انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن القسم الثاني

الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة احمد رحيم كريم الخفاجي       03/07/2012 10:17:31
المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن القسم الثاني
لقد ضيّق الأدب المقارن التقليدي رقعة الدراسات المقارنة، إذ حصرها في قمقم التأثير والتأثر، كما أقام جداراً مصطنعاً بين الجوانب التاريخية وبين الجوانب الجمالية والذوقية لدراسة الأدب، أي بين تأريخ الأدب والنقد الأدبي، وهذه نقطة مقتل دراسات التأثير والتأثر. فدراسة الأدب دراسة صرف تاريخية، تتجنب الخوض في الأمور النقدية بصورة مطلقة، هي ضرب من الوهم. فليس بوسع مؤرّخ الأدب مهما كان موضوعياً، أن يتخلى بصورة تامة عن التذوق والتقييم، واضعاً ذاتيته على الرفّ، وأن يجعل دراسته التاريخية خالية تماماً من الأبعاد النقدية. فطبيعة المادة التي يتعامل معها مؤرخ الأدب طبيعة رهيفة، تخاطب العواطف والأحاسيس وتثيرها، مما يجعل مسعى علمياً كهذا ضرباً من المستحيل، اللهم إلاّ إذا اقتصر تأريخ الأدب على سرد الوقائع والمعطيات الجافة. ولكنّ تأريخاً كهذا لا يستحقّ أن تُطلق عليه تلك التسمية.
ومن ناحية أخرى فإن الزعم بأنّ مقارنة الآداب من زاوية التأثير أمر غير مجدٍ علمياً ومعرفياً هو زعم لا صحّة له، بل العكس هو الصحيح. فمقارنة ظواهر أدبية متشابهة في آداب قومية مختلفة لم تقم بينها علاقات تأثير أمر مثير معرفياً، وتحدّ معرفي كبير لعلوم الأدب. إنّ تفسير ظواهر التشابه بين الآداب التي ترجع إلى علاقات التأثير أمر سهل، وذلك بمجرد إثبات الوسائط التي تمّ من خلالها ذلك التأثير. ولكن كيف نفسّر ظواهر التشابه الملاحظة بين آداب لم تقم بينها علاقات تأثير، ولذلك لا يمكن إرجاعها إلى تلك العلاقات؟ ذلك هو السؤال الذي رفض الأدب المقارن التقليدي أن يجيب عنه، وأبعده عن دائرة الاهتمام بطريقة تعسفية. إلاّ أنّ ذلك السؤال هو السؤال الذي انطلقت منه الاتجاهات والمدارس الجديدة في الأدب المقارن، كالمدرسة "السلافية" التي ركّزت على "التشابهات التيبولوجية" والمدرسة "الأمريكية" التي اهتمت بدراسات "التوازي والتقابل" بين الآداب. وبرفض الأدب المقارن التقليدي(الفرنسي) الإجابة عن هذا السؤال، فإنه حصر الدارسات المقارنة في قمقم ضيّق، وسدّ أمامها إمكانات وآفاقاً رحبة للمقارنة. ولذلك لم يكن من الصعب ولا المستغرب أن توجّه سهام النقد إلى الأدب المقارن التقليدي(دراسات التأثير)، وأن تعلو الأصوات التي تنادي بتجاوزه.
أمّا من الناحية الفعلية أو العملية فإنّ التوجّه التاريخي الوضعي لدراسات التأثير لم يتمكّن من أن يمنع المقارنين الذين يمارسون هذا النوع من الدراسات من القيام بنشاط تقييمي، أي بدور نقدي. فالمفاهيم نفسها قد تخون أصحابها. إنّ فعل "أثّر" يعني لغة ترك في الآخر أثراً، أي أن المؤثّر هو بالضرورة الطرف الفاعل والإيجابي. أمّا التأثر فهو التعرض للتأثير. "تأثّر به" يعني لغة "حصل منه على أثر" أو "ظهر فيه الأثر". والتأثر هو الانفعال، أي ردّة فعل على مؤثر خارجي، وهو سلوك سلبي. فالتأثير أمر إيجابي ضمناً، خلافاً للتأثر، فهو أمر سلبي، اعترف المرء بذلك أم لم يعترف. وبالفعل فإنّ دراسات التأثير والتأثر قد تحولت عملياً إلى شكل من أشكال دراسات "السرقات الأدبية"، يقوم فيها الطرف المتأثر بدور "السارق"، بينما يقوم الطرف المؤثر بدوره "المسروق"، وبذلك يتحول الطرف المؤثر إلى الأصل أو "المنبع" أو "المصدر"، وهو لذلك الطرف الأصيل، خلافاً للطرف المتأثر، فهو التابع المقلّد الذي يفتقر إلى الأصالة. ولا عجب بعد ذلك في أن تورّط دراسات التأثير والتأثر في النقاش الدائر حول الأصالة، وهي قيمة نقدية، لا بل أن يصبح إثبات أصالة أدبنا القومي هدفاً رئيساً لتلك الدراسات. وهكذا تحولت دراسات التأثير إلى شكل من أشكال النقد الأدبي، وسقط أحد المقومات المنهجية للاتجاه التاريخي الوضعي في الأدب المقارن.
ومن حيث تدري أو لا تدري لعبت دراسات التأثير دوراً قومياً. فهي تبيّن، في رأي الدكتور محمد غنيمي هلال، أصالة الأدب القومي. وبدلاً من أن تكون وسيلة لتجاوز ضيق الأفق القومي، ها هي تخدم النزعة القومية، وبدلاً من أن تبيّن أنّ الآداب ليست مكتفية ذاتياً، بل تتبادل المؤثرات، انعكست الآية، وتحوّل الأدب المقارن التقليدي إلى وسيلة لإظهار "أصالة" الأدب القومي، أي استقلاليته وتميّزه عن الآداب القومية الأخرى.

أستاذ المادة
د.أحمد رحيم كريم اللبّان


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .