انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

القصص

الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 1
أستاذ المادة سحر كاظم حمزة المنصوري       30/09/2018 07:06:44
النثر الجاهلي / المحاضرة السادسة
القصص:
يمكننا بواسطة ما دونه العباسيون أن نعرف ألوان هذا القصص الذي كانوا يتناقلونه بينهم، وربما كان أكثر هذه الألوان شيوعًا على ألسنتهم أيامهم وحروبهم وما سجله أبطالهم فيها من انتصارات مروعة وما منيت به بعض قبائلهم من هزائم منكرة. وقد ظلوا يقصون هذه الأيام والحروب إلى أن تناولها منهم لغويو القرن الثاني للهجرة ورواته؛ فدونوها تدوينًا منظمًا على نحو ما هو معروف عن أبي عبيدة في شرحه لنقائض جرير والفرزدق، وتوالى من بعده التأليف فيها والعناية بها على نحو ما تقدم في غير هذا الموضع.
وعلى نحو ما كانوا يقصون عن ملوكهم وأبطالهم كانوا يقصون عن ملوك الأمم من حولهم وشجعانهم، يدل على ذلك ما جاء في السيرة النبوية من أن النضر بن الحارث كان من شياطين قريش وممن كان يؤذي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة وتعلم أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم وإسفنديار؛ فكان إذا جلس رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، مجلسًا، فذكر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله خَلَفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه، فهلم إلي؛ فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وإسفنديار".ومما لا ريب فيه أنهم كانوا يقصون كثيرًا عن كهانهم وشعرائهم وسادتهم، وهو قَصَص استمدت منه كتب التاريخ والشعر والأدب مَعِينًا لا ينضب من الأخبار، وارجع إلى تراجم صاحب الأغاني فستراها تحفل بمادة غنية من القصص، وقد بثوا فيها غير قليل من قصص الهوى، كقصة المرقش الأكبر وصاحبته أسماء بنت عوف، وما كان من عشقه لها وهو غلام ومحاولته خطبتها من أبيها. واعتذار الأب له بحداثة سنه وأنه لم يُعْرَف بعد بشجاعة. وما كان من انطلاق المرقش إلى بعض الملوك ومديحه له وبقائه عنده زمنًا، وفي هذه الأثناء أصاب عوفًا زمان شديد، فأتاه رجل من مراد، فأرغبه في المال، فزوجه ابنته على مائة من الإبل، ورحل بها إلى أهله. وقال إخوة المرقش: لا تخبروه بخبرها حين يرجع؛ بل قولوا له: إنها ماتت، وذبحوا لذلك كبشًا، أكلوا لحمه ودفنوا عظامه. فلما قدم المرقش قالوا له: إنها ماتت. ولم يلبث أن عرف الحقيقة بعد أن ظل مدة يعود قبر الكبش ويزوره. وخرج المرقش يطلب أسماء، وبعد مغامرات يتعرف على راعي زوجها، ويتوسل إليه أن يحدثها عنه، فيقول له: إني لا أستطيع أن أدنوا منها؛ ولكن تأتيني جاريتها كل ليلة، فأحلب لها عنزًا، فتأتيها بلبنها. فقال له مرقش: خذ خاتمي هذا؛ فإذا حلبتَ فألقه في اللبن، فإنها ستعرفه، وإنك مصيب بذلك خيرًا لم يصبه راع قط إن أنت فعلت ذلك. فأخذ الراعي الخاتم. ولما راحت الجارية بالقدح وحلب لها العنز طرح الخاتم فيه؛ فانطلقت الجارية به وتركته بين يدي أسماء فلما سكنت الرغوة أخذته فشربته، وكذلك كانت تصنع. فقرع الخاتم ثنيتها، فأخذته واستضاءت بالنار، فعرفته، فقالت للجارية: ما هذا الخاتم؟ قالت: ما لي به علم فأرسلتها إلى مولاها وهو بنجران، فأقبل فزعًا، فقال لها: لم دعوتني؟ قالت له: ادع عبدك راعي غنمك، فدعاه، فقالت: سله أين وجد هذا الخاتم، قال: وجدته مع رجل في كهف خُبَّان، فقال لي: اطرحه في اللبن الذي تشربه أسماء، فإنك مصيب به خيرًا، وما أخبرني من هو، ولقد تركته بآخر رمق. فقال لها زوجها: وما هذا الخاتم؟ قالت: خاتم مرقش، فأعجل الساعة في طلبه؛ فركب فرسه وحملها على فرس آخر وسارا حتى طرقاه من ليلتهما، فاحتملاه إلى أهلهما؛ فمات عند أسماء وقال قبل أن يموت:
سَرى لَيْلًا خَيالٌ مِنْ سُلَيْمى
فأَرَّقَني وأصْحابي هُجُودُ

فَبِتُّ أُدِيرُ أَمْرِي كلَّ حالٍ
وأَرْقُبُ أَهْلَها وهُمُ بعيدُ

سَكَنَّ ببلْدَةٍ وسَكَنْتُ أُخرى وقُطِّعَتِ المواثِقُ والعُهُودُ فَما بالي أَفِي ويُخانُ عَهْدِي وما بالي أُصادُ وَلا أَصِيدُثم مات فدفن في أرض مراد. ولم نسق هذه القصة مؤمنين بأنها نفس قصة المرقش التي دارت في الجاهلية بلغتها وبجميع تفاصيلها؛ ولكنا سقناها لندل بطوابعها على صورة أمثالها في الجاهلية، وما كان يتيح القَصَّاص لمثلها من عناصر التشويق؛ تارة بما يضيف إلى القصة من خياله، وتارة بما يضيف إليها من أشعار، وقد يضيف إليها أمثالًا، على نحو ما نعرف في قصة الزبا. وإذا صح ما ذهب إليه بروكلمان من أن تعرف أحد العاشقين على الآخر عن طريق الخاتم شائع في كثير من الحكايات عند أمم غير العرب كان معنى ذلك أن قصص الجاهليين حتى في الحب تسربت إليه عناصر من حكايات العشق المماثلة عند الأمم الأجنبية. ويدخل في هذا الجانب بعض خرافاتهم عن الحيوانات التي يلتقون فيها بخرافات الأجانب، كخرافة الحية والفأس، وقد رواها الضبي على هذه الشاكلة.
"زعموا أن أخوين كانا فيما مضى في إبل لهما؛ فأجدبت بلادهما، وكان قريبًا منهما واد فيه حية، قد حمته من كل أحد؛ فقال أحدهما للآخر: يا فلان، لو أني أتيت هذا الوادي المُكْلى؛ فرعيت فيه إبلي وأصلحتها، فقال له أخوه: إني أخاف عليك الحية، ألا ترى أن أحدًا لم يهبط ذاك الوادي إلا أهلكته، قال: فوالله لأهبطن. فهبط ذلك الوادي، فرعا إبله به زمانًا، ثم إن الحية لدغته، فقتلته: فقال أخوه: ما في الحياة بعد أخي خير، ولأطلبن الحية فأقتلها أو لأتبعن أخي؛ فهبط ذلك الوادي؛ فطلب الحية ليقتلها، فقالت: ألست ترى أني قتلت أخاك، فهل لك في الصلح، فأدعك بهذا الوادي، فتكون به، وأعطيك ما بقيت دينارًا في كل يوم. قال: أفاعلة أنت؟ قالت: نعم، قال: فإني أفعل؛ فحلف لها وأعطاها المواثيق، لا يضيرها. وجعلت تعطيه كل يوم دينارًا؛ فكثر ماله ونمت إبله؛ حتى كان من أحسن الناس حالًا. ثم إنه ذكر أخاه، فقال: كيف ينفعني العيش، وأنا أنظر إلى قاتل أخي فلان؟ فعمد إلى فأس؛ فأحدها، ثم قعد لها، فمرت به، فتبعها، فضربها فأخطأها، ودخلت الجحر، فرمى الفأس بالجبل فوقع فوق جحرها، فأثر فيه؛ فلما رأت ما فعل قطعت عنه الدينار الذي كانت تعطيه، ولما رأى ذلك تخوف شرها وندم فقال لها: هل لك في أن نتواثق –نتعاهد- ونعود إلى ما كنا عليه؛ فقالت: كيف أعاهد؟ وهذا أثر فأسك وأنت فاجر، لا تبالي العهد. فكان حديث الحية والفأس مثلًا مشهورًا من أمثال العرب، قال نابغة بني ذبيان، من قصيدةي عاتب بها بني مرة:
وَإِنّي لَأَلقى مِن ذَوي الضِغنِ مِنهُمُ
بلا عَثْرَةٍ والنفس لا بُد عاثرة

كَما لَقِيَت ذاتُ الصَفا مِن حَليفِها
وَما اِنفَكَّتِ الأَمثالُ في الناسِ سائِرَه

وينشد الضبي بقية القطعة التي يتحدث فيها النابغة عن قصة الحية مع هذا الراعي الذي اختان عهده. ونحن نشك في الأبيات كما نشك في أن القصة حافظت على الأصل الجاهلي، وإن كنا في الوقت نفسه نظن ظنًّا أنها تعطينا جانبًا من روح القصص الجاهلي، وأنه كان يلتقي في بعض جوانبه بقصص الحيوان المعروف عند الهنود، والذي تسرب منهم إلى الأمم الأخرى على نحو ما نعرف في قصص إيسوب اليوناني، وبين قصصه الزارع والحية، وكأنما تسرب هذا النوع من الهند إلى العرب واليونان جميعًا.ومما لا شك فيه أن عرب الجاهلية قصوا كثيرًا عن الجن والعفاريت والشياطين، وقد زعموا أنها تتحول في أي صورة شاءت إلا الغول فإنها دائمًا تبدو في صورة امرأة عدا رجليها؛ فلا بد أن تكونا رجلي حمار. وكثيرًا ما تتراءى الجن في صورة الثيران والكلاب والنعام والنسور. وكانوا يزعمون أن أهم منازلها أرض وبار وصحراء الدهناء ويبرين. ومن غير شك دخل كثير من قصصهم عنها في كتب الأساطير والعجائب التي ألفت في العصر العباسي.
ونحن لم نسق ذلك لنؤكد أنه بقيت لنا من القصص الجاهلي بقية صالحة للدراسة؛ فإن شيئًا من هذا القصص الذي يضاف إلى الجاهليين لم يصلنا مدونًا مكتوبًا، ولذلك كنا نتهمه جملة، وإن كنا بعد هذا الاتهام نعود فنزعم أنه يصور لنا مادة قصصهم وروحه وطبيعته وكثيرًا من ملامحه؛ ولكن لا بصورة دقيقة، وإنما بصورة عامة.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .