انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن القسم الأول

الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة احمد رحيم كريم الخفاجي       03/07/2012 10:13:07
المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن القسم الأول
ولنظرة المدرسة الفرنسية التقليدية إلى دور الأدب المقارن وحقله العلمي ومنهجيته أسس وخلفيات نظرية وفلسفية، تأتي في المقدمة منها النزعة التاريخية في دراسة الأدب، تلك النزعة التي انتشرت على نطاق واسع في فرنسا وأوروبا على امتداد القرن التاسع عشر. يرى أصحاب هذه النزعة أنّ تاريخ الأدب هو، في جزء كبير منه، تاريخ مصادره (Quellen) ومواضيعه(Themen) وموادّه الأدبية(Stoffe) التي تنتقل داخل الأدب القومي وبين الآداب القومية بصورة يمكن دراستها وتتبعها بالوثائق والأدلة. فالدراسة المقارنة لتلك الآداب تدلّ على وجود علاقات تأثير وتأثر بينها على أساس من السببية الصارمة. إنّ انتقال مادّة أدبية من أدب إلى أدب قومي آخر ليس مسألة عشوائية، بل هو علاقة تاريخية قائمة على السببية، وهذا ما على الأدب المقارن أن يبرهن عليه بصورة لا تقبل الجدال، أي أن يبيّن مصدر التأثر وواسطته ونتائجه.
ترافق انتشار النزعة التاريخية في الدراسات الأدبية مع انتشار نزعة أخرى، هي النزعة الوضعيّة(Positivismus)، وهي فلسفة ترى أنّ المعرفة الصحيحة هي التي تستند إلى قاعدة تجريبية أو إمبيرية قابلة للمراجعة بصورة عبر ذاتية. أمّا المعرفة التي تقوم على التخمين والحدس والتفكير والمقارنة فقط، فهي معرفة غير موثوقة ولا يعتدّ بها. انتقلت هذه النزعة إلى الدراسات الأدبية أيضاً، ودعا أنصارها، وأبرزهم الناقدان الفرنسيّان سانت- بف(Sainte- Beuve) وتن(H. Tain) إلى تحويل تلك الدراسات إلى علم موضوعي يقوم على أساس تجريبي كالعلوم الأخرى. وقد عبّرت النزعة الوضعية عن نفسها في الأدب المقارن من خلال دعوة "المدرسة الفرنسية التقليدية" إلى اعتماد المنهج التجريبي في دراسات التأثير والتأثر، وذلك بعدم الاكتفاء بتخمين وجود التأثير، بل البرهنة على وجوده بالأدلة والوثائق الملموسة التي لا تدع مجالاً للشك.
شكّل هذا التواؤم بين النزعتين التاريخية والوضعية أساساً نظرياً لما يعرف بالمدرسة الفرنسية في الأدب المقارن، وهي مدرسة ترى في الأدب المقارن علماً يدرس علاقات التأثير والتأثر(أو التبادل) بين الآداب القومية بطريقة علمية صارمة. وقد أدى هذا الأساس النظري إلى ظهور اتجاه ساد الأدب المقارن ما يربو على قرن وربع القرن من الزمان، وحوّله إلى نوع من الدراسات الأدبية التي لا همّ لها سوى تقصّي علاقات التأثير والتأثر بين الآداب القومية بهدف المساهمة في تأريخها.
في ضوء الأرضية النظرية السابقة الذكر تحددت التوجّهات التطبيقية للأدب المقارن في ما يعرف بدراسات التأثير، وصدر عدد كبير من الدراسات المقارنة التي يُستقصى فيها تأثر أديب معيّن كالألماني غوته بأديب أجنبي معين كشكسبير، أو بجنس أدبي محدد، أو بأدب قومي معين كالأدب الإنكليزي، أو بمادة أدبية محددة، أو بمدرسة أدبية كالرومانسيّة، إلى آخر ذلك من مواضيع.
من المؤكّد أنّ هذا النوع من الدراسات قد سد فجوة في كتابة تاريخ الآداب القومية، تلك الثغرة التي خلفها التأريخ الذي حصر نفسه داخل حدود كلّ أدب قومي، وأغفل الامتدادات والأبعاد الخارجية التي تتجاوز الحدود اللغوية القومية للآداب. إنّ تأريخ أدب قومي ما، كالأدب الفرنسي، لا يجوز له أن يقتصر على أحقاب ذلك الأدب وأجناسه ومدارسه الفنية والفكرية وأعلامه.. الخ، فتأريخ كهذا يغفل جانباً أساسياً من جوانب الأدب الفرنسي، ألا وهو علاقاته بالآداب الأوروبية الأخرى، كالأدبين اليوناني القديم والروماني، والأدب الإنكليزي والألماني والإٍسباني والروسي، كما يغفل علاقة الأدب المؤرَّخ بالآداب غير الأُوروبية، كآداب شعوب العالم الثالث. من هذه الزاوية كان الأدب المقارن الذي مارسته المدرسة الفرنسية التقليدية في صورة دراسات التأثير مفيداً. فقد برهن على صحّة مقولة تناساها كثيرون في غمرة تحمسهم لأدبهم القومي، واندفاعهم في الذود عن "أصالته" و"تفرده" و"خصوصيته" و"عبقريته". وسواء كان ذلك مقصوداً أم لا، فإنّ دراسات التأثير والتأثر قد برهنت على بطلان مقولة "الاكتفاء الذاتي" للآداب القومية واستقلالية تلك الآداب وتفردها. فليس هناك أدب قومي لم يتأثر بالآداب القومية الأخرى بصورة من الصور. كذلك فإن لأصالة الأدب القومي وخصوصيته وتفرده حدوداً. فقد دلّت دراسات التأثير والتأثر على أنّ هذه الأمور نسبية، وأن الآداب في حالة تفاعل وتبادل، وأخذ وعطاء، واستيراد وتصدير. وبذلك شكّلت دراسات التأثير والتأثر رداً على دعاة التعصب القومي في الأدب الذين يزعمون أن أدبهم أصيل بصورة مطلقة، وخالٍ من المؤثرات الغريبة. لقد ساهمت دراسات التأثير في تجاوز ضيق الأفق القومي في الدراسات الأدبية، فأضعفت بذلك الشوفينية الأدبية. وهذا مكسب مهمّ، إذا أخذ المرء في الاعتبار حقيقة أنّ تلك الشوفينية مكوّن رئيس من مكوّنات الشوفينية السياسية، التي كانت الأساس الإيديولوجي للنازية والفاشية وغيرهما من الحركات والاتجاهات الدكتاتورية العنصرية الحديثة.
إلا أنّ حصر الدراسات المقارنة في ما يمكن البرهنة عليه تجريبياً من ظواهر تأثير وتأثر، واستبعاد الجوانب الجمالية والذوقية للأدب من مضمار الدراسات المقارنة قد ضيق ذلك المضمار كثيراً، وحدّ في الوقت نفسه من جدوى تلك الدراسات ودورها العلمي والثقافي. لقد حوّل التوجّه التاريخي الوضعي عالم الأدب المقارن إلى مؤرخ بالمعنى الصارم الضيّق للكلمة، أي إلى شخص يجمع الوثائق والمصادر والمنابع والوسائط المرتبطة بالعلاقات الخارجية للآداب، ومنعه من عقد أيّ مقارنات خارج ذلك الإطار بمعزل عن علاقات التأثير والتأثر، بدعوة أن ليس لتلك المقارنات قيمة معرفية. فقد شبّه محمد غنيمي هلال، أبرز ممثلي مدرسة التأثير في الأدب المقارن العربي، مقارنات "عقيمة" كهذه بمن يقارن "زهرة بحشرة"، وتساءل عما إذا كانت مقارنة من هذا النوع تنطوي على أيّ فائدة علمية أو معرفية.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .