انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 4
أستاذ المادة سعد علي عبد محمود المرشدي
24/02/2015 18:57:13
حاجتنا إلى الأدب المقارن: إنّ جوابنا عن تساؤلات كهذه هو أنّ عكس ذلك صحيح. فالثقافة العربية لم تكن في يوم من الأيام أحوج إلى الأدب المقارن ودراساته ومقارباته من حاجتها إليه في هذه الأيام. لماذا؟ إنّ أبسط تعريف للأدب المقارن هو أنه ذلك النوع من الدراسات الأدبية الذي يتجاوز في تناول الظواهر الأدبية الحدود اللغوية والقومية والثقافية للآداب. وهذا التجاوز أو تلك الإطلالة إلى ما وراء الحدود القومية للآداب قد أمست في أيامنا هذه أمراً لا غنى عنه لدارسي الأدب. فالآداب قد أصبحت متداخلة ومتشابكة بصورة لا مثيل لها في تاريخ البشرية، مما جعل من دراسة الظواهر الأدبية داخل الحدود القومية للآداب وبمعزل عن الامتدادات والتفاعلات الخارجية أمراً غير ممكن. هل يستطيع أحد أن يدرس الشعر العربي المعاصر دون أن يأخذ تفاعلاته الفنيّة والفكريّة مع الآداب الأجنبية في الحسبان؟( ) وإذا كانت تلك حال الشعر العربي، وهي مسألة لا تقلّل من أهميته وإنجازاته، فما بالك بأدب الرواية والقصّة والمسرحية؟! إنها تنطوي على تأثر بالآداب الأجنبية متعدد الأشكال، وهذا لا يضيرها أيضاً، بل يدلّ على حيويتها. فنحن نعيش في زمن غدا فيه الاكتفاء الذاتي للآداب ضرباً من الوهم. لقد مدّت الترجمة وتعلّم اللغات الأجنبية ودراسة الآداب الأجنبية والاطلاع عليها جسوراً بين الآداب لا سبيل إلى نسفها ولا إلى تجاهلها. وما دام الأمر كذلك فإنّ المنهج المقارن هو المنهج الأصحّ لدراسة الأدب في عالم اليوم. وهذا لا ينطبق على اتجاه مقارنيّ بعينه، بل ينطبق على الاتجاهات المقارنة كلها، بدءاً بالمدرسة التاريخية المعروفة بالمدرسة الفرنسية وانتهاء بالمدرسة التناصيّة، مروراً بالمدرسة النقديّة أو الأمريكية وبالمدرسة الماديّة الجدلية أو الماركسيّة. فإذا نظرنا إلى الأدب المقارن باعتباره العلم الذي يدرس(العلاقات الروحيّة الدولية) على حدّ تعبير المقارن الفرنسيّ غويار( )، نجد أنّ لنا مصلحة ثقافية كبيرة في أن نعرف ما يستقبله أدبنا من مؤثرات أدبية وفكرية أجنبيّة، وما يرسله إلى الآداب الأجنبية من مؤثرات أدبية وفكرية. إنّ مصلحتنا الثقافية تقتضي أن تكون علاقاتنا الأدبية بالعالم الخارجيّ علاقات متوازنة، بعيدة عن الانعزالية والتبعية. فاستقبال الآداب الأجنبية من قبلنا يعرّفنا بتلك الآداب وبشعوبها، وهذا مكسب ثقافيّ لنا. كذلك فإنّ استقبال أدبنا العربيّ في العالم من خلال الترجمة إلى اللغات الأجنبية يعرّف الأمم الأجنبية بثقافتنا ومجتمعنا وقضايانا ويبرز الوجه الحضاريّ لأمتنا( ). وهذا أمر بالغ الأهمية. فأعداء الأمة العربية حريصون كلّ الحرص على إخفاء منجزاتها الحضاريّة والتعتيم على ثقافتها، وهم يسعون لتقديم العرب للعالم في صورة شعب همجيّ ليس له حضارة. وعندما يتعرّف العالم الخارجيّ إلى أدبنا مترجماً إلى اللغات الأجنبية، يصبح أكثر تفهمّاً لقضايانا وتعاطفاً معنا. إننا نعيش في عصر تحققت فيه نبوءة غوته المتعلقة بالأدب العالميّ( ). فهذا العصر عصر(عولمة الثقافة). وفي هذا العصر تقدّم كلّ أمّة نفسها للعالم عبر أفضل ما لديها من إنجازات ثقافيّة. وعلى تلك الخلفية تحوّل التبادل الأدبي إلى شكل هامّ من أشكال التعارف بين الشعوب. وإذا نظرنا إلى الأدب المقارن باعتباره(علم العلاقات الأدبية الدولية) نرى أن هذا العالم يستطيع أن يقدّم لنا الشيء الكثير، وأن يساعدنا في صياغة علاقات أدبية متوازنة، تأخذ من الآداب الأجنبية أفضل وأجمل ما فيها، وتقدّم للعالم الخارجيّ أجمل وأفضل ما في أدبنا من أعمال. لقد تحوّل التبادل الأدبيّ إلى مقوّم رئيس من مقوّمات حوار الثقافات. والأدب المقارن يساعدنا في أن نشارك في ذلك الحوار بنجاح. وإذا أخذنا الأدب المقارن بمفهومه النقدي الذي يعرف بالمدرسة الأمريكية، ذلك المفهوم الذي يدرس الأدب المقارن بموجبه الظواهر الأدبية في جوهرها الجماليّ بصورة تتجاوز الحدود اللغوية والقومية للآداب من جهة، ويقارن الأدب بالفنون ومجالات الوعي الإنساني الأخرى من جهة ثانية، فإنّ استخدام هذا المنهج المقارن في دراسة الأدب العربي أمر عظيم الفائدة. فالعديد من ظواهر الأدب العربي لا يفهم بصورة سليمة إلاّ إذا استخدم المرء ذلك المنهج. هل يمكن أن تفهم أجناس رئيسة في الأدب العربي، كالمسرحية والرواية والقصّة القصيرة والأقصوصة، ما لم تؤخذ أبعادها الخارجية والعالميّة في الحسبان؟ وهل يمكن أن تفهم المدارس والاتجاهات الأدبية، الفنيّة والفكرية، في الأدب العربي الحديث بمعزل عن تلك الأبعاد؟ من يستطيع أن يفهم الرومانسيّة في الأدب العربي بمعزل عن تأثرها بالرومانسيّة في الآداب الأوروبية؟! ألم يتفاعل الأدب العربي، قديمه وحديثه، مع الاتجاهات الفكريّة الأجنبيّة، بدءاً بتفاعله مع الفلسفة اليونانية القديمة والحكم الهنديّة والفارسيّة، وانتهاء بتفاعله مع الفلسفتين الأوروبيتين الحديثتين الوجودية والماركسية؟( ) وماذا عن علاقة الأدب العربي بالفنون التشكيلية وبالموسيقى والغناء؟ أليس من المثير معرفيّاً أن تدرس تلك العلاقة وأن يظهر الباحثون أوجه التشابه والاختلاف بين تطوّر تلك الفنون وبين تطوّر الأدب العربي؟ وماذا عن عالميّة الأدب العربي؟ إنّ مفهوم(الأدب العالمي) هو أحد المفاهيم الرئيسة في الأدب المقارن، ونحن معنيّون بأن يتجاوز الأدب العربي حدود المحليّة، وأن يُعترف به كأحد الآداب الكبرى في العالم. وهذا لا يمكن أن يتمّ ما لم يترجم أفضل أعماله إلى اللغات الأجنبية، ويقدّم نقديّاً بصورة مناسبة، ويستقبله المتلقون في العالم على نطاق واسع. أمّا العلم الذي يرصد مدى نجاح الأدب العربي في بلوغ العالميّة إنتاجاً وترجمة وتوسيطاً واستقبالاً فهو الأدب المقارن، الذي يمكن أن يكون دليل الأدب العربي إلى العالميّة. وهناك اتجاه رئيس آخر في الأدب المقارن يرى فيه علماً يدرس التشابهات التيبولوجية أو النمطيّة بين الآداب. فالتشابه بين أدب قوميّ وأدب قوميّ آخر أو مجموعة من الآداب القوميّة الأخرى لا يرجع إلى عامل التأثير والتأثر فقط، بل هناك من التشابهات بين الآداب ما ليس له بالضرورة علاقة بذلك العامل. إنها التشابهات التي أطلق عليها المقارن الروسيّ الشهير فيكتور جيرمونسكي[...] تسمية(التشابهات التيبولوجية أو النمطية)( ). ودراسة هذه التشابهات بين الأدب العربي وبين الآداب الأخرى، قريبة كانت كالأدبين الفارسيّ والتركيّ، أم نائية كآداب الصين واليابان وفيتنام والفلبين وأمريكا الجنوبية، يمكن أن تساعدنا في فهم كثير من جوانب أدبنا، كخصوصيّة الأجناس الأدبية فيه، أو خصوصية التيارات والمدارس الأدبية وتوقيت ظهورها. إن دراسة التشابهات التيبولوجية تظهر لنا ما هو عامّ ومشترك بين أدبنا وبين الآداب الأخرى، وما هو قوميّ وخاصّ بذلك الأدب، وهذا مكسب معرفيّ كبير لنا. وفي الأعوام الأخيرة ازدهر في الدراسات المقارنة ذلك النوع من الدراسات الذي يتخذ من نظرية التناصّ أساساً له. وشيئاً فشيئاً يحلّ هذا النوع من الدراسات محلّ التأثير والتأثر التي يقدّم نفسه بديلاً لها. إن دراسة علاقات التناصّ بين أعمال من الأدب العربيّ وأعمال من الآداب والثقافات الأجنبية هي مكمّل جيّد لدراسات التلقي الإبداعيّ. فهذا يؤدي بالضرورة إلى ظواهر تناصّ بين الأدب العربي والآداب الأجنبية. إنّ الدراسات المقارنة التي تستند إلى نظريتي التناصّ والتلقي الإبداعيّ المنتج كفيلة بتصحيح النظرة إلى علاقة أدبنا بالآداب الأجنبية، وبأن تضع حدّاً لكلّ ذلك الجدال حول(السرقات الأدبية) وحول خضوع الأدب العربي الحديث لمؤثرات أجنبية أفقدته أصالته. فالنصّ الأدبي العظيم، المتطوّر فنيّاً وفكريّاً، هو بالضرورة نصّ ينطوي على درجة عالية من التناصّ والتأثر والتلقي الإبداعيّ. لقد وضعت نظرية التناصّ ودراساتها مسألة الأصالة في سياقها الصحيح، وأظهرت أنّ النصوص الأدبية متشابكة ومترابطة فيما بينها بصورة لا تنفصم، وأنه ما من نصّ إلاّ ويحمل في طياته علاقات وثيقة مع عدد كبير من النصوص الأخرى، وكلّما كانت درجة التناصّ أعلى كان العمل الأدبيّ أعظم وأكمل( ). إنّ دراسة علاقات التناصّ بين أعمال من الأدب العربي وبين الآداب والثقافات الأجنبية هو أمر ينطوي على فائدة معرفية كبرى. وهذه الدراسة لا تقلل من أهمية الإنجازات الفنيّة والفكريّة التي حققها الأدب العربي الحديث، بل تضع حدّاً لمحاولات الانتقاص من تلك الإنجازات عبر(الكشف) عن مؤثرات أجنبية فيه. فليس العيب أن يتضمّن الأدب العربي الحديث مؤثرات كهذه، بل العيب كلّ العيب هو أن يخلو من تلك المؤثرات. فهي دليل على أن الأدب العربي الحديث أدب حيّ، يتفاعل مع الآداب والثقافات الأجنبية مستقبلاً ومرسِلاً.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|