انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 2
أستاذ المادة ادريس حمد هادي الموسوي
10/01/2013 07:42:37
المكيّ والمدنيّ من القرآن الكريم: اهتمّ علماء القرآن بدراسة المكيّ والمدنيّ من الآيات؛ لأنّ معرفة ذلك طريقٌ ضروريّ لمعرفة الناسخ والمنسوخ من الأحكام، ولا يمكن لفقيه أن يعرفَ الحكم الشرعيّ إلّا بعد أن يدرسَ الناسخ والمنسوخ، لكي يصلَ إلى الحكم النهائيّ الذي استقرّ عليه الأمر. وبالإضافة إلى هذا فإنّ معرفة المكيّ والمدنيّ من الآيات يقودنا برفقٍ في مسيرة الدعوة في رحلة طويلة من بداية المرحلة المكيّة التي بدأت بعد البِعثة إلى نهاية العصر المدنيّ الذي توقّف بوفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم، ولكلّ مرحلة زمنيّة خصائصُها وموضوعاتُها وأساليبُها.فمن الطبيعيّ أن يتوجّه اهتمام العلماء والباحثين إلى معرفة المكيّ والمدنيّ من الآيات، لمواكبة مسيرة الدعوة، ولرصد ذلك التدرّج المُحكَم للتشريع، من بدء الرسالة إلى نهايتها. وكان نزول القرآن الكريم في أماكن مختلفة فمنه ما نزلَ مكيّاً ومنه مدنيّاً ومنه سَفَريّاً أي أثناء سفر الرسول صلّى الله عليه وآله ومنه حَضَريّاً أي أثناء وجوده في مكان إقامته، ومنه ليليّاً أي في الليل أو نهارِيّاً أي في النهار وغير ذلك. تحديد المكّيّ والمدنيّ عند العلماء: يرى بعض العلماء أنّ المكيّ ما نزل بمكّة فقط ولو بعد الهجرة والمدنيّ ما نزل بالمدينة، ويدخل في مكّة كلّ ما قرُب منها ومن ضواحيها، كعرفات ومِنى والحُديبية، ويدخُل في المدينة ما قرُب منها، كبدر وأُحد وغيرها من الأماكن، و هذا التحديد قائم على اعتبار المكان. وبعض العلماء وهو الأشهر، يُطلِق المكيّ على ما نزلَ بمكّة قبلَ الهجرة إلى المدينة، وإن كان بالمدينة، ويطلق المدنيّ على ما نزل بعد الهجرة وإن كان بمكّة، وهذا التحديد قائم على اعتبار الزمان فقط.والزمان يجسّد المرحلة التاريخيّة ويعبِّر عنها، ومن اليسير في ظلّ هذا التحديد تطبيق الخصائص الزمانيّة المتعلقة بكلٍّ من المكيّ والمدنيّ، وهو تقسيم سليم من هذا الجانب، وييسّر الأمر على الدارس والباحث.وبهذا الاعتبار تعتبر آية: ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً? ضمن الآيات المدنيّة مع أنّها نزلت بمكّة وبعرفة تحديداً أثناء حجّة الوداع. وبعض العلماء يرى أنّ المكيّ ما كان خطاباً لأهل مكّة، والمدنيّ ما كان خطاباً لأهل المدينة، وبناء عليه، فكلّ خطاب بدأ بلفظ «يا أيّها الناس» فهو مكيّ، لأنّ غالب أهل مكّة كانوا كافرين، وكلّ خطاب بدأ بلفظ «يا أيّها الذين آمنوا» فهو مدنيّ، لأنّ غالب أهل المدينة كانوا مؤمنين. فوائد التفريق بين المكيّ والمدنيّ: اهتمّ العلماء بدراسة المكيّ والمدنيّ من الآيات، وتتبّعوا أقوال الصحابة في ذلك، فلا سبيل إلى معرفة ذلك إلّا عن طريق الصحابة الذين عاصروا وقتَ النزول، وعايشوا تلك المرحلة الزمنيّة، واهتمام العلماء بذلك مؤشّر واضح على عناية علماء المسلمين بالقرآن، وتوثيق للقرآن، وتتبّع مراحل نزوله، وتحديد تاريخ كلّ آية وموطن نزولها.وهذا التفريق ساعد العلماء على تحقيق ما يلي: أولاً: تحديد خصائص كلٍّ من الآيات المكيّة والمدنيّة عن طريق الاستقراء والتتبّع، من الناحية الموضُوعية والأسلوبيّة. ثانياً: دراسة مراحل تاريخ الدعوة الإسلامية خلال المرحلتين المكيّة والمدنيّة، وتوثيق روايات السيرة النبويّة، المرتبطة كلّ الارتباط بالقرآن والسُنّة النبويّة. ثالثاً: معرفة الناسخ والمنسوخ من الآيات والأحكام، وهذا أمرٌ كبيرُ الأهميّة، لأنّ النسخ وقع في القرآن، ومعرفة المتقدّم والمتأخّر من الآيات هو السبيل الوحيد لمعرفة الناسخ من المنسوخ. رابعاً: فهم النصوص القرآنية عن طريق معرفة تاريخ القرآن، والظروف التي أدّت إلى نزول الآيات، واستنتاج منهج الدعوة الإسلامية في الخطاب والإقناع. واستطاع العلماء بعد جهد كبير وتتبّع دقيق أن يعرفوا المكيّ والمدنيّ من الآيات، ومن الطبيعي أن يقع الاختلاف في بعض الآيات، نتيجة تعدّد الروايات فيها، إلّا أنّ ذلك الالتباس من الممكن التغلّب عليه، والآيات المكيّة معروفة والآيات المدنيّة كذلك. وعدّد «الزركشي في البرهان» و«السيوطي في الإتقان» كلّاً من السور المكيّة والسور المدنيّة، فالسور المكيّة خمسٌ وثمانون والسور المدنيّة تسعٌ وعشرون، على اختلاف الروايات، ووقع الاختلاف في اثنتَي عشرة سورة، ويبدو أنّ سبب الخلاف هو أنّ بعض السور نزلت بين مكّة والمدينة أو أنّ بعضَ آياتها مكيّ والبعض الآخر مدنيّ، وهو خلاف يدلّ على جديّة الاهتمام بالأمر، ودقة تتبّع الروايات الواردة عن الصحابة. ومن أمثلة السور المدنيّة: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وبراءة(التوبة)، والرعد، والنحل، والحجّ، والنور، والأحزاب، ومحمّد، والفتح، والحُجُرات. ومن أمثلة السور المكيّة:العلق، و المزَّمِّل، و المُدَّثِّر، والمَسَد، والتكوير ، والأعلى. ومن أمثلة السور المُختَلَف فيها سورة الفاتحة، فذهب الأكثرون إلى أنّها مكيّة، وقيل بأنّها أوّل ما نزل من القرآن بمكّة، وقال مجاهد: إنّها مدنيّة، وقيل: إنّها نزلت مرّتين، مرّة بمكّة، ومرّة بالمدينة تشريفاً لها .. وقيل أيضاً: إنّها نزلت نِصفَين، نصفُها بمكّة، ونصفُها بالمدينة. ضوابط المكيّ والمدنيّ: اتّفق العلماء على أنّ السماع والنقل عن الصحابة هو معيار العِلم بالمكيّ والمدنيّ من السور والآيات، إلّا أنّ المعيار لا ينفي أن تكون هناك ضوابط وقرائن مستفادة من استقراء الآيات المكيّة والمدنيّة يُعرَف بها المكيّ والمدنيّ، وهي ضوابط عامّة يمكن ملاحظتها بسهولة ويُسر، تؤكّد انسجام الآيات المكيّة مع المرحلة الزمنيّة في مكّة من حيث طبيعة الخِطاب والمخاطَب وأسلوب الخِطاب، وكذلك الأمر بالنسبة للآيات المدنيّة، فمن خصائص الآيات المكيّة ما يلي: أوّلاً: من حيث الأُسلُوب: يلاحَظ أنّ أسلوبَ الآيات المكيّة يغلِب عليه التعنيف والتهديد والتخويف، لأنّ أهلَ مكّة كانوا مشركين أشدّاء في عداوتِهم وقسوة قلوبهم، وكان لا بدّ من مخاطبتهم بما يلائم حالهم، ويتلاءم مع الوضع النفسيّ الذي كان قائماً آنذاك، ولهذا استعمل القرآن مثلاً كلمة «كلّا» الدالّة على الزجر والإنكار، وخاطبهم بلفظة «يا أيّها الناس»، وأَكثَرَ من قصص الأنبياء بهدف الإقناع، واستشهد بما وقع للأمم السابقة، واستعمل حروفَ التهجّي، وذكر قصّة آدم وإبليس ليدلّل على الصراع بين الخير والشرّ والإيمان والكُفر، وجاءت الآيات موجَزَة، والسور قصيرة، وهي مليئة بالقَسَم. ثانياً: من حيث الموضوع: حثّت الآيات المكيّة على تصحيح العقيدة، ونبذ الشِرك، والإيمان بالله وحدَه، والإيمان بالبَعث، ودعت هذه الآيات إلى الالتزام بالأخلاق والاستقامة ومحبّة الخَير، ورفض كلّ أنواع الفسوق والعصيان والإضرار بالناس والاعتداء على حقوق الآخرين، ومن الطبيعيّ أن يقترنَ ذلك بالتنديد بالعادات التي كانت سائدةً في العصر الجاهليّ من وأدِ البنات وعبادة الأصنام وظلم القويّ للضعيف، وشرب الخمر وإتيان الفواحش، وأكل مال اليتيم واضطهاد الرجل للمرأة. ولم تكن المرحلة المكيّة مهيّأةً لوضع أُسس نظامٍ إسلاميٍّ، لغياب مكوّنات ذلك المجتمع، وكان لا بدّ من توسيع دائرة الدعوة، لكي ينصبّ الاهتمام أوّلاً على إصلاح العقيدة، عن طريق المقارَنة بين الإيمان والكفر، واستخدام العقل البشريّ كأداة للتمييز والترجيح، والعقل البشريّ قادرٌ على أن يكتشف الحقيقة، ولهذا استعمل القرآن الكلمات المعبّرة عن ثقة الدعوة الإسلامية بالعقل والعُقلاء، والاحتكام إلى أهل البصيرة لكي يسلّطوا الضوء على ذلك الصراع التاريخيّ بين الحقّ والباطل، والإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والفضيلة والرذيلة، ولا بدّ في النهاية من انتصار الحقّ والإيمان والتوحيد والفضيلة، مهما طال الزمن، لأنّ الاستقامة هي الأصل، والانحراف عن الأصل سرعان ما ينكشف أمره. ومن خصائص الآيات المدنية: تتميّز الآيات المدنيّة بخصائص تجسّد واقع المجتمع الإسلامي الذي يواجه تحدّيات خارجيّة تستهدف كيانه ووجوده، وتحدّيات داخليّة تستهدف تنظيم شؤونه على قواعد ثابتة تحقّق الانسجام بين مبادئ الإسلام وواقع المجتمع الإسلامي. وكان من الضروري أن ينصرف الاهتمام إلى وضع أُسس ذلك المجتمع، إذ لا يمكن لأيّ خطاب أن يتجاهل طبيعة المخاطَب وهمومَه ومشاغلَه وقضاياه، وجاءت الآيات المدنيّة معبرةً عن قضايا المسلمين، منظّمةً شؤونهم، مرشدةً لهم لكي يختاروا الطريق السليم في التعامل لإرساء الحجر الأساسيّ في بناء المجتمع الإسلاميّ، منظمة أحكام الجهاد والمال والحكم والأسرة والعقوبات داعية المسلمين إلى التكافل الماديّ الذي هو أساس التناصر وعماد الأمن والاستقرار. ويمكن تحديد خصائص الآيات المدنية بما يلي: 1 - بيان أحكام التشريع: وهي كلّ ما له صلة بالمجتمع من حدود ومواريث ومعاملات ماديّة وبيان مناهج الحُكم، ولهذا جاءت الآيات المدنية ذات طبيعة تشريعيّة مفصِّلة للأحكام مبيِّنة للحقوق، وأسلوب البيان التشريعيّ لا بدّ فيه من الإطالة والتوضيح. 2 - توضيح أحكام الجهاد: والجهاد لم يكن مسموحاً به في مكة، ولذا جاءت الآيات المدنيّة مفصِّلة لأحكام الجهاد والأسرى، مبيِّنة أسباب الانتصار وأسباب الهزيمة، داعية المسلمين إلى الصبر والتضحية. 3 - توجيه الخطاب إلى المؤمنين: وخطاب المؤمنين يتطلّب اختيار منهج التعليم والتوجيه والنُصح والتكوين، ولهذا جاءت أحكام البيان التشريعي في إطار خطاب المؤمنين، وأحياناً يتضمّن خطاب المؤمنين الشدّة والتخويف والتحذير من غضب الله في حالة التهاون عن أداء ما أمر الله به، أو ما نهى عنه، كما في قوله تعالى:?يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ?. ومع كلّ نلاحظ وحدةَ النصّ القرآنيّ من ناحية الأُسلوب المعجِز والتوجيه الحكيم والترغيب والترهيب، ودعوة الناس إلى الاحتكام إلى العقل وحسن فهم قِيَم الإسلام، والتمسّك بعقيدة التوحيد التي تعتبر عماد العقيدة الإسلاميّة.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|