة، وصور مفتعلة ، مقحمة إقحاماً(2)، لان اللغة الشاعرة عنده "هي التي تجعل السامع العربي يفهم المعنى المقصود على الأثر"(3). وبسبب من كون مدرسة (بيرون) و(وردزورث) الادبية مثالاً للعقاد(4)، وبتأثير منها أخرج (العقاد) ديوان (عابر سبيل) جاعلاً فيه البساطة والأمور العادية التي لم يكن ينظم فيها الشعراء من قبل(5). ولما كانت الالفاظ يمكن ان تكون مادة فن آخر غير الشعر رأى (العقاد) أهمية ان يساق اللفظ في سياق يحقق النغم المطلوب(6)... وهذا يفسر دعوة (العقاد) للتعبير عن المضامين الجديدة بلغة لها القدرة على التحليل والتركيب، وتجاوز المعجم التقليدي والإتيان بمعجم آخر مأنوس ومتعال على الدلالات المحددة للألفاظ(7). واهتم (المازني) اهتماماً بالغاً بلغة الشعر مؤكداً ان الكلمات التي يخرجها الشاعر لا تستعمل لأجل ذاتها، بل لكي ترسم صورة او تستثير عاطفة(8)، وان لالفاظ كثيرة ايحاءات "بعضها وضيع وبعضها جليل، ولا مسمح للشاعر عن التنبه إلى ذلك، وإلا أساء إلى نفسه وإلى جلالة خواطره وإحساساته وخيالاته"(9)، وان اللفظ من حيث هو لفظ مفرد لاشيء في ذاته، لكن الفائدة الحقيقية تحصل عندما تنتظم الألفاظ بعضها إلى بعض(1)، وان الالفاظ أشبه بالوعاء الذي يتضمن المعاني ويحويها، والمعاني هي التي تكسبها الحياة وتحلّ فيها(2). وجاء موقف (شكري) رد فعل بإزاء تيار المدرسة الكلاسيكية الجارف، الذي كان يُعنى بالالفاظ المعجمية الغريبة، ويكثر من إيراد ألفاظ الجزالة والخشونة(3)، ولذلك ذهب مذهب الرومانسيين في فهمه للكلمات الشعرية، لأنه يرى أهمية ان يتعرف الشاعر أية كلماته تعبر عن المعنى او العاطفة التي يريد وصفها أتم تعبير. فالكلمة قد تكون شريفة أو وضيعة حسب الاستعمال فشرف الكلمة في دلالتها على المعنى أو في موقعها الخاص بها في الشعر"(4)، إذ العيب ليس في الألفاظ، وانما هو عيب الطريقة أي طريقة استعمال الألفاظ في مواضعها(5). ورأى (شكري) ان الشاعر المجيد هو الذي يستعمل الألفاظ المألوفة، اما الألفاظ الغريبة فتقلل من جودة الشعر، وان الشعر غير المتكلف هو الشعر الاكثر نفعاً(6). وفعل الشاعر في اختيار المفردات وتركيبها لتوصيل ما تريد توصيله بطريقة فنية جميلة ، يُظهر (بصمة ذات) الشاعر بشكل كبير.
2. مفهوم الحداثة في المستوى الايقاعي: تتجلى (بصمة الذات) عند شعراء الديوان في موقفهم من الوزن والقافية، فبعد أن أفادوا ممّا بُثّ في كتاب (الوسيلة الادبية) من نظرة للتحرر من قيود الاوزان العروضية، ومن مطالبة بمفهوم جديدة للشعر يخالف التعريف السائد الذي ينص على انه كلام موزون مقفى(7)، وبعد أن افادوا مما عرفوه عن تجديد الغربيين في الوزن والقافية(8)، قاموا بمحاولات تجديدية تجريبية في الوزن والقافية. ولم تكن محاولات التجديد هذه نتيجة عجزهم في النظم في القالب القديم، ولم تكن المسألة ايضاً رغبة في التخفف من أعباء الوزن والقافية، وانما كان دافعهم الحقيقي هو جعل موسيقى شعرهم خاضعة لحالة الشاعر النفسية والشعورية التي يصدر عنها(1)، ولاسيما أنهم احسّوا أن مشاعرهم ووجداناتهم لا يمكن حصرها في البحور الخليلية، وانهم بحاجة إلى موسيقى ترتبط بحالة شعورية معينة لشاعر بذاته، فتعكس هذه الحالة في صورة منسقة على نحو خاص، لا في صورتها القديمة(2). وشعراء الديوان لم يقوموا بإلغاء الوزن والقافية، وانما أدخلوا عدداً من التعديلات ليحقق الشاعر من نفسه ومن ذبذبات مشاعره مالم يكن يستطيع تحقيقه في القالب القديم(3). وقد استغل (العقاد) المقدمة التي كتبها لديوان (المازني) ليبث فيها أفكاره ولاسيما التجديد في الوزن والقافية، فهو يرى ان كتابة الشعر بالقالب القديم قيد لحرية الشاعر(4)، و "ان اوزاننا وقوافينا اضيق من ان تنفسح لاغراض شاعر تفتحت مغالق نفسه، وقرأ الشعر الغربي، فرأى كيف ترحب اوزانهم بالاقاصيص الطويلة والمقاصد المختلفة، وكيف تلين في ايديهم القوالب الشعرية، فيودعونها ما لا قدرة لشاعر عربي وضعه في غير النثر"(5). ودعا إلى ان يكون نصيب الشعر من الفكر اوفر وأوسع بحيث لا تطغى الرنة والقافية عليه(6)، وتحدث عن التنويع القافوي واثر ذلك في التهيئة للتجديد المطلوب اذ قال: "رأى القراء بالأمس في ديوان (شكري) مثالاً من القوافي المرسلة والمزدوجة والمتقابلة ، وهم يقرأون اليوم في ديوان (المازني) مثالاً من القافيتين المزدوجة والمتقابلة، ولا نقول ان هذا هو غاية المنظور من وراء تعديل الاوزان والقوافي وتنقيحها، ولكنا نعدّه بمثابة تهيئ المكان لاستقبال المذهب الجديد، اذ ليس بين الشعر العربي وبين التفرع والنماء إلاّ هذا الحائل، فاذا اتسعت القوافي لشتى المعاني والمقاصد، وانفرج مجال القول، بزغت المواهب الشعرية على اختلافها ورأينا بيننا شعراء الرواية، وشعراء الوصف، وشعراء التمثيل"(1)، وطالب بالانتفاع مما يفعله شعراء الغرب(2)، وهكذا يتبين لنا ان التجديد العروضي عند (العقاد) جاء نتيجة تاثره بالتجديد العروضي عند الغرب(3)،لا لغرض التقليد بل لفسح المجال لبزوغ (بصمات) مواهب شعرية متميزة. وأسهمت (بصمة الذات) عند (المازني) بالتمسك بالوزن في الشعر لصلته القوية بالعاطفة، بل كان من اوائل الشعراء الذين اقاموا علاقة بين العاطفة والوزن(4)، وعبّر عن ذلك قائلاً: ان كل عاطفة، عندما تسيطر على الروح وتنساب باعتدال [...] تبحث دائماً عن لغة تلائم انسيابها... فالعواطف العميقة الدائمة كانت دائماً تبحث عن تعبير لها في لغة موزونة، فكلما عمقت المشاعر كانت التراكيب الموزونة أشد بروزاً وتأثيراً"(5). ومن هذا المنطلق دافع (المازني) عن الوزن، ورفض الترخص به، ونقد الشعر المنثور وعدّ من ينظمه على مرتبة عالية من الجهل والغباء لأنهم لا يستخدمون الوزن في نظمهم هذا، اذ قال: "ان جهلاً عظيماً قد نزل بالناس، لأنك ترى اغلب الناس في هذا البلد المسكين يصرون ان الوزن غير ضروري في الشعر، وان هناك كتابة هي شعر لكنها لاتستخدم الوزن. ان هذا الجهل والغباء قد دفع بعض الناس ليجربوا هذا النوع الجديد من الشعر، حاسبين أنهم قد انجزوا شيئاً جيداً وأنهم اخترعوا نوعاً جديداً من الفن"(6). وربما يكون لرأي (المازني) في الوزن ارتباط تأثر برأي (هيجل) الذي يؤكد فيه ان الوزن أول ما يستوجبه الشعر، وانه ألزم مما عداه(7). اما القافية فعلى الرغم من انها قيد لحرية الشاعر كما يراها، إلا أنها قيد – نظام – لازم لخير الجماعة وليس عبئاً على الشاعر(8). اما (شكري) فلم يقدم آراء نقدية في الوزن والقافية واثرهما في الشعر، ولكنه كان اول البادئين بكتابة الشعر المرسل، ومن اوائل الشعراء الذين تمردوا على القافية الموحدة، ورأى فيها عائقاً عن الوحدة العضوية للقصيدة فأسهم بذلك في وضع اساس القصيدة العربية الجديدة(1). وعلى الرغم مما يلاحظ من تقاطع في آراء شعراء الديوان احياناً الا أن تلك الآراء نفسها كانت تعبر عن وجهات نظرهم الساعية إلى تحقيق الذات وابراز (بصمتها) الخاصة.
3. مفهوم الحداثة في المستوى الدلالي: تتجلى (بصمة الذات) عند شعراء الديوان على المستوى الدلالي كذلك، فقد تمردوا على محدودية الفضاء الذي يتجول فيه الشاعر بشعره مسقطاً من حسابه بقية افاق الوجود. فلذلك دعوا إلى تحطيم السدود التي يحبس الشعر فيها، وارادوا من الشاعر ان ينظر إلى الطبيعة والحياة لأنه رسولهما، ودعوا إلى ضرورة التعبير عن ايقاع التناقض في الكون في ذهنية الشاعر، وأصروا على ذاتية الرؤية وخصوصية الاسلوب(2). وهذا التجديد في المضمون رأته (سهير القلماوي) هو الجديد الذي جاءت به جماعة الديوان وأكدت ان الرومانسية الغربية الانكليزية والفرنسية قد غذت هذا التجديد(3). وانمازت معالجة المضامين عند جماعة الديوان بالميل إلى الذات وتصوير المشاعر الانسانية(4)، لان الحداثة لاتعني التغيير في الموضوع وحده، بل هي موقف داخلي في الشاعر، والاسلوب الذي يصف به الأشياء ايضاً(5)، ولهذا رأى (العقاد) ان لدى معاصريه مفاهيم مغلوطة عن حداثة الشعر(6) ورفض على وفق تلك الرؤية ما توهمه الشعراء الاحيائيون من ان الحداثة تعني وصف المخترعات الحديثة في اشعارهم وآدابهم فقال "حسب بعض الشعراء اليوم أنه ليس على احدهم ان اراد ان يكون شاعراً عصرياً إلا ان يرجع إلى شعر العرب بالتحدّي والمعارضة، فيصف البخار والآلات والمؤسسات اذ كانت العرب قد وصفت الابل والخيام والصحراء، وليس له إلا ان يسمي اسماء جديدة بدلاً من اسماء دعد وهند ورباب وسعاد ولبنى التي كانت للأقدمين"(1)، وكان الدافع وراء هذا الانفتاح المضموني والمعالجة الخاصة، الرغبة في ان يصور الشعر الحديث روح العصر وروح الشاعر الحديث(2)، والرغبة في صب الاهتمام على شعر التجربة الذاتية(3) التي لا تقتصر على عواطف معينة بل تشمل مختلف الانفعالات والعواطف(4)، ومن هنا كان الشعر عند (العقاد) يعبر عن الروح في الحياة، اذ قال: "اذا قلنا لك أحبب الشعر فكأننا نقول لك عش، واذا قلنا أن أمة أخذت تطرب للشعر فكأننا نقول أنها أخذت تطرب للحياة"(5). ولهذا جعل (العقاد) موضوع القصيدة يشمل كل شيء في هذه الحياة(6). فهو يقول: "كل ما نخلع عليه من احساسنا ونفيض عليه من خيالنا ونتخلله بوعينا ونبث فيه من هواجسنا وأحلامنا ومخاوفنا هو شعر وموضوع للشعر لأنه حياة وموضوع للحياة"(7). وبدعوة (العقاد) للموضوعات الحياتية أنكر خصوصية الشعر المقصورة على الامراء والمناسبات والقصور، ودعا إلى سعة افق الشاعر وان ينظم في كل موضوع يتجاوب معه، وكان مثله الاعلى هو ان يكون الشاعر (عابر سبيل) في الحياة(8). وأكد (المازني) ان الشعر هو الفن الذي يعبر عن الحياة، واشار إلى ذلك بقوله: "أوليس يكفيكم ان يكون على الشعر طابع ناظمه وميسمه، وفيه روحه واحساساته وخواطره ومظاهر نفسه سواء أكانت جليلة ام دقيقة، شريفة ام وضيعة؟ وهل الشعر إلا صورة للحياة"(1) ولذلك عدّ (المازني) حافظ ابراهيم شاعر مناسبات أو شاعراً صحفياً(2) لانه لم يصور الحياة وما يدور في خوالجها. ويرى (شكري) ان الشعر هو جوهر الحياة، والشاعر المجيد هو الذي يصف عواطف النفس وأطوارها، ومظاهر الوجود التي تتعلق بها العواطف(3)، ومن هنا كان شعر (شكري) تصويراً واسعاً للنفس البشرية وعواطفها واحاسيسها بإزاء الكون والطبيعة(4) ومسايراً لنظرته في ان الشعر هو الفن الذي يعبر لنا عن الدنيا والحياة، وليس وليد الاحداث السياسية والمناسبات القومية(5)، وفي ان "المعاني الشعرية هي خواطر المرء وآراؤه وتجاربه وأحوال نفسه وعبارات عواطفه"(6). وما تقدم يؤكد لنا اهتمامهم بالعنصر الذاتي وتجنبهم الحدث العام واطر الحياة الخارجية(7) متأثرين برؤية الفكر الرومانسي في ان الشاعر "يعبر لنا عن الدنيا كما يحسها هو لا كما يحسها غيره"(8). وبذلك فقد خطا شعراء الديوان بالشعر خطوة نحو الوصول إلى شعر التجربة الذاتية(9) الذي يكشف عن (بصمة الذات) بأقوى صورة واكثرها تأثيراً.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|