انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

قضية الطبع والتكلف

الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 3
أستاذ المادة كاظم جاسم منصور العزاوي       10/06/2018 08:38:07
قضية الطبع والتكلف
لم يكن اللفظ والمعنى كل شيء في الشعر، وإنما هناك الطبع والشعور والملكة الشعرية والنفس الشعري. وقد أدرك ابن قتيبة أن اللفظ والمعنى أدنى الى الصورة الشعرية، وهناك أمور أخرى أدنى الى روح الشعر هي (الطبع). فالشعر في نظره إما متكلف أو مطبوع. لذلك وجدناه يقول في مقدمته بعد أن ذكر أبياتًا للخليل بن أحمد : ” وهذا الشعر بيِّن التكلف ردئ الصنعة . وكذلك أشعار العلماء ، ليس فيها شيء جاء عن إسماح وسهولة ، كشعر الأصمعي ، وشعر ابن المقفع ، شعر الخليل ، خلا خلف الأحمر ، فإنه كان أجودهم طبعًا و أكثرهم شعرًا ”
ويقول في موضع آخر : ” ومن الشعراء المتكلف والمطبوع : فالمتكلف هو الذي قوم شعره بالثقاف ، ونقحه بطول التفتيش ، وأعاد النظر فيه بعد النظر ، كزهير والحطيئة . وكان الأصمعي يقول : زهير والحطيئة وأشباههما من الشعراء عبيد الشعر ؛ لأنهم نقحوه و لم يذهبوا مذهب المطبوعين . وكان الحطيئة يقول : خير الشعر الحولي المنقح المحكك . وكان زهير يسمي كُبر قصائده الحوليات ”
وفي موضع آخر يقول : ” والمطبوع من الشعراء من سمح بالشعر واقتدر على القوافي ، وأراك في صدر بيته عجزه ، وفي فاتحته قافيته ، وتبينت على شعره رونق الطبع و وشي الغريزة ، وإذا امتحن لم يتلعثم ، ولم يتزحر ”. وهذا يعني ان الطبع يشمل القول على البداهة مثلما يشمل الصنعة الحقيقية التي لا تظهر على وجه الأثر الفني.
و هي قضية تناولها النقاد القدماء قبل وبعد ابن قتيبة وإن اختلفت تسمياتهم ، فابن سلام يتحدث عن ” القريحة ” والجاحظ عن ” الطبع ” و ” الغزيزة ” والقاضي الجرجاني عن ” الطبع ” و كل هذه الأسماء تشير على نحو ما إلى الموهبة اللازمة للإبداع الفني ، والاستعداد الفطري له.
و إذا كان ابن سلام قد تنبه إلى تميز شعراء في أغراض معينة فخص أصحاب المراثي بطبقة ، فقد جاء ابن قتيبة ليوضح ذلك أكثر و يبسط القول فيه ، حيث يقول: ” و الشعراء أيضًا في الطبع مختلفون : منهم من يسهل عليه المديح و يعسر عليه الهجاء . و منهم من يتيسر له المراثي و يتعذر عليه الغزل ”.

4 – قضية إثارة الإبداع أو دواعي قول الشعر :
لما كان الطبع يعني المزاج فلا بد لابن قتيبة من أن يلتفت الى الحالات النفسية وعلاقتها بقول الشعر، فتناولها من ثلاثة جوانب:
1- الحوافز النفسية الدافعة لقول الشعر: الطمع والشوق والطرب والغضب والشراب والمناظر الطبيعية. لذلك يقول ابن قتيبة في مقدمته بعدما تحدث عن الطبع والتكلف والصنعة : ” وللشعر دواعٍ تحث البطئ ، وتبعث المكتلف ، منها الطمع ، ومنها الشوق ، ومنها الشراب ، ومنها الغضب … وللشعر تارات يبعد فيها قريبة ، ويستصعب فيها ريضه". وقد جاء حديث ابن قتيبه عن بواعث الشعر ودواعيه بعد الحديث عن الطبع والتكلف و الصنعة وامتزج به ، والسبب واضح ؛ فالحديث عن الموهبة يجر إلى الحديث عما يثير هذه الموهبة ويحفزها على الإبداع .
2- العلاقة بين الشاعر والزمن، فبعض الأوقات لها تأثير خاص في المزاج الشعري كأول الليل.
3- مراعاة الحالات النفسية للمستمعين، ومن هنا علل بناء القصيدة العربية من استهلالها بالبكاء على الأطلال والنسيب (( إن مقصّد القصيد إنما ابندأ بذكر الديار والدمن والآثار فبكى وشكا وخاطب الربع واستوقف الرفيق ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين عنها... ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد، وألم الفراق وفرط الصبابة، ليميل نحوه القلوب ويصرف اليه الوجوه وليستدعي إصغاء الأسماع، لأن النسيب قريب من النفوس لائط بالقلوب لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو منه بسبب وضاربا فيه بسهم ، فإذا استوثق الإصغاء اليه والاستماع له عقب بإيجاب الحقوق). فغاية المقدمة لفت انتباه السامعين وإشراكهم في عاطفة الشعر. ثم يأتي بعد ذلك وصف الرحلة ثم الغرض الرئيس ( المدح) ثم الخاتمة وغالبا ما تكون حكمة. ولهذا يقوا ابن قتيبة:
ويرى ابن قتيبة ضرورة أن يبقى بناء القصيدة هذا متناسب الأجزاء معتدل الأقسام فلا يطيل في قسم منها فيمل السامعين ولا يقطع وفي النفوس ظمأ الى المزيد.
5– قضية التقليد و الاحتذاء أو التقاليد الفنية:
ميز ابن قتيبة بين التقليد الفني: الموروث الفني، وبين لغة الشعر المتطورة بتطور المجتمع وضرورة استجابة الشاعر لهذا التطور. وقج عدّ المقدمة الطللية تقليدا فنيا موروثا يجب الحفاظ عليه، ويرى أن الذوق لا يقبل التجديد، لذلك يقول في مقدمته بعدما تحدث عن بنية القصيدة الجاهلية : ” وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام فيقف على منزل عامرٍ ، أو يبكي عند مشيد البنيان ، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر ، والرسم العافي . أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما ، لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي . أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد ، لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيخ والحنوة والعرارة ”
ويبدو ابن قتيبة في كلامه هذا بصورة مخالفة للصورة التي تبادرت للذهن عند معرفة رأيه فيمن يتعصب للشعر القديم ، حيث يعلن أنه من أنصار المحافظة على التقاليد الأدبية في الشعر الجاهلي ، وفي المقابل نراه حريصًا أشد الحرص في ترجمته للشعراء على تتبع المعاني الدقيقة الحديثة التي يبتكرونها ويسبقون إليها.
ونراه في جانب اللغة قريبًا من التجديد حيث يدافع عن لغة أبي نواس فيقول : ” وقد كان يُلَحَّن في أشياء من شعره ، لا أراه فيها إلا على حجةٍ من الشعر المتقدم ، وعلى بينة من علل النحو ” .
ثانيًا / منهج ابن قتيبة في الترجمة للشعراء :
1 – معيار الاختيار :
يقول ابن قتيبة في مقدمته : ” هذا كتاب ألفته في الشعراء ، أخبرت فيه عن الشعراء وأزمانهم ، وأقدارهم ، وأحوالهم في أشعارهم ، وقبائلهم ، وأسماء آبائهم ، ومن كان يعرف باللقب أو بالكنية منهم . وعما يستحسن من أخبار الرجل ويستجاد من شعره ، وما أخذته العلماء عليهم من الغلط و الخطاء في ألفاظهم أو معانيهم ، وما سبق إليه المتقدمون فأخذه عنهم المتأخرون . وأخبرت فيه عن أقسام الشعر و طبقاته ، وعن الوجوه التي يختار الشعر عليها ويستحسن لها ” .
ثم يبين قصده فيقول : ” وكان أكثر قصدي للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جل أهل الأدب ، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب ، وفي النحو ، وفي كتاب الله عز و جل ، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأما من خفي اسمه ، وقل ذكره ، وكسد شعره ، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواص ، فما أقل من ذكرت من هذه الطبقة ” .
ومن ذلك نعرف أن مقياس ابن قتيبة في اختيار للشعراء الذين ترجم لهم هي الشهرة وكون الشاعر ممن يحتج بشعره ، وسبب عدم الترجمة لغير المشهورين أن أخبارهم وأشعارهم لا يعرفهم إلا قليل من الناس.
والحقيقة أن ابن قتيبة لم يصنف الشعراء إلى طبقات كما فعل ابن سلام من قبله وإن كان ذلك حاضرًا في عقله الباطن ، ولكنه اعتمد الترتيب التاريخي في ترجمته للشعراء إلى حد ما ، واستعرضهم دون موازنة بينهم أو مفاضلة بين السابق واللاحق كما فعل ابن سلام.
2 – معيار النقد :
يقول ابن قتيبة في مقدمته : ” و لم أسلك فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختارًا له سبيل من قلد ، أو استحسن باستحسان غيره ، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه ، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره ، بل نظرت بعين العدل على الفريقين ، وأعطيت كلاً حظه ، ووفرت عليه حقه ” .
فهو يعتمد جودة الشعر مقياسًا و ميزانًا في المفاضلة بين الشعراء الذين ترجم لهم بعيدًا عن العامل الزمني ، ثم ينتقد من يجعل العامل الزمني مقياسًا للمفاضلة بين الشعراء ، وقد سبقت الإشارة إلى رأي ابن قتيبة في المتعصبين للشعر القديم النافرين من الشعر الحديث .
3 – مدى تطبيق المعايير :
بلغ مجموع الشعراء الذين ترجم لهم ابن قتيبة 206 شاعرًا بين جاهلي ومخضرم وإسلامي، ومن عاصره من العباسيين ، فبدأ بامرىء القيس و ختم بالأشجع السلمي ، و من خلال تصفحي لبعض ترجمات الشعراء أرى أن ابن قتيبة قد حاول تطبيق معاييره التي ذكرها في مقدمته إلى حد كبير ، فاهتم بذكر اسم الشاعر ونسبه وقبيلته ، وذكر شيء من أخباره ، وذكر ما يستجاد من شعره ، وما سبق إليه وابتكره من معانٍ ، وما عيب من شعره ، كما كان حريصًا على الحكم على مواهبهم الشعرية من حيث الطبع والتكلف والصنعة.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .