جذور الحداثة في التجربة الاوروبية
واجه النقاد صعوبات كثيرة في تحديد نشوء الحداثة ومكانها، وربما يعود ذلك الى الغموض الذي يكتنف المصطلح نفسه. والحداثة بحقيقتها اكبر من كونها محض حادثة طارئة جاءت نتيجة عوامل مختلفة، لانها مشكلة حضارية وجمالية في آن واحد. واذا نظرنا الى الحداثة من الناحية التأريخية، استناداً الى اطار واسع هو إطار التجربة الاوروبية، نجد انها تمثلت في الفكر الغربي القديم، المتمثل بالفكر اليوناني. فمن اهم جذور الحداثة الغربية هي الجذور اليونانية، والفكر الحداثي عند اليونانيين. يقول: (جيمس ماكفارلن) في كلمته (عقل الحداثة): "إذا كانت الصفة الغالبة للحداثة هي المزج وعدم التمييز بين الرفض والقبول، والحياة والموت، الرجل والمرأة [...] عندئذ لم تأت الحداثة بما هو جديد الا قليلاً. ان فكرة التوفيق بين الأضداد قديمة قدم (هيروقليدس). يذكر (هوسر) أن فكرة التوفيق بين الاضداد جاءتنا من فلسفة (نيقولا القوصي) ومن (جيوردانو برونو). وقد ذكر هذا المفهوم بطرق مختلفة، في القرن التاسع عشر". ومن الافكار الحداثوية التي نبعت من الفكر اليوناني وامتدت في الحياة الأوروبية هي (الاسطورة) التي اصبحت سمة ملازمة لفكر الحداثة وأدبها. يقول (هنري سوسمان) في كتابه (الصور البعدية للحداثة): "إن كتّاب الحداثة اليوم أحيوا الأوديسا والملاحم الأخرى لتكون دليلاً لهم في جولاتهم القصصية. وأصبحت كتب (هوميروس) تكون الاطار الحقيقي للقصة والقاعدة للنهج البنيوي، النهج الذي يُطعم به (أزرا بوندا) السلسلة الحائرة من قصصه والمادة الثقافية التي يتناولها مع غيرها من حضارات الصين وايطاليا وفرنسا" ويوضح (سوسمان) امتداد هذه الظاهرة الى جذورها اليونانية فيقول: "ويمكننا ان ندرك السبب الذي من أجله أصبحت الأساطير وصناعتها، وهي اداة ثقافية دائمة ومتغيرة ، موضوعاً متميزاً في التحليل البنيوي. ذلك لأن اساطير الاثار الكلاسيكية احتلت دوراً ، في الثقافة الغربية على الأقل، مماثلاً للدور الذي احتلت الأحماض النووية في علم الوراثة في القرن العشرين". ولكن لماذا نجعل من الفكر اليوناني اول حداثة عالمية؟ لانها حققت اهم صفات الحداثة وابرزها، وهي فعل تغييري، وفعل شمولي. فمن حيث التغيير نجد أن العالم بعد اليونان يختلف عن العالم قبل اليونان، والتراث اليوناني ظل اساساً وطيداً لكل انطلاقة فكرية، أي يقوم بفعل التغيير وما زال، لان معظم المذاهب الفكرية كانت تسعى الى تأصيل ذاتها بالعودة الى العصر اليوناني (العصر المحوري)، فالماركسية ، وهي من فلسفات العصر الحديث، تؤصل طريقتها بالعودة الى (هيراكليت)، وماديتها بالعودة الى (ديموقريط). وشيفرة فرويد ترجع برمتها تقريباً الى الفكر اليوناني، وهذا التغيير والتحول دليل على ان الفكر اليوناني كان يمثل اول حداثة شملت مختلف المجالات العقلية والنظرية والانسانية.
اما شموليتها فتتمثل في الغوص في الظاهرة حتى اعماقها، للوصول الى قانون ثابت وابدي. ويمكن أن نجمل أهم مميزات الحداثة اليونانية الاولى بما يأتي:
1. انها حداثة تغيير، اذ استطاعت ان تغير المجرى العام للثقافة، وهذا التغيير لايعني التغلغل في كل بقعة، وإنما شدّت اليها المراكز الثقافية في العالم، بدءاً من الحوض المتوسط حتى الهند، وكان لفتوحات عسكر الاسكندر الدور الفعّال في انتشار الحداثة اليونانية.
2. انها حداثة شمولية، فما من شيء إلا سعت اليه بصورة لم يسبق لها مثيل في دائرة الثقافة المتوسطية.
3. اهم مميزاتها هو مواجهتها للذات ومقابلتها، ومجادلتها، والوقوف امامها ومحاورتها.
4. حققت الحداثة اليونانية الوجود (الكاوس) لأنها اساس كل حداثة. أي انتظام لمذهب أوحدي، فلا يوجد مذهب من المذاهب إلا نقيضه الى جواره، ابتداءً من الشعر الغنائي الى الشعر التعليمي، ومن التزام سقراط بالعرف والانصياع للحكم الى تمرد الكلبيين على كل عرف.
5. انها حداثة زراعية والكتابات التي اكبرتها تأثرت كثيراً بشموخ العلوم النظرية من جهة، والفنون الأدبية والممارسات الفنية من جهة اخرى.
اما الحداثة الثانية فهي حداثة مدنية وصناعية، فهي منذ نهاية القرن الخامس عشر حتى القرن العشرين، اخذت تشكل كياناً شاملاً متكاملاً، ذا خصائص مميزة وهي: خصيصة البنية الكلية، وخصيصة السياق الشامل، وخصيصة الوعي النوعي. بمعنى ان الحداثة والنزعة الحداثية هي بنية المجتمع الحديث ووعيه لذاته.
ويرى (مارشال بيرمان) ان الحداثة الثانية، مرت بمراحل في اطارها التاريخي الشامل. وتبدأ المرحلة الاولى كما يرى ، منذ اوائل القرن السادس عشر وتستمر حتى نهاية القرن الثامن عشر، وذلك حين بدأ الناس يجربون الحياة الحديثة، دون ان يعوا تماماً حقيقة ما يجربون. ثم تبدأ المرحلة الثانية في تسعينيات القرن الثامن عشر، وذلك مع قيام الثورة الفرنسية، وجمهورها الثوري الذي أحس بأنه يعيش في عالم حديث يختلف تماماً عن العالم السابق. اما المرحلة الاخيرة فهي تبدأ في مطلع القرن العشرين، واخذت عملية التحديث في هذه المرحلة تتسع لتشمل العالم كله بالفعل، وتحقق ثقافة العالم النامية لنزعة الحداثة انتصارات مشهودة في الفن والفكر.
وقد حققت التجربة الاوروبية في مرحلتها الاولى ابتداء بشمالي غربي اوربا، الثورة الصناعية، وانطلقت من هذه المنطقة ايضاً حركة الاصلاح الديني البروتستنتية. وتقوم اطروحة (ماكس فيبر) على ان اساس حركة الحداثة ديانية تنتمي الى هذا العالم، وقد سعت الى الفصل بين الدين والدولة، بين الدين والسوق. وقد ساعدت اخلاقيات العمل التي ارستها، على تطوير الرأسمالية الصناعية، وكان من بين اهم العوامل في تأكيد اسس الحداثة، بروز الثقافة العقلانية، والعادات العلمية في التفكير والعمل. بمعنى بزوغ العلم منهجاً وممارسة.