انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

التشابهات التيبولوجية

الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة احمد عبد عباس مغير الجبوري       22/10/2017 17:37:59
التشابهات التيبولوجية والمذهب المادي الجدلي:
وفي مقدمة الاتجاهات النقدية ونظريات الأدب التي تتعارض مواقعها مع مواقع المدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن ومع دراسات التأثير والتأثر: الاتجاه الماركسي أو نظرية الأدب الماركسية، تلك النظرية التي تسمّى أحياناً "مادية" وأحياناً "جدلية" أو "ديالكتيكية"( ). فمن المعروف أنّ الفلسفة الماركسية، باعتبارها فلسفة مادية ديالكتيكية تاريخية، قد انتقدت الفلسفة الوضعية ورفضتها بشدة، وعدّتها اتجاهاً فلسفياً بورجوازياً. ولا عجب في ذلك. فالماركسية هي وريثة فلسفة هيجل الجدلية، وهي فلسفة تملك نظرة شمولية إلى الكون والمجتمع والثقافة والأدب. وهي ترى أنّ التطور التاريخي ليس عشوائياً، بل هناك قوانين وقواعد تتحكم فيه وتوجهه، وعلى رأس تلك القوانين قانون الصراع الطبقي. فالتاريخ من وجهة نظر ماركسية ليس تكراراً للماضي، بل حركة موجهة، حركة تجاوز وانتقال مما هو قائم إلى مرحلة أعلى وأرقى من مراحل التطور الناجم عن قوانين الجدل أو الديالكتيك. وتقول النظرية الماركسية بوجود علاقة جدلية بين القاعدة المادية أو البناء التحتي للمجتمع، وبين البناء الفوقي الذي تشكّل الثقافة والأدب أهمّ مكوّناته. وفي نظرتها إلى العلاقة بين البناء التحتي والبناء الفوقي، أي بين المجتمع والثقافة، ترجّح النظرية الماركسية كفّة الطرف الأول، أي البناء التحتي والمجتمع، وترى فيه الطرف الرئيس في المعادلة الجدلية. فالوجود المادي يحدد الوعي الاجتماعي، والبناء التحتي يتحكم في البناء الفوقي، أي في الثقافة والأدب، ويوجّه مسارهما. صحيح أنّ البناء الفوقي يؤثر في البناء التحتي، ولكنه يتأثر به بدرجة أكبر، ويظل البناء التحتي الطرف الرئيس في العلاقة الجدلية بين البناءين( ).
والأدب من وجهة نظر ماركسية، جزء من البناء الفوقي للمجتمع، يواكبه ويتطور بتطوره، ولذا فإن دراسة الأدب لا يجوز أن تتمّ بمعزل عن دراسة المجتمع، والتطورات الفنية والفكرية التي تظهر في الأدب لا يجوز أن تدرس بمعزل عن دراسة التطورات الاجتماعية. فالتطور الأدبي لا يتمّ بفعل العوامل الأدبية الداخلية وحدها، بل وبفعل تفاعل الأدب مع المجتمع وتعبيره عما يجري فيه من تطورات. إنّ تفسير الظواهر الأدبية الهامة، كنشوء وتطور الأجناس والتيارات الأدبية، لا يكون بإرجاعها إلى أسباب أدبية داخلية فحسب، بل بربطها بالمسببات الاجتماعية التي أحاطت بنشوئها وتطورها. أمّا الفلسفة الوضعية فهي لا تتفق مع الفلسفة الماركسية ونظرية الأدب الماركسية حول أيّ من مقولاتها، والتعارض بين الفلسفتين تعارض جذري. فما من فلسفة انتقدت الفلسفة الوضعية بالقوة التي انتقدتها بها الفلسفة الماركسية التي يعدّ نقد الوضعية جانباً رئيساً من جهودها النظرية، مما حوّل الخلاف بين الفلسفتين إلى واحد من أهمّ النقاشات في الفلسفة الحديثة( ).
كان من الطبيعي أن يحصل تناقض جذري بين أدب أساسه النظري هو النزعة التاريخية والفلسفة الوضعية، أي المدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن، وبين نظرية الأدب الماركسية التي تقوم على الفلسفة المادية الجدلية التي ترى في الأدب شكلاً من أشكال الوعي الإنساني الذي يعكس الوجود الاجتماعي المادي للناس مثلما تعكس المرآة الأشياء( ). فنظرتا هذين الاتجاهين إلى الأدب وقضاياه متعارضتان كلّ التعارض. صحيح أنّ الاتجاهين كليهما يقولان بتاريخية الأدب، وبإمكانية كتابة تاريخ الأدب، ولكن شتان بين تصوريهما لذلك التاريخ! فالمدرسة الفرنسية التقليدية في الأدب المقارن لا تهتمّ إلاّ بما ينجم عن عوامل التأثير والتأثر من نتائج أدبية. أمّا الاتجاه الماركسي فهو يرى أنّ هناك قوانين تتحكم في حركة الأدب وتاريخه. فتطور الأدب لا يتوقّف على عوامل التأثير والتأثر، ولا ينجم عنها بقدر ما هو ضرورة حتمية يمليها تطور المجتمع، أي البناء التحتي بالدرجة الأولى، والبناء الفوقي بدرجة أقلّ. وهذه القوانين عامة، تسري على الآداب كلّها. أمّا الفروق بينها فهي ترجع إلى فروق في درجات التطور الاجتماعي، وهي لا تلغي القوانين العامة لتطور الآداب والمجتمعات. فما يبرز في أحد الآداب من ظواهر أدبية هامة، كالأجناس الأدبية والاتجاهات الفنية، في وقت مبكر، نتيجة لتقدّم المجتمع الذي يحتضن ذلك الأدب، يظهر حتماً في الآداب الأخرى، لا بفعل علاقات التأثير والتأثر فحسب، بل بالدرجة الأولى نتيجة لتوافر الشروط والمقدمات الاجتماعية في المجتمعات التي تحتضن تلك الآداب، وإن يكن بفارق زمني قد يطول أو يقصر. فمسألة التطور الأدبي مرتبطة بالتطور المجتمعي، وهي مسألة وقت فقط. إن الآداب تمر بالمراحل التاريخية نفسها، وتشهد ظهور الأشكال الأدبية الرئيسية نفسها، من أجناس وتيارات أدبية وما إلى ذلك، مما يعني أنها تمر بمراحل التطور نفسها، ولكن ليس بصورة متزامنة. فهناك قانون يحكم تطور المجتمعات والآداب على حدّ سواء، هو قانون عدم التزامن (Ungleichzeitigkeit) .
والماركسية نظرية عالمية أو أممية، ترى أنّ مقولاتها تنطبق على المجتمعات والثقافات كلّها. صحيح أنها لا تنكر الخصوصية القومية للآداب والثقافات ولكنها لا توليها أهمية كبيرة. فالأساس هو التشابه بين الآداب والثقافات لأنها تعبّر عن أوضاع اجتماعية مشتركة بين المجتمعات البشرية. وهذه المجتمعات متشابهة رغم ما بينها من فوارق قومية. لقد ركزت الماركسية باستمرار على الجوانب الإنسانية العامة المشتركة بين الشعوب، وانتقدت النزعات القومية التي تغالي في تقييم دور الخصوصية القومية، واعتبرت تلك النزعات إيديولوجيات مضلّله تخدم مصالح طبقيّة، بورجوازية أو بورجوازية صغيرة، وتثير النزعات القومية بين الشعوب، وتغطي التناقضات الحقيقية في المجتمعات، أي التناقضات الطبقية. لذلك لا عجب في أن يدرس علماء الأدب المقارن ذوو النزعة الماركسية الأدب بصورة تتجاوز الحدود القومية الضيقة، أي حدود الآداب القومية، ومن أن تبشّر الماركسية في وقت مبكر، أي في أواسط القرن التاسع عشر، بظهور "أدب عالمي" يحلّ محلّ الآداب القومية( ).
ومن العوامل التي أدت إلى نشوء تعارض شديد بين الأدب المقارن التقليدي وبين نظرية الأدب الماركسية حقيقة أنّ لهذه النظرية توجهات عالمية أو أممية، الأمر الذي يصعب التوفيق بينه وبين منهج دراسات أدبية ينطلق من "الأدب القومي"، ولا يطمح إلى أكثر من أن يكمل تاريخ ذلك الأدب. ولذا لا عجب في ألا تكترث نظرية الأدب الماركسية بالأدب المقارن في أول الأمر، وألاّ تظهر في وقت مبكر مدرسة ماركسية في الأدب المقارن. فالدراسات الأدبية التي تسترشد بالماركسية تتجاوز الحدود القومية للآداب بطبيعة الحال، وتنطوي ضمنياً على عنصر المقارنة، وهي ليست مستعدة للتركيز على علاقات التأثير والتأثر، لأنها لا توليها كبير أهمية، ولا ترى فيها محركاً للتاريخ الأدبي وتطور الآداب. وهي ليست مستعدة أيضاً لأن تصرف النظر عن الجوانب الجمالية والذوقية للأدب مثلما تفعل المدرسة الفرنسية التقليدية. وباختصار فإنّ نظرية الأدب الماركسية والأدب المقارن التقليدي(دراسات التأثير) يقفان منهجياً على طرفي نقيض، ولا يجمعهما جامع. ولكن ألا تجمعهما النزعة إلى تخطي الحدود القومية للآداب؟ إنّ الأدب المقارن التقليدي يمكّن الباحث من أن يطلّ ما وراء حدود أدبه القومي، بل هناك من المقارنين التقليديين من يتسم بنزعة كوزموبوليتية (Kosmopolitisch)[وحدة الجنس البشري، العولمة] ، ولكنّ نقطة الارتكاز التي ينطلق منها الأدب المقارن التقليدي هي "الأدب القومي"، وما يتلقاه ويعطيه من مؤثّرات، وهذا ما لا تجاريه فيه نظرية الأدب الماركسية. فهي أقرب إلى ما يسمى "الأدب العام" منه إلى الأدب المقارن التقليدي( ).


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .