انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة السادسة

الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 1
أستاذ المادة هدى كاظم وحيد خلف الوطيفي       24/09/2018 18:17:15
الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم :
النسخ لغة: الرفع والإزالة. ومنه يقال: نسخ الكتاب. أي: رفع منه إلى غيره. ونسخت الشمس الظل: أزالته.

قال الزجاج: "النسخ في اللغة: إبطال شيء وإقامة آخر مقامه، تقول العرب: نسخَت الشمس الظل: إذا أذهبته وحلت محله"(1). ومثاله : آية: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}. [الجاثية/ 29].

كما يطلق على إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه، كقولهم: نسخت الريح الأثر(2)، ومثاله: آية: {ما ننسخ من آية أوننسها نأت بخير منها أو مثلها}. [البقرة/ 106].

أما اصطلاحا: فقد اختلف المفسرون والأصوليون في تعريفه، ولعل تعريفه المستقر اصطلاحا أول من أظهره هو الإمام الشافعي في "الأم"، ولم يكن مطردا قبله وإن كان موجودا(3).
لا شك أن علم الناسخ والمنسوخ من أساسات علوم التفسير، ومن العلوم التي لا يقوم إلا بها، كما أنه لا يمكن معرفة الأحكام الشرعية الاستنباطية، وتفسير تعارض النصوص إلا بمعرفته، ولذلك أفرد له علماء أصول التفسير وعلماء أصول الفقه مصنفات قديما وحديثا.

قال الإمام القرطبي رحمه الله: "معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام. روى أبو البَخْتَري قال: دخل علي رضي الله عنه المسجد، فإذا رجل يخوف الناس؛ قال: ما هذا؟. قالوا: رجل يذكر الناس. فقال: ليس برجل يذكّر الناس، لكنه يقول: أنا فلان بن فلان اعرفوني. فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟. فقال: لا. قال: فاخرج من مسجدنا ولا تُذكّر فيه. وفي رواية أخرى: أعلمتَ الناسخ والمنسوخ؟. قال: لا. قال: هلكت وأهلكت. ومثله عن ابن عباس رضي الله عنهما"(13).
وينقسم النسخ إلى قسمين:

- نسخ عام. حيث ينسخ الحكم كليا، ويستبدل بحكم آخر، كما سيأتي في بقية الفصول إن شاء الله تعالى.

- نسخ جزئي، وهو ينقسم إلى خمسة أقسام:
وجاءت شريعة الإسلام ناسخة لما سبقها من الشرائع، ومهيمنة عليها، واقتضت حكمة الله سبحانه أن يشرع أحكامًا لحكمة يعلمها، ثم ينسخها لحكمة أيضًا تستدعي ذلك النسخ، إلى أن استقرت أحكام الشريعة أخيراً، وأتم الله دينه، كما أخبر تعالى بقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} (المائدة:3).

وقد بحث العلماء الناسخ والمنسوخ ضمن أبحاث علوم القرآن الكريم، وأفرده بعضهم بالكتابة.

والنسخ هو رفع الحكم الشرعي، بخطاب شرعي. وعلى هذا فلا يكون النسخ بالعقل والاجتهاد.

ومجال النسخ هو الأوامر والنواهي الشرعية فحسب، أما الاعتقادات والأخلاق وأصول العبادات والأخبار الصريحة التي ليس فيها معنى الأمر والنهي، فلا يدخلها النسخ بحال.

ولمعرفة الناسخ والمنسوخ أهمية كبيرة عند أهل العلم، إذ بمعرفته تُعرف الأحكام، ويعرف ما بقي حكمه وما نُسخ.
وقد حدَّد أهل العلم طرقًا يُعرف بها الناسخ والمنسوخ، منها: النقل الصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو الصحابي، فمن أمثلة ما نُقل عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزروها) رواه مسلم.

ومن أمثلة ما نُقل عن الصحابي، قول أنس رضي الله عنه في قصة أصحاب بئر معونة: ونزل فيهم قرآن قرأناه ثم نُسخ بَعْدُ (بلِّغوا عنا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضيَ عنا ورضينا عنه) رواه البخاري.

ومن طُرق النسخ أيضًا إجماع الأمة، ومعرفة تاريخ الحكم المتقدم من المتأخر.

ولا بد من الإشارة إلى أن النسخ لا يثبت بالاجتهاد، ولا بمجرد التعارض الظاهر بين الأدلة، فكل هذه الأمور وما شابهها لا يثبت بها النسخ.

والنسخ على أنواع، فمنها نسخ القرآن بالقرآن، ومثاله نَسْخُ قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} (البقرة:219) فقد نسختها آية: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} (المائدة:90) وهذا النوع من النسخ جائز بالاتفاق.

ومنها نَسْخُ السنة بالقرآن، كنسخ التوجُّه إلى قبلة بيت المقدس، الذي كان ثابتًا بالسنة بقوله تعالى: {فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام} (البقرة:144). ونَسْخُ وجوب صيام يوم عاشوراء الثابت بالسنة، بصوم رمضان في قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (البقرة:185).

ومن أنواع النسخ أيضاً، نَسْخُ السنة بالسنة، ومنه نسخ جواز نكاح المتعة، الذي كان جائزًا ولاً، ثم نُسخ فيما بعد؛ فعن إياس بن سلمة عن أبيه، قال: (رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في المتعة ثم نهى عنها) رواه مسلم، وقد بوَّب البخاري لهذا بقوله: باب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخراً.

ويأتي النسخ في القرآن على ثلاثة أنحاء:

الأول: نسخ التلاوة والحكم معًا، ومثاله حديث عائشة قالت: (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحُرمن، ثم نُسخن بخمس معلومات) رواه مسلم.

الثاني: نسخ الحكم وبقاء التلاوة، ومثاله قوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} (الأنفال:66) فهذه الآية نسخت حكم الآية السابقة لها مع بقاء تلاوتها، وهي قوله تعالى: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون} (الأنفال:65).

الثالث: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، ومنه ما سبق في حديث عائشة رضي الله عنها: (ثم نسخن بخمس معلومات) فإن تحديد الرضاع المحرِّم بخمس رضعات، ثابت حكمًا لا تلاوة.

ووجود النسخ في الشريعة له حِكَمٌ عديدة، منها مراعاة مصالح العباد، ولا شك فإن بعض مصالح الدعوة الإسلامية في بداية أمرها، تختلف عنها بعد تكوينها واستقرارها، فاقتضى ذلك الحال تغيُّر بعض الأحكام؛ مراعاة لتلك المصالح، وهذا واضح في بعض أحكام المرحلة المكية والمرحلة المدنية، وكذلك عند بداية العهد المدني وعند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن حكم النسخ أيضًا ابتلاء المكلفين واختبارهم بالامتثال وعدمه، ومنها كذلك إرادة الخير لهذا الأمة والتيسير عليها، لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة ثواب، وإن كان إلى أخف ففيه سهولة ويسر.
يقع النسخ في واحد من الأمور الأربعة التالية:

1- نسخ القرآن بالقرآن:

ولا يختلف أهل العلم في أن هذه الصورة من النسخ واقعة في مواضع في القرآن الكريم، تتفاوت أقوالهم في عددها، والتحقيق أنها قليلة(18).

ومثاله: نسخ التخيير للقادر على الصوم بين أن يصوم أو يفتدي بالصوم دون الفدية. فالحكم المنسوخ في قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم}. [البقرة/ 184].

والناسخ له: قوله تعالى في الآية بعدها: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}. [البقرة/ 185].

2- نسخ سنة بسنة:

ووقوع هذا النوع لا خلاف في صحته(19).

ومثاله: حكم التطبيق في الركوع. فالمنسوخ: ما حدث به علقمة بن قيس والأسود بن يزيد أنهما: دخلا على عبد الله – أي: ابن مسعود – فقال: "أصلى مَن خلفكم؟". قالا: "نعم". فقام بينهما، وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا، فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: "هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم"(20).

والناسخ له: ما حدث به مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: "صليت إلى جنب أبي، فلما ركعتُ شبكت أصابعي وجعلتهما بين ركبتي، فضرب يدي، فلما صلى قال: قد كنا نفعل هذا، ثم أُمِرْنا أن نرفع إلى الركب"(21).

3- نسخ قرآن بسنة:

وهذا قد اختلفوا فيه على مذهبين:

المذهب الأول: امتناع نسخ الآية بالسنة. وهذا مذهب الأئمة سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب مالك.

المذهب الثاني: صحة نسخ الآية بسنة. واختاره بعض أعيان الشافعية؛ كإمام الحرمين الجويني، والغزالي، وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد، واختيار ابن حزم الظاهري(22).

قال القرطبي: "وحذاق الأئمة على أن القرآن يُنسخ بالسنة، وهو ظاهر مسائل مالك، وأبى ذلك الشافعي وأبو الفرج المالكي، والأول أصح، بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومِن عنده وإن اختلفت في الأسماء، وأيضا؛ فإن الجلد ساقط في حد الزنى عن الثيب الذي يُرجم، ولا مسقط لذلك إلا السنة: فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا بيّن"(23).

ومثال المنسوخ حكمه من القرآن الكريم بالسنة النبوية: قوله تعالى: {كُتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين}. [البقرة/ 180]. وناسخه حديث: "إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث"(24).

4- نسخ سنة بقرآن:

وجمهور أهل العلم على صحة نسخ حكم ثبت بالسنة بآية من كتاب الله، وخالف الشافعي رحمه الله في ذلك، بحجة أن السنة مبينة للكتاب، فكيف يُنسخ المبين؟(25).

قال القرطبي: "والحذاق – أيضا – على أن السنة تنسخ بالقرآن، وذلك موجود في القبلة؛ فإن الصلاة إلى الشام لم تكن في كتاب الله تعالى"(26)، وبمثله قال ابن عطية.

ومثاله: فرض استقبال بيت المقدس في الصلاة أول الإسلام، وذلك ما دل على إثباته قوله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}. [البقرة/ 143].


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .