انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الانتقال او حدود الأدب المقارن

الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة سعد علي عبد محمود المرشدي       23/01/2015 17:46:16
الانتقال وحدود الأدب المقارن
"لا شك أن أية دراسة في الأدب المقارن لا بد أن تخضع لأحد مناهجه التي تتناول دراسة الموضوعات أو النماذج أو الأفكار والتيارات. وكل هذه المناهج لا بد لها أن تعتمد على ثلاثة حدود وهي: (المرسل) من الأدب المؤثر. وقد يكون كتابا، أو تيارا، أو نوعا، أو كاتبا، أو فكرة،، و(الآخذ) ويقصد بذلك الأدب المتأثر، أو الأديب، أو الكتاب، أو التيار الذي وقع عليه التأثير. ثم(الوسيط) وهو الذي قام بذلك العمل، أي قام بالنقل من أمة إلى أمة، ومن أدب إلى أدب، وقد يكون المترجم، أو مدرسة فكرية، أو جماعة مستوطنة أو ما أشبه ذلك، وللسفر وللدوريات الأدبية أثر في ذلك النقل أيضا"( ). وتلك الحدود هي:
أ)) المرسل: "وفي سبيل الوضوح سنضرب عددا من الأمثلة لنماذج مختلفة مما نسميه بـ(المرسل) من الآداب والكتب والأنواع ليكون ذلك واضحا في أذهاننا:
فإن الأدب البابلي في حكايات الحيوان، والمعارضات بين الجماد والحيوان، وملحمة كلكامش، يمكن أن نعتبره من الآداب المرسلة فحكايات الحيوانات كانت قد نشأت في هذا الأدب الذي هو أقدم آداب الأرض، وساعد على نشأة بعض الآداب أ أثر تأثيرا مباشرا في بعضها الآخر. فقد أثر في حكايات أيسوب اليوناني، وفي حكايات بوذا الهندية.
وأن المعارضات والمناظرات بين الجمادات والحيوان كانت نوعا من أنواع الأدب البابلي سرعان ما انتقل إلى الأدب البهلوي الفارسي، وترعرع هذا النوع فيه ثم انتقل إلى الأدب العربي[...]، وأن شخصية كلكامش قد أثرت في آداب عدة، منها الأب اليوناني الذي رسم شخصية هيروكليس بطل اليونان على غرار شخصية كلكامش شجاعة ونسبا.
وأثرت قصة الطوفان تأثيرا عنيفا في الأدب العبري، وظهر ذلك واضحا في التوراة [على وفق الصورة الموجودة بين أيدي الناس]"( ).
"ويمكن أن نعد الأدب اليوناني مرسلا على ثلاث مراحل، منها: تأثيره في الأدب الروماني الوريث الشرعي لهذا الأدب، ثم أثره في الفكر العربي والأدب العربي عن طريق الفلسفة وكتابي الخطابة والشعر[لأرسطو]، ومما حمل في البلاغة العربية من أثر لليونان، ثم أثره في نهضة أوربا الحديثة وما تركته الأساطير اليونانية من أثر في شعر الأدباء الأوربيين في القرون الحديثة، وقد انتقل هذا التأثير[...] إلى بعض شعراء الشعر الحر في عالمنا العربي"( ).
وعلاوة على تأثير المفرد العربي في لغات أخر( )، فالقرآن الكريم "(مرسل) آخر لا على النطاق الديني، ولكن على النطاق الأدبي. ففي العصر الوسيط كان القرآن الكريم أحد المصادر التي اعتمد عليها(دانتي) في كتابة ملحمته(الكوميديا الإلهية)، [...] وفي القرن التاسع عشر[...] كان القرآن(مرسلا) في(الديوان الشرقي للشاعر العربي) لـ(جوته)"( ).
"فالمرسل إذن هو الأدب، أو النوع، أو التيار، أو الكتاب، أو الكاتب الوافد الذي ترك أثرا ما في أدب آخر لأمة أخرى. وكلما انفرد(المرسل) وتحدد في كتاب، أو كاتب، أو نوع أدبي واحد، أو في مفردات لغوية محددة في لغة واحدة، كان ذلك أجود في الدراسة، وأدق، في الوصول إلى حكم علمي سليم. وإن(المرسل) حين يصل إلى أدب ما يسمى ذلك بـ(الانتشار)، ويتم ذلك بالترجمة أو بالشهرة بحيث يصل أثر لغته فيقرأ في بلد آخر، ومن علامات الانتشار والقبول ما يثيره (المرسل) من نقاش وجدل حول ما يطرحه ثم يظهر أثره بعد ذلك في التقليد والمحاكاة، كما حدث بالنسبة لكتاب(ألف ليلة وليلة) ثم الاستعارة منه لأفكار، أو لشخصيات، أو لحالات خاصة، أو لعواطف معينة"( ).
"ولا نشك أن الصدف المحضة قد تلعب دورها في ظهور أعمال تكاد تكون مؤثرة أو متأثرة في بلدان أخرى، في الوقت الذي يجزم فيه البحث العلمي بعدم وجود هذا التأثر والتأثير. ويمكن أن نشير في ذلك إلى ملحمة(دانتي)، و(رسالة الغفران) لأبي العلاء، ورسالة (التوابع والزوابع) لابن شهيد الأندلسي. وأن الثلاثة كما توصل البحث العلمي لم يصل إلى عمل الآخر مع تفاوت الزمن وبعد البيئة المكانية لكل منهم"( ).
"ويمكن أن نوجز تأثيرات(المرسل) بما يلي:
1) يمكن أن يؤثر المرسل بالموقف الفكري أو الفلسفي العام كروح التفاؤل والتشاؤم، أو بالنظر إلى المسائل الكبرى التي بحثها المفكرون الكبار.
2) وقد يكون تأثير المرسل فنيا يخضع للموضوع، أو الشكل، أو النوع، أو الوزن.
3) وقد يكون التأثير في تقليد النموذج الذي يخلقه الكاتب في القصص أو الروايات، مثل تقليد شخصية فاوست، أو السندباد، أو علي بابا، أو ما شابه من أبطال خرافيين أو تاريخيين"( ).
ب)) الآخذ: لقد عرفنا في كلامنا عن(المرسل) بعض نماذج الآداب واللغات والكتب والأنواع الأدبية التي أطلقنا عليها اسم(المرسل)، وإذا نظرنا في الآداب والأمم التي تسلمتها عرفنا من ذلك من هو الآخذ لها[...] وكذلك إذا ما ذكرنا كتاب(كليلة ودمنة) الهندي فإن الأدب الهندي يكون مرسلا، ويكون الأب العربي القديم آخذا وهكذا. (فالآخذ) إذن هو الأدب، أو الأديب، أو الكتاب الذي يتأثر بغيره، أو لغة الأمة المتأثرة بلغة أخرى، على أن يكون هذا التأثير أجنبيا قد جاء من الخارج وحُمل إليها من خارج الحدود. وبذلك يكون(الآخذ) هو المتلقي من (المرسل)"( ).
"وعند دراسة موضوع ما نسأل عن كيفية تلقّيه، ويمكن للباحث أن يسأل عددا من الأسئلة حسب موضوع البحث، يمكن أن نجملها في هذا السؤال المركّب وهو: من أين استمدّ الكاتب هذا الموضوع، أو هذا الشكل الفني، أو هذه الفكرة، أو هذا النوع، أو هذه العروض ... إلخ؟"( ).
"وفي الواقع يمكن تحديد التلقي ودرجاته بتقسيمه على قسمين:
1/ التلقي من المصادر الفردية: وقد يكون المصدر كتابا واحدا، أو جزءا من كتاب، أو مجموع أعمال[كاتب] واحد، ويمكن أن يلاحظ هذا في رسم الشخصيات في القصص والروايات والمسرحيات.
2/ التلقي من المصادر المجتمعة: ويلاحظ هذا من دراسة مجمل تكوين الكاتب الفكري في أحد أعماله أو كلها؛ لمعرفة مقدار التأثرات ونوع المؤثرات، فمثلا: إذا ما نظرنا إلى(كتاب الديوان الشرقي للشاعر العربي) للشاعر الألماني(جوته)، يمكن أن نحدد ثلاثة مؤثرات وهي:
[أ] المؤثر العربي: ويضم أثر الأدب العربي، والقرآن، والحديث.
[ب] المؤثر الهندي: ويضم أثر الأدب الهندي الكلاسيكي القديم.
[ج] المؤثر الفارسي: ويضم أثر شعراء الصوفية مثل حافظ وغيره من شعراء الفارسية.
وإن هذا يقتضي معرفة بالأدبين عند الدراسة لمعرفة طبيعة ما أخذ من الأدب المؤثر، ومعرفة ما استحال إليه التراث المؤثر في الأديب بعد صياغته بلغة أخرى"( ).
"ويمكن أن نضيّق أو نوسّع المجال في هذا النوع من الدراسات إلى أن تشمل أثر مجمل أدب ما في أدب أمة أخرى، وكلما ازداد تدريب الباحث وممارسته، وكثرت الدراسات المساعدة كان أقدر وأكثر تمكنا في الدخول إلى هذا النوع من البحوث المركبة"( ).
ج)) الوسيط: أشهر طريقة "من طرائق الانتقال هي(الترجمة) المباشرة التي يقوم بها أفراد معينون إما لكل الأثر، أو لجزء منه. وقد يكون التجار، والجاليات، والعبيد في الماضي، والاحتلال العسكري والاستيطان، أسبابا معقولة لهذا النوع من الانتقال جزءا أو كلا". فـ"المسرحية الأوربية(الفرنسية والإنكليزية) هي(المرسل)، والأدب العربي هو(الآخذ) والمترجم أو المعرّب هو(الوسيط)[...] ومثل ذلك كتاب(ألف ليلة وليلة): فهو بشكله العربي يعتبر(مرسلا)، والأدب الأوربي في القرن التاسع عشر يعد(آخذا)، ومترجموه هم(الوسطاء) في هذا الأمر. فالوسيط هو الذي قام بنقل تراث أمة ما إلى أمة أخرى، إما بجهد فردي أو جماعي"( ). وعلى ذلك فمن أنواع الوسيط:
1- "الوسيط المفرد: وقد يكون الوسيط من أبناء الأمة الآخذة، أو الأمة المأخوذ عنها، وقيمة هؤلاء الوسطاء هي تقريب تراثين من بعضهما إلى درجة التماس والتأثر والتأثير"( ).
2- "وسطاء البيئة الاجتماعية: وهذا النوع من الوسطاء يكونون بحكم وضعهم الاجتماعي عوامل مساعدة على نقل أدب ما من أمة إلى أمة أخرى، وأمثال هؤلاء: الجمعيات الأبية، والصالونات الأدبية، والبلاطات، والمدارس الدينية، والجاليات، وكثيرا ما تكون هذه البيئات من الوسطاء مسؤولة عن شيوع مذاهب فكرية ونقدية، وعقائد، وآراء شاملة متكاملة"( ).
3- "النقد والصحف والمجلات: وهذه تكون وسيطا جيدا إما بنشر النصوص القديمة، وإما الترجمات، ويمكن التمييز هنا بين المقالات التي تقدّم الفكر الأجنبي، والمقالات التي تقدّم نقدا حوله"( ).
4- " الترجمات والمترجمون: والترجمة أجود وسيط وهي تلي ما ينشر عن المرسل ويقتبس منه، ويكون دور الترجمة في نقله كاملا، ولكن الترجمة لا قيمة لها إذا لم تكن نقية وأمينة جد1. وعلى الباحث المقارن أن يلاحظ إذا ما كانت الترجمة كاملة أو ناقصة؛ لأن سقوط بعض الترجمة يسقط بعض أثر الكتاب. وإن مقارنة ترجمات الكتاب الواحد، ورصد الخلاف هي جزء من أعمال المقارنين حيث يرصد من خلال تبدل أذواق المترجمين"( ).
"ويمكن أن نجمل أثر عمل الأدب المقارن فيما يخص دراسة المرسل، والآخذ، والوسيط، هو ملاحظة ما يلي:
1- وصف كيفية انتقال(المرسل) إلى خارج حدوده اللغوية.
2- وصف نوعية(المرسل)، وتحديد صفاته من حيث كونه: نوعا أدبيا(كالرواية والمسرحية)، أو مذهبا أدبيا(كالكلاسيكية والرومانتيكية)، أو شكلا فنيا(كالقصيدة أو الموشحة)، أو أسلوبا (كاستعمال طريقة اللاشعور واللاوعي في السرد القصصي)، أو موضوعا(مثل: موضوع السفر إلى العالم الآخر)، أو أسطورة(مثل: السندباد، أو المجنون، أو الغول ذو العين الواحدة).
3- كيفية الانتقال، ومعرفة الوسيط، وكمية ما انتقل، ومقدار ما أهمل من ذلك، وما[...] الأسباب؟"( ).
"وعلينا أن نراعي بعض الأمور في مثل هذه الدراسات:
1/ عدم الاطمئنان إلى الأحكام التقريبية التي تستند إلى الاحتمالات، وتقوم على التخمينات فهي كثيرا ما تجعل أحكامنا خاطئة.
2/ محاولة[معرفة] التأثيرات الثقافية والتكوين الفكري الأول للآخذ، فكثيرا ما يكشف لنا عن كيفية حدوث تأثير ما في آثاره.
3/ متابعة ما ينشر في الموضوع؛ لمساعدتنا على اكتشاف الدراسات الجديدة التي قد تساعدنا كثيرا على استكمال النقص في دراساتنا، والإجابة عن الأسئلة التي نظنها بلا حلول"( ).


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .