معروف الرصافي والاصلاح بالشعر
الواقع الذي كان يعانيه من احتلال جديد بعد احتلال قديم جثم على صدره قرونا وفي واقع الشاعر الخاص الذي نأى في مراحل معينة من حياته بعيدا عن تلك النزعة المثالية .
? كان في مراحل اخرى معينة من حياته لاسيما مطلع حياته الادبية لا يعرف كيف يتخذ له موقفا ثابتا بإزاء ما يعتريه من احداث فردية او جماعية كانت سائدة ايام الشاعر في العقد الثالث والرابع من القرن الماضي فمعازف ابي القاسم الشابي وجبران خليل جبران وعلي محمود المهندس وإبراهيم ناجي وغيرهم من الشعراء والكتاب تملأ السماع والأفئدة وتخدرها بأحلام دافئة لكن الشاعر يعرض عن هذا فهل كان يصدر في قصائده عن الواقع ؟ وهل يمكن ان نقول بانه شاعر كلاسيكي؟
? في كثير من اشعار الرصافي وفي نص اوردته وصيته ( كل ما كتبت من نظم ونثر لم اجعل هدفي منه منفعتي الشخصية وانما قصدت به منفعة المجتمع ) يتضح من هذا النص ان الرصافي هيأ نفسه ليكون معلما او مصلحا اجتماعيا او زعيما جماهيريا بحيث يتخذ من الشعر اداة لتحقيق هذا الهدف وهذه هي مهمة الاتجاه الكلاسيكي ووظيفته التي تتلخص في كونها مهمة اخلاقية اصلاحية وتعليمية.
? وعلى هذا الاساس فالشعر عنده ليس غاية ادبية ولكنه وسيلة للنهوض بالواقع البارز المعيش ، يقول في ذلك مجسدا مهمة الشعر الاخلاقية والاصلاحية والتعليمية :
? وما ينفع الشعر الذي انا قائله اذا لم اكن للقوم في النفع ساعيا
ولست على شعري اروم مثوبة ولكن نصح القوم جل مراميا
ومالشعر الا ان يكون نصيحة تنشط كسلانا وتنهض ثاويا
وليس سري القوم من كان شاعرا ولكن سري القوم من كان هاديا
فعلمهم كيف التقدم في العلا ومن أي طرق يبتغون المعاليا
? ومن مشروعات الرصافي الاصلاحية انه دعا كزميله الزهاوي الى تحرير المرأة ومشاركتها للرجل في الحياة العامة كما دعا الى منحها الحرية في اختيار زوجها واباح لها ان تقوم بادوار تمثيلية في المسارح العامة فمن العار ان يتخذ الرجال زي النساء ليمثلوا ادوارهن اذ كان ذلك جاريا ايام الشاعر.
? وما العار ان تبدو الفتاة بمسرح تمثّلُ حالي ْعزة وإباء
? ولكن عارا إنْ تزيا رجالكم على مسرح التمثيل زيّ النساء
? ان الشعر عند الرصافي وشعراء مصلحين اجتماعيين آخرين ظهروا في النصف الاول من القرن الماضي اداة اصلاح ووسيلة نهوض وارتقاء لان الناس يحبون الشعر ويستمعون اليه لأنه يثير حماستهم ويؤجج عواطفهم او ربما كان الطريقة الوحيدة السريعة التي تهيؤ للشاعر الشهرة والمكانة المرموقة.
كان لا بد من ان يقوده الاصلاح بالشعر الى السياسة والقضايا الوطنية العامة خلاف زميله الزهاوي في كثير من الاحيان الذي آثر ان يتجنب ما استطاع الخوض في موضوعات تجر عليه الويلات فهاجم الرصافي السلطة العثمانية بجراءة وثبات حتى ظن الناس ان اسمه مستعار وحين احتلت بريطانيا العراق وقامت ثورة العشرين لم نجد لهذين الحدثين المهمين صدى واضحا في اشعاره وربما يفسر لنا ذلك طموحه الى التعيين في منصب كبير وفي سنة 1927 نظم قصيدة عنوانها ( الى اولي الامر ) وبعد العنوان نجد هذه الملاحظة (قال يخاطب رجال الحكومة ببغداد ).
? ولا ندري إن كانت للشاعر نفسه لو لمقدم الديوان وفي القصيدة ذاتها يقدم الرصافي نفسه على المسؤولين فقد يجدون فيه مبتغاهم فينظم الى ركابهم ولكن البيتين الأخيرين منها يؤكدان انه لا يريد لعرضعه ان يدنس فيزيل الصورة القاتمة التي تضمنتها الابيات الأولى ( يمكن مراجعة القصيدة في ديوانه الجزء الخامس ص 420 ) ولا نخطئ ففي القصيدة منحى آخر بذكره الحمق والطيش وفي هذا تعريض للمسؤولين ايام الشاعر.
? ان مواقف الشاعر وان اضطربت في بادىء الامر اتخذت فيما بعد سمة لم يساوم الرصافي او يهاون واستهوته السياسة فعمل فيها وطلع علينا بنماذج مختلفة الالوان متضادة الآراء حائرة التوجيه وقد يتضح هذا في مطلع حياته الادبية غير اننا اذا قرانا شعره السياسي كله لا نخرج بحلول علمية للمشكلات القائمة ولا بديل يقترحه الشاعر وقد يقال انها ليست من مهمة الشاعر اذ انها من مهمة السياسي فهو وحده الذي يقترح الحلول للمشكلات الاجتماعية والسياسية على هذا الاساس وجدنا في قصائد الرصافي ورهطه تكرر أفعال الامر بصورة كثيفة الامر الذي يشير الى الحركة الصراعية التي كانت تضطرم بها نفوس الشعراء ونقصد بالحركة الصراعية هذه الأوامر والنواهي في القصيدة فضلا عن موسيقى النص الصاخبة من خلال تكرار هذه الافعال واستخدامهم للاصوات المجهورة.
? ان الشاعر يحث في مثل هذه القصائد ويرشد الناس وقتئذ من اجل تعبئتهم باتجاه هدف واحد هو نفض غبار الخمول والكسل عن جفونهم ، ولا ينكر ان الرصافي كان قد اقلق السلطة السياسية انذاك بأشعاره السياسية وهي سلطات احتلال وحكومات قامت ايام الشاعر بل انه كان يلجأ بعض الاحيان الى السخرية في قصائده كقوله :
يا قوم لا تتكلموا ان الكلام محرّم
ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوّم
? وهكذا تترى افعال الامر والنهي والاستفهام والتحضيض والعرض وقد اراد من هذا النص السخرية ليكون مضادا مع السياسيين انذاك من مستعمرين وتابعين والحق فان في اشعاره السياسية كان يهدف الى خدمة وطنه اما الوسائل التي اتخذها للوصول الى مبتغاه وهل استطاع ان يحقق اهدافه في قصائده الحماسية فتلك مسألة اقل ما فيها يمكن ان يقال انه بذل جهدا او اقصى ما يستطيع فقال الذي قاله سواء اخسر ام ربح .
? جاءت قصائده تقريرية مباشرة وسطحية أي بصيغة النثر أي ان لغته كانت غير منحرفة ولا منزاحة لانه اهتم بالمضمون دون الشكل على الرغم من انه وزميله الزهاوي كان قد قال بالتجديد على مستوى اللغة وعلى مستوى الموسيقى ونظم قصائد تتفق مع تنظيره ولكنها لا تخرج على عد اصابع اليد الواحدة ولذلك قلنا انه غلب المضمون على الشكل لان المرحلة كانت تتطلب من ان يسير مع خطى المضمون لانه ذو مهمة اصلاحية وتعليمية واخلاقية.
? لم يستطع الشاعر قلب القوالب الشعرية القديمة او تغييرها تغييرا جذريا الا انه استطاع ان يخطو خطوات في تجديد موضوعاتها استطاع أي يضع في هذه القوالب التقليدية تفكير الجيل الجديد ومثله العليا وبعد ان كان يحوم الشعر في عالم الملوك والحكام توجه به الرصافي الى الناس ومشكلاتهم وواقع حياتهم ولم يكن الشعر قبل الرصافي يهتم بقضايا المجتمع وشؤونه فغمره الرصافي ومثله زميله الزهاوي بمشكلات الناس الحقيقية والمتصورة وادخلاه في صلب المجتمع.
? كان الرصافي متحررا من عقدة الخوف من الآخرين فقد كان شاعرا جريئا في القول والجهر بأمور لم يكن المجتمع العراقي يتقبلها تماما فقد تغزل بأبناء جنسه ووصف اجزاء جسم المرأة وصفا دقيقا مكشوفا كما كشف الشاعر عن جوانب خاصة جدا من حياته وجاهر بها في مجتمع لم يكن يرتضيها منها انه سكير يكثر من الشراب
اذا ما عقدنا مجلس الانس بالطلا فبيني وبين السكر خمس دقائق
? كما دعا الرصافي الى محاربة الفقر والنهوض والتعلم وكانت الامور العامة والمشكلات الاجتماعية تأخذ من وقته وتفكيره كثيرا ولا تدعه ينصرف قليلا الى الفن والشعر والتجاريب الذاتية ورأى على الناس ان يفكروا في مستقبل حياتهم لا أن يعيشوا علة الماضي مبررين كسلهم وغباءهم بأمجاد السلف.