عبد الرحمن شكري
•
يُعد شكري أول من أثار الأفكار الجديدة التي تبنّتها مدرسة الديوان حول النظرية الشعرية ، فقد صاغ مقولات هذه النظرية منذ دواوينه الثلاثة ( الثالث والرابع والخامس ) ، إلا ان أفكاره تكاملت وظهرت على أحسنها في مقدمة ديوانه الخامس المنشور عام 1966.
• لقد أرست أفكار شكري حجر الأساس لكثير من الأفكار التي دعا إليها النقاد المعاصرون في الخمسينات وما تلاها في الوطن العربي ، فقد كان قادرا على استيعاب النظرية النقدية الغربية استيعابا مبكرا ، وكان قادرا على تفسيرها ، وهي النظرية نفسها التي أفاد منها الشعراء والنقاد العرب فيما بعد .
• لقد كان للمدرسة الرومانسية الانكليزية حضور واضح في نتاج شكري ، فقد عكست مقولاته موقفا جديدا ومثاليا نحو الشعر ، وقد وصف شكري مكانة الشاعر في الحياة على أنها سامية متميزة عن الإنسان العادي ، كما يبدو ذلك واضحا في مقدمة ديوانه ( الخطرات ) ، إذ يقول ( فإن الشاعر الصميم يرى أن الشعر أجلُّ عمل يعمله في حياته وأنه خُلِقَ للشعر ، فليس الشعر متمّما لحياته بل هو أساسها ) ، وكذلك في مقدمة ديوانه ( زهر الربيع ) ، إذ يقول ( فكلُّ ذي نبوغ شعري يستحق أن يُدعى نبيَّ الطبيعة ، أُرسِلَ إلى هذا العالم ليرفع معنويات الناس ويحرك أرواحهم ، ويضيئها ويشعل جذوتها ، فهو أعظم مخلوقات الله ، يتغلغل بعيدا في الروح الإنسانية ويعرّيها من أسرارها ).
• كان شكري شديد الإيمان بالتجديد ، فقد حاول أيضا تجربة الشعر المرسل وقد ظهرت أول قصيدة له في الشعر المرسل في ديوانيه الأول والثاني ، إلا انه لم يكن أول من حاول الشعر المرسل في العربية ، فقد سبقته في ذلك محاولات في سوريا ، والعراق ، لكن جميع هذه التجارب وما تبعها من محاولات أخرى في الوطن العربي ، أثبتت أنها تجارب مخفقة تماما ، لكنها كانت سابقة لأوانها ، قبل إحداث تغيير أساس في نظام الشطرين الصارم.
•
التناقض بين المتن النقدي والمتن الشعري عند شكري
إن القليل جدا من شعر شكري نجح بأن يترجم المقولات النقدية المثالية حول الشعر التي تبناها شكري نفسه في كتاباته النقدية ، فلم ينجح شعره بأن يتغلغل عميق في أرجاء الروح ويعبر عن تناقضاتها الروحية والعاطفية ، فأغلب شعره بقي على مستوى قريب من السطحية ، وينبغي الإشارة إلى أن شكري في أعماله الإبداعية النثرية وعلى وجه التحديد في كتابيه ( الاعتراف ) و ( مذكرات ابليس ) ، قد نجح في التعبير ، والتصوير المتفجر بطريقة لم يحققها في الشعر ، وفي محاولة لتفسير هذا التناقض في هذا المجال بين شعره وبين أعماله الإبداعية في النثر ، نقول : إن هذا التناقض ذو مغزى ، وهو دليل واضح على ما تم تأشيره في بداية الحديث عن مدرسة الديوان ، وهو أن الأدوات الشعرية لم تكن ذات مرونة كافية في أيدي شعراء ذلك الزمن فلم يستطيعوا توظيفها على أفضل سبيل ، فقد كان شكري يتبع النمط التقليدي العربي في التعبير عن موضوعات الشعر الرومانسي ، كما ان قدرته على التأمل الداخلي هي أيضا محدودة ، أما في التعبير عن التجربة الشخصية فقد كان نادرا ما يبلغ الصدق العاطفي الحقيقي . كما ان شكري يلجأ في اغلب شعره إلى مواضيع تقليدية ، ويَشيع في شعره شيءٌ من التفاهة والميوعة العاطفية إلى جانب ضعف التركيب وسقم العبارة أحيانا ، وهو كثيرا ما يستعمل مفردات غريبة وعبارات غير شعرية لا يمكن تفسيرها إلا بأنه كان يحاول جهده - من دون نجاح - أن يحدث تغييرا في الاستعمال التقليدي للغة .
آراء شكري عن الشعر
• يؤكد شكري أن الخيال لا يقتصر على اختراع التشبيهات ، بل انه يشمل عناصر أخرى مثل موضوع القصيدة والأفكار الروحية العامة .
• يرى شكري أن التشبيه بوصفه واحدا من الوسائل المهمة في بناء الصورة الشعرية ، يجب أن لا يُطلب لذاته ، لأن قيمة التشبيه تكمن في قدرته على إثارة الذاكرة والأمل والعاطفة أو في كشف الحقيقة .
• ناقش شكري فكرة الشمولية في الشعر ، فالشاعر – كما يرى هو _ ( لا يكتب للعامة ، ولا لقرية ولا لأمة ، وإنما يكتب للعقل البشري ونفس الإنسان أينما كان . وهو لا يكتب لليوم الذي يعيش فيه وإنما يكتب لكل يوم وكل دهر ).
تقييم جهد شكري
يمكن القول – ببساطة – إن شكري كان أول ثائر فعلي في المشرق العربي . فقد حاول – بشكل لم يسبق إليه – أن يفتح طريقا جديدا كل الجدة ، وبحث بقوة وشجاعة وإصرار في أهمية الشعر وفي الحاجة إلى تحديثه .