انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 1
أستاذ المادة احمد عبد عباس مغير الجبوري
23/09/2018 14:23:31
حقوق الإنسان في الشرائع السماوية
عند الحديث عن الديانات السماوية ينبغي التسليم بأنها تنبثق من مشكاة واحدة،لأن مصدرها هو الله الخالق الواحد رب العالمين. ومع ذلك، فإن ما وصل إلينا من تعاليم هذه الأديان، لم يتهيأ له أن يكون متساوياً في صحة النقل. ومما يؤسف له أن تمتد يد الإنسان للعبث بما أنزل الله من الحق. فاليهودية مثلاً أصابها تحريف كبير، حيث اجترأ اليهود على تحريف كلام الله عن مواضعه، فأصبح الكثير مما هو وارد في التوراة موضع تشكيك بسبب هذا التحريف. وهو ما يجعل تقييم حقوق الإنسان في اليهودية (كدين سماوي) مقامرةً بالحقيقة. وقد كان ظهور المسيحية، بداية مرحلة جديدة ومهمة، جاءت لتخليص الإنسان من عبوديته للإنسان. ولذلك لاقت هذه الديانة الاضطهاد والعداء من قبل أباطرة الرومان، إلى أن تمكنت من التغلغل والانتشار لتصبح بعد ثلاثة قرون من ظهورها ديانةً رسمية للدولة الرومانية. وقد تميزت المسيحية بفكرتين أساسيتين تتصلان بحقوق الإنسان هما فكرة الفردية حيث لم يعد الفرد مجرد جزئية في جسد الدولة، وإنما هو مخلوق سامٍ يتمتع بقيم مطلقة؛ وفكرة ازدواجية السلطة حيث وجدت السلطة الروحية للكنيسة، وتركت السلطة الزمنية للدولة. وبالتالي فقد كان الخلط بين الدين والدنيا – في المسيحية – ممنوعاً، إذ أن (ما لقيصر لقيصر، وما لله لله). ويبدو أن هذه الفكرة قد أثرت في النظم السياسية المختلفة (بغض النظر عن الدين السائد في الدولة) إذ أنها ما تزال تطبع سياسات الحكم في الأنظمة العلمانية، وهي ليست بالقليلة. أما في الإسلام، فإن الأمر مختلف، ليس لأنه خاتمة الشرائع السماوية فحسب، وإنما لأن الكتاب الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو القرآن العظيم) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لم ولن تمتد إليه يد التحريف لأن الله تعالى قد تكفل بحفظه (إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون) "الحجر 9". وقد كان اهتمام الإسلام بحقوق الإنسان واضحاً، لأن هذا الدين ما جاء إلا لخير الإنسان. بل إن الله تعالى – كما ورد في القرآن الكريم - رتب حقوقاً خاصة للإنسان قبل أن يبث فيه الروح، حيث قال جل وعلا مخاطباً الملائكة: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) "سورة الحجر، الآية 29، وسورة ص، الآية 72". وتعد حقوق الإنسان فى الإسلام أعمق وأشمل من حقوق الإنسان في الوثائق الوضعية؛ لأن مصدرها كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و اله وسلم، فالإسلام تناول الحق وقرره وساوى فيه بين الناس مما أعلى من قيمهم الإنسانية. وقد عرف العهد النبوي عدة خطب ووصايا وعهود ومواثيق، سنّها رسول الله صلى الله عليه و اله وسلم وأبرمها مع المسلمين وغيرهم في حالتي السلم والحرب، زاخرة بمفاهيم وقواعد حقوق الإنسان، وإجراءات حفظها بمختلف أنواعها وشرائحها، ومنها صحيفة المدينة المنورة، وصلح الحديبية و صلح نجران، وخطبة الوداع، وخطبته عند فتح مكة التي ضمنها معان سامية أعقبتها إجراءات قانونية في العفو العام والصفح بما عكس بشكل جلي مكانة الحريات وحقوق الإنسان في هذا الدين نصوصا وأحكاما وممارسة. لقد كانت صحيفة المدينة المنورة : التي تمت كتابتها فور هجرة النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم إلى المدينة المنورة وهي تعتبر أول دستور مدني في التاريخ، واعتبرها الكثيرون مفخرة من مفاخر الحضارة الإسلامية، ومَعلَمًا من معالم مجدها السياسي والإنساني. إن هذه الصحيفة كانت تهدف بالأساس إلى تنظيم العلاقة بين جميع طوائف وجماعات المدينة، وعلى رأسها المهاجرين و الأنصار واليهود وغيرهم، يتصدى بمقتضاها المسلمون و اليهود لأي عدوان خارجي على المدينة. وبإبرام هذا الدستور –وإقرار جميع الجهات بما فيه- صارت المدينة المنورة دولة رئيسها الرسول الأعظم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ-، وصارت المرجعية العليا للشريعة الإسلامية، وصارت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة، كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، والمساواة والعدل. و يقول المستشرق الروماني جيورجيو: تضمنت هذه الصحيفة اثنين وخمسين بندا، كلها من رأي رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم). خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود. وقد دُون هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم.لقد جاءت الصحيفة لتمثل وثيقة تعايش و تفاهم بين مجتمع متعدد الديانات و القبائل وتؤسس لمجتمع مدني يلتقي في أجواء المواطنة لسكان مدينة يثرب . ومن الوثائق التاريخية الإسلامية نجد عهد أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام إلى لأشتر النخعي وهو يوصيه في كيفية إدارة شؤون مصر إذ تضمن العهد حوالي 49 بنداً تبين المرتكزات الأساسية في الادارة ، مثل واجبات الحاكم، ، والتجارة والصناعة والتنمية، وحقوق الفقراء، ومعاهدات السلام، إضافة لما تضمنه العهد من القواعد التشريعية السياسية والإدارية والقضائية والمالية، والنظريات الدستورية التي تضاهي أحدث القواعد حالياً، فقد عالج الإمام أنظمة حفظ التوازن الاجتماعي بين طبقات المجتمع الإسلامي التعددي. ومن وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر أن يكون محبَّاً للرعية ، محترماً لمشاعر الناس من أي فئة كانوا ، سواء كانوا مسلمين أم من أهل الأديان الأخرى . ولا يخفى أن في ذلك تثبيتاً لإنسانية الإسلام واحترامه لمشاعر الناس ، وتقوية لبنية النظام والحكومة .و قال (عليه السلام) : ( وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ ، واللُّطْفَ بِهِمْ . ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً ، تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ : إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ، وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ ) . ثمَّ أوصاه أن يعفو ويصفح عمَّن أساء واجترأ عليه ، أو على خاصته ، قال (عليه السلام) : ( فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وصَفْحِهِ ), ثمَّ ذكّره بأن يكون هدفه وغايته إقامة العدل ، وإحياء الحق ، الغاية والهدف الذي من أجله أُرسل الأنبياء والرسل ، حتى ينعم الناس بالعدالة والمساواة ، فبالعدل فقط تقوم الأنظمة وتستمر ، ويصير للحياة مفهومها ومعناها. ومن الوثائق الحقوقية التي يزخر بها التراث الإسلامي تأتي رسالة الحقوق للإمام زين العابدين علي ابن الحسين( عليهم السلام ) التي دونت في الربع الأخير من القرن الأول الهجري .و تضمنت مجموعة من الحقوق , منها حق الله سبحانه و تعالى وحق النفس وحق الرحم( الذي قسمه الإمام إلى حق الأم وحق الأب وحق الولد وحق الأخ) وحق الجار وحق الجليس وحق الصاحب وحق الخصم وحق الغريب وحقوق أهل الذمة. فقد جاء في الرسالة خمسون حقاً تطرق فيها للعلاقات الحكومية والقضائية والاجتماعية وذكر فيها التزامات الفرد اتجاه ربه وخالقه واتجاه أعضاء جسمه وعلاقاته الاجتماعية مع السلطان والجار وأهل بيته وغرمائه وأصحابه وعبادته وإعماله ، إنها رسالة حقوقية متكاملة وبرنامج تربوي لتأصيل حقوق أساسية في شخصية الإنسان وحياته الاجتماعية .ويقول الإمام عليه السلام في الديباجة لرسالة الحقوق: (اعلم رحمك الله، إن لله عليك حقوقاً محيطة بك، في كل حركة تحركتها أو سكنة سكنتها، أو منزلة نزلتها......وأكبر حقوق الله عليك، ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقه الذي هو أصل الحقوق، ومنه تفرع، ثم أوجبه عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك، على اختلاف جوارحك،....... فجعل لبصرك عليك حقاً، ولسمعك عليك حقاً، وللسانك عليك حقاً، وليدك عليك حقاً، ولرجلك عليك حقاً، ولبطنك عليك حق)
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|