انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الحداثة لغة واصطلاحا" وسيرورة

الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة سامر فاضل عبد الكاظم جاسم       4/20/2011 7:14:10 AM

الحداثة لغة واصطلاحا" وسيرورة"

          في المعنى اللغوي: يتحدد معنى الحداثة لغةً في قولهم: حدث الشيء يحدث حدثاً وحداثة وأحدثه فهو محدث وحديث. وكذلك استحدثه.. فالحديث هو إيجاد شيء لم يكن وابتدعه. والحديث والحدوث نقيض القديم والقدْمة، وكون الشيء لم يكن. وما ابتدع ، والمحدث هو الأمر المبتدع، واستحدثتُ خبراً أي وجدت خبراً جديداً، والحديث الجديد من الاشياء. والحدث هو الشباب أو الأمر المنكر الذي ليس معتاداً ولا معروفاً، العالم محدث أي له صانع وليس بأزلي، فالحداثة هي الجدة، وأول الأمر وابتداؤه(1).

 

        في المعنى الأدبي: على الرغم من ان مصطلح الحداثة مصطلح متجانس من حيث السؤال ما لحداثة؟ فإنه مصطلح ينطوي على قدر كبير من (اللا وحدة)، والتناقض، والنسبية على المستويين السوسيولوجي، والابداعي(2). والحداثة جدة في الابداع، وتحرر من إسار المحاكاة والتقليد، وذلك بإنجاز عمل لم يؤت بمثله من قبل، ولم يسبق اليه مبدعه على صعيد الشكل والمضمون، وفي الحداثة الشعرية تعبير عن روح العصر بأبعاده، وأحداثه وقضاياه، تعبيراً حضارياً، مما يعكس تغلغل الشاعر في عصره، وارتباطه بالحياة من حوله ارتباطاً عضوياً وجوهرياً(3). وليس للحداثة مواصفات محددة وطقوس معلومة، يمكن استيعابها والنسج على منوالها، كما انها ليست طقساً يحفظ عن ظهر قلب ويتبارى في تأديته، لانها مشروع مفتوح بين الشعراء، وشورى مستمرة بينهم(4).

 

        ان أول ما يجب ان نتناوله هو المصطلح نفسه وعلاقته بالمصطلح الاجنبي الذي هو الاساس، لان مصطلح الحداثة مصطلح غربيّ(5) ففي اللغتين الانجليزية والفرنسية انتشرت لفظتان هما Modernism وModernity واختلفت الترجمة العربية بين الحداثة، والعصرية ، والمعاصرة. اما في المعاجم فيكاد يكون الفرق ضيقاً في الترجمة. ففي المعجم نجد ترجمة كلمة Modernism بتعبير أو استعمال عصري، العصرانية، وModyernity بالعصرية أو كون الشيء عصرياً. إلا ان المعجم يضيف الى معنى كلمة Modernism أنها حركة الفكر الكاثوليكي لتأويل تعاليم الكنيسة في ضوء المفاهيم العلمية والفلسفية السائدة في القرن التاسع عشر(1).

 

        واختلط مصطلح الحداثة في العديد من الكتابات النقدية بمصطلح الحداثانية (المودرنزم)، فكان يوصف الشعر (المودرنزمي) بالشعر الحديث، بينما يكون من الدقة استخدام صفة لها علاقة بالمودرنزم، وهي Modernist أو Modernistic تجنباً للالتباس(2). ومصطلح الحداثة يختلف عن المودرنزم، اذ يمتلك مصطلح الحداثة دلالة محددة على ماهو جوهري وشامل في نزعة الحداثة دون تقيد باشتراطات مذهبية او ظلال قيمية  ومفهومية. ومنها تلك الخاصة بتحديد موقف أونطولوجي معين بازاء الحياة والانسان. اما مصطلح المودرنزم، فهو على الرغم من انه ينتمي الى الجذر اللغوي نفسه للمصطلح الأول، غير انه قد تمذهب بعد اضافة ISM اليه، فأصبح يدل على حركة معينة داخل الأدب الغربي مشروطة بوضع تاريخي معين(3). والمودرنزم هي بحقيقتها حركة لم تستغرق وقتاً طويلاً في اسبانيا، لكن كان لها دور فعّال في ربط الشعر في اسبانيا وامريكا اللاتينية بالشعر في اوربا. وقد ظهرت هذه الحركة في العقد الأخير من القرن التاسع عشر ولم تدم طويلاً(4).

 

        واستخدمت الحداثة في معظم الدراسات الأدبية والنقدية مقترنة بمصطلحات اخرى، ولهذا وجب علينا التفريق بينها، ومن هذه المصطلحات:

 

الأصالة: ان الأصالة ليست ذات دلالة زمنية حتمية، لأن العمل الأصيل هو "الإنتاج الجديد الذي يحدث في مجرى التأريخ، ضرباً من الانفصال وكأنما هو حقيقة فريدة تند عن كل تفسير وتفلت من طائلة كل مقارنة"(1)، والاصيل هو الانتاج الصادق الذي تنكشف لنا حقيقته كسر يذيعه علينا الفنان للمرة الاولى(2). فالأصالة بهذا المعنى ضد التقليد، ولا فرق بين ان يكون التقليد لآثار في اللغة العربية أو في لغة اجنبية، فالأصالة تعني التخلص من التقليد. ولكن هذا ليس هو المعنى الوحيد للأصالة، بل إن ثمة معنى آخر قد يتجاوز المعنى السابق، وهذا المعنى الثاني قريب من اصل الاستعمال اللغوي للكلمة، وهو شبيه بمعنى (العراقة) وقد عرفها (توفيق الحكيم) فقال : "وإن ما يسمونه العراقة في شعب ليس إلا فضائله المتوارثة من أعماق الحقب، وإن الإصالة في الأشياء والاحياء هي ذلك الاحتفاظ المتصل بالمزايا الموروثة، كابراً عن كابر، وحلقة بعد حلقة. هكذا يقال في شعب أو رجل او جواد، وهكذا يقال في فن أو علم أو أدب. عراقة الأدب هي طابعه المحفوظ المنحدر الينا من بعيد"(3) فالاصالة اذاً هي التأصل في الأصل والصدور عنه(4)، وبهذا كانت الاصالة تتضمن معنى الديمومة والاستمرار.

المعاصرة: على الرغم من استعمالها المبهم من حيث التحديد الزمني فإن معناها يتضح بملاحظة نقيضها وهو القدم، ومن هنا يبدو أن المعاصرة تمثل جانب الحركة التقدمية في مركب الديمومة الذي يكوّن الأصالة(5). غير انها قد تقترب من الاصالة إن عني بها تمثيل القيم السائدة في العصر الحديث والصدور عنها، مما يلد الجديد الذي لم يكن من قبل(1). وخير تحديد للمعاصرة هو البدء من الحاضر. ولما كانت المعاصرة تمثيل للقيم المألوفة في العصر الحديث، فإن بعض الباحثين قرنها ببدايات القرن العشرين، متجاوزين بذلك كل التواريخ التي تحدد بداية المعاصرة، عادّين ان التحديدات السالفة تقوم على مجرد الربط المادي بين المعاصرة وبين واحد من الاحداث التاريخية بلا مسوّغ حاسم ومقبول(2)، ومن هنا اقترنت بالتزامن(3).

الجدّة: وهي صفة الحديث أو المعاصر او سواهما، لكنها لاترتبط مثلهما بزمان ومكان محددين(4)، وقد ميز (ادونيس) بين الجديد والحديث فيقول: "للجديد معنيان: زمني وهو، في ذلك، آخر ما استجد، وفني، أي ليس في ما أتى قبله ما يماثله. أما الحديث فذو دلالة زمنية ويعني كلّ مالم يُصبح عتيقاً. كل جديد، بهذا المعنى حديث. لكن ليس كل حديث جديداً [...] الجديد يتضمن إذن معياراً فنياً لايتضمنه الحديث بالضرورة، وهكذا قد تكون الجدة في القديم كما تكون في المعاصرة"(5). وتفرق (خالدة سعيد) بين الحداثة والتجديد لشمولية الأولى وخصوصية الثانية، على أساس ان التجديد من مظاهر الحداثة، والجديد عندها "هو إنتاج المختلف المتغير [...] الجديد نجده في عصور مختلفة، لكنه لا يشير إلى الحداثة دائماً"(6) إن الاختلاف يحدد ماهية الجديد لتعبيره عن واقع متجدد، ولاستخدامه معايير تغاير الماضي ولا تنفيه أو تلغيه(7)، في حين ان الحداثة تشتمل على الجدة وتتجاوزها في آن واحد، ولذلك فهي ترتبط "بالانزياح المتسارع في المعارف وأنماط الإنتاج والعلاقات على نحو يستتبع صراعات مع المعتقدات [...] ومع القيم التي تفرزها أنماط الإنتاج والعلاقات السائدة"(1)، فـ(خالدة سعيد) ترى ان الحداثة لاتولد إلا من خلال التراكم المعرفي، وتنطلق من مرحلة الى اخرى، ومن هنا يمكننا القول ان الحداثة حركة فكرية شاملة لها خصائصها ومميزاتها وقوانينها.



(1) ينظر: كتاب العين، الخليل بن احمد الفراهيدي، مادة حدث: 354، ولسان العرب، ابن منظور، مادة حدث: 2/ 130-134، والمعجم الوسيط: 1/160، ومعجم الالفاظ القرآنية: 1/ 24.

 

(2) ينظر: كتاب المنزلات، منزلة الحداثة ، طراد الكبيسي: 1/11.

 

(3) ينظر: التأصيل والحداثة في الشعر العربي، محمود شلبي: 77.

 

(4) ينظر: الحداثة في الافق المغربي، نجيب العوفي: 84.

 

(5) ينظر: افق الحداثة وحداثة النمط-دراسة في حداثة مجلة شعر بيئة ومشروعاً ونموذجاً، سامي مهدي: 151.

 

(1) ينظر: قاموس المورد، منير البعلبكي: 586.

 

(2) ينظر: مدارات نقدية، فاضل ثامر: 170-171، وجدل الحداثة في الشعر، فاضل ثامر: 6-8.

 

(3) ينظر: م.ن: 171، و م.ن: 7.

 

(4) ينظر: نقد الحداثة، حامد ابو احمد: 147.

 

(1) ظواهر فنية في لغة الشعر العربي الحديث، علاء الدين رمضان: 18.

 

(2) ينظر: مشكلة الفن، زكريا ابراهيم، 128-129.

 

(3) الملك اوديب، توفيق الحكيم، المقدمة: 14.

 

(4) ينظر: صدمة الحداثة، ادونيس: 141 و159، والمعجم الادبي، جبور عبد النور: 25.

 

(5) ينظر: الرؤيا المقيدة- دراسات في التفسير الحضاري للأدب، شكري عياد: 29.

 

(1) ينظر: الحداثة الشعرية، عبد المجيد زراقط: 25.

 

(2) ينظر: عن اللغة والأدب والنقد -رؤية تاريخية. ورؤية فنية، محمد احمد العزب: 102-103.

 

(3) ينظر: فاتحة لنهايات القرن، ادونيس: 314، والشعرية العربية، أدونيس: 95.

 

(4) ينظر: ظواهر فنية في لغة الشعر العربي الحديث: 19.

 

(5) مقدمة للشعر العربي، أدونيس: 99 -100.

 

(6) الملامح الفكرية للحداثة، خالدة سعيد: 25.

 

(7) ينظر: تناقضات الحداثة العربية، كريم الوائلي: 3.

 

(1) الملامح الفكرية للحداثة: 25.

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .