انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 1
أستاذ المادة سحر كاظم حمزة المنصوري
30/09/2018 07:14:52
النثر الجاهلي / المحاضرة الثامنة القسم الثاني الخطب : ومن خطباء إياد قس بن ساعدة، وهو الذي قال فيه النبي، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: "رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وَعُوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت" . ويقول الحاحظ: "ولإياد خَصْلة ليست لأحد من العرب؛ لأن رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، هو الذي رَوَى كلام قس بن ساعدة، وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته، وهو الذي رواه لقريش وللعرب، وهو الذي عجب من حُسنه وأظهر من تصويبه، وهذا إسناد تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه الآمال" . على أن ابن حجر اتهم هذا الإسناد، وخاصة بعد توسُّع الرواة في خطبة قس وتحميلهم لها إشارات بقرب مبعث الرسول عليه السلام. ومما لا ريب فيه أن لها أصلًا صحيحًا تزيد فيه الرواة وواضح أن هذه كثرة من الخطباء الجاهليين، إن لم يصح ما أثر عنهم من خطب فإن من المحقق أنهم خطبوا كثيرًا في أقوامهم وقبائلهم، وإلا ما اشتهروا بالبراعة في هذا اللون من ألوان اللَّسنِ والبيان. وكان مما بعثهم على إحسانه حاجتهم إليه في مواطن ومواقف عدة، وكان قلما يرتفع نجم سيد من سادتهم إلا والخطابة صفة من صفاته وسجية من سجاياه؛ حتى تساق له القلوب بأزمتها وتجمع له النفوس المختلفة من أقطارها. وكل شيء يؤكد أن منزلة الخطيب عندهم كانت فوق منزلة الشاعر؛ فهي قرين السؤدد والشرف والرياسة، يقول أبو عمرو بن العلاء: "كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيِّد عليهم مآثراهم، ويفخم شأنهم، ويهوِّل على عدوهم ومَنْ غزاهم، ويهيِّب من فرسانهم، ويخوِّف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم، فيراقب شاعرهم، فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مكسبة، ورحلوا إلى السوق، وتسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر" وعلى هدي هذا القول مضى الجاحظ يقول: "كان الشاعر أرفع قدرًا من الخطيب، وهم إليه أحوج لرده مآثرهم عليهم وتذكيرهم بأيامهم، فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرًا من الشاعر".وربما كان من أسباب ذلك أن الشاعر-إذا استثنينا زهيرًا- كان هو الذي يهيج النفوس للحرب بما يدعو للأخذ بالثأر، أما الخطيب فكان غالبًا يدعو إلى السلم وأن تضع الحرب بين القبائل المتخاصمة أوزارها، وكثيرًا ما يقف من قومه موقف الناصح الأمين يهديهم ويرشدهم، أما الشاعر فأكثر مواقفه هجاء وتنابذ بالألقاب والأحساب والمآثر والمعايب. وقد تعارف خطباؤهم على جملة من السنن والتقاليد في خطابتهم؛ فكانوا يخطبون على رواحلهم في الأسواق العظام والمجامع الكبار، وقد لاثوا العمائم على رءوسهم. وفي أثناء خطابتهم كانوا يمسكون بالعصى والمخاصر والقضبان والقنا والقسي راكبين أو واقفين على مرتفع من الأرض، وأشار إلى ذلك لبيد إذ يقول : ما إِن أَهابُ إِذا السُرادِقُ عَمَّهُ قَرعُ القِسيِّ وَأُرعِشَ الرِعديدُ
ووقفت الشعوبية طويلًا عنده عادة خطباء العرب من اتخاذ العصي والمخاصر وردَّ عليهم الجاحظ في بيانه مبينًا فوائد العصا، ومن قوله في تلك العادة: "إن حمل العصا والمخصرة دليل على التأهب للخطبة والتهيؤ للإطناب والإطالة؛ وذلك شيء خاص في خطباء العرب ومقصور عليهم ومنسوب إليهم؛ حتى إنهم ليذهبون في حوائجهم، والمخاصر بأيديهم إلفًا لها وتوقعًا لبعض ما يوجب حملها والإشارة بها" وكانوا يمدحون في الخطيب ثبات الجنان وحضور البديهة وقلة التلفت وكثرة الريق وجهارة الصوت وقوته، وكانوا يعيبون فيه التنحنح والارتعاش والحصَر والتعثر في الكلام، يقول النمر بن تولب: أَعِذني رَبِّ مِن حَصَرٍ وَعيٍ وَمِن نَفسٍ أُعالِجُها عِلاجا
وإذا ذهبنا نستنطق النصوص عن أساليب خطابتهم، وهل كانوا يعمدون فيها إلى الأسلوب المرسل أو إلى الأسلوب المسجَّع؛ وجدنا أنفسنا بإزاء تراث متهم لا يمكن الاعتماد عليه في الاستنتاج، لما قلنا مرارًا من أن حقبًا متطاولة تفصل بين العصر الذي دونت فيه تلك الخطب والآخر الذي قيلت فيه. ومع أن الكثرة الكثيرة من هذه الخطب منتحلة نلاحظ أن من نحلوها الجاهليين؛ إنما قاسوها على أمثلة رويت لهم؛ فإذا لاحظنا أن أكثر مفاخراتهم ومنافراتهم روي مسجوعًا، كان معنى ذلك أنه ثبت عند من نحلوا الجاهليين هذه المفاخرات والمنافرات أنهم كانوا يسجعون فيها. وتستطيع أن ترجع إلى منافرة عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية وتحكيمهما لنفيل بن عبد العزى في تاريخ الطبري فستجدها مسجوعة، ومثلها منافرة جرير بن عبد الله البجلي، وخالد بن أرطاة الكلبي إلى الأقرع بن حابس؛ فقد رويت في شرح نقائض جرير والفرزدق لأبي عبيدة، وهي مسجوعة، ومثلهما منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل المروية في كتاب الأغاني؛ فهي الأخرى مبنية على السجع. ويجعل الجاحظ ذلك قاعدة عامة أو كالقاعدة العامة؛ فيقول: "إن ضمرة بن ضمرة وهَرِم بن قطبة والأقرع بن حابس ونُفَيْل بن عبد العزى كانوا يحكمون وينفرون بالأسجاع، وكذلك ربيعة بن حذار"كما يقول في موضع آخر إنهم كانوا يستخدمون الأسجاع عند المنافرة والمفاخرة؛ بينما كانوا يستعملون المنثور المرسل في خطب الصلح وسل السخيمة وعند المعاقدة والمعاهدة. وكأنهم عرفوا في الجاهلية لونين من الخطابة لونًا مسجوعًا ولونًا مرسلًا، ولا تظن أنهم في خطابتهم المرسلة لم يكونوا يروون فقد كانوا يعمدون إلى ما يثير السامعين من كلم بليغ؛ حتى يؤثروا فيهم ويبلغوا ما يريدون من استمالتهم، يقول الجاحظ: "لم نرهم يستعملون مثل تدبيرهم في طوال القصائد وفي صنعة طوال الخطب، وكانوا إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير ومهمات الأمور ميَّثوه في صدورهم وقيدوه على أنفسهم؛ فإذا قوَّمه الثقاف، وأدخل الكير، وقام على الخلاص أبرزوه محككًا منقحًا ومصفى من الأدناس مهذبًا". ومن يقرأ الفقر القصار والمحاورات المختصرة التي بقيت من تراثهم، تلك التي يرويها الجاحظ، يشعر حقًّا أنهم كانوا يبتغون التجويد في كلامهم، تارة بما يصوغونه فيه من سجع، وتارة أخرى بما يخرجونه فيه من استعارات وأخيلة. ودائمًا يعنون ببهاء اللفظ وقوته ونصاعته، كما يعنون بوضوح الحجة. وتصوِّر أشعارهم جوانب من ذلك كقول لبيد لهرم بن قطبة حين احتكم إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة : إنك قد أوتيت حُكْمًا معجِبا فَطَبِّقِ المَفْصِلَ واغْنَمْ طَيّ
وواضح أنه يقول له: إنك قد أوتيت حكمًا فاصلًا قاطعًا يفصل بين الحق والباطل كما يفصل الجزار الحاذق مفصل العظمين. ومن ذلك قولهم فلان يفلُّ المحزَّ، ويصيب المفصل، ويضع الهناء مواضع النُّقَبِ4. والعبارة الأخيرة مستعارة من صنيع الحاذق حين يلم الجرب بإبله فيضع دواءه في مواضعه الدقيقة. يمثلون بذلك للمصيب الموجز في خطابته وبيانه، كما مثلوه في التعبيرين الأولين بالجزار الحاذق الذي يصيب عين الموضع من جزوره سواء في العظم أو في اللحم. وقد يشبهون كلامهم بالسهام المصمية، ومن ثم استخدموا كلمة مدره للشجاع والخطيب المفلق في الوقت نفسه، وأصل معناها المرامي؛
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|