انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 1
أستاذ المادة مهدي طه مكي السعيدي
12/06/2012 08:21:56
2- فلسفة عقلية: وبرغم هذا الطابع الديني والروحي تعتدّ الفلسفة الإسلامية، بالعقل اعتداداً كبي ا رً، وتعوّل عليه التعويل كله في تفسير مشكلة الإلوهية، والكون، والإنسان . فواجب الوجود عقل محض، بعقل ذاته بذاته، فهو عاقل ومعقول في آن واحد. وعنه صدر العقل الأول ، فهو أول شيء خلقه الله وفي سلسلة متلاحقة صدرت العقول الأخرى التي تدير شؤون السماء، فيما عدا العقل العاشر، أو العقل الفعّال، الذي يرعى شؤون الأرض. وليس بغريب أن تكون شؤون السماء أنظم وأحكم، لأن العقول المفارقة والنفوس الفلكية هي التي تشرف عليها. ولعالم السم وات قداسة عرفها اليونان من قديم، وأيدتها الأديان السماوية. وعن العقل العاشر صدر عالم الكمون والفساد، فمنه استمدت العناصر الأولية، التي نشأ عنها المعدن ، والنبات ، والحيوان ، ثم الإنسان الذي هو أشرف الكائنات. والعقل البشري قوة من قوى النفس ويسمى النفس الناطقة. وهو ضربان : عملي يسوس البدن، وينظم السلوك، ونظرى يختص بالإد ا رك والمعرفة. فهو الذي يتقبل المدركات الحسية، ويستخلص منها المعاني الكلية بعون من العقل الفعّال، الذي هو من نفوسنا بمثابة الشمس من أبصارنا، وفي وسع العقل البشري أن يسمو إلى مرتبة يستطيع أن يتصل فيها مباشرة بالعق و المفارقة، فتنكشف له المعقولات دفعة. ويخلص إلى عالم القدس واللذّة العليا، وهذه هي السعادة التي ليست و ا رءها سعادة. بالعقل نعلّل ونبرهن، وبه نكتشف الحقائق العلمية فهو باب هام من أبواب المعرفة، وليست المعارف كلها منزلة، بل منها ما يستنبطه العقل ويستخلصه من التجربة. وفي منطق أرسطو ما يرسم ط ا رئق الحدّ والبرهان، وقيمة البرهان فيما يعتمد عليه من مقدمات يقينية يقرها العقل ويسلم بها جميع الناس. وكم أعجب فلاسفة الإسلام بهذا المنطق وعنوا بشرحه وتلخيصه، وسموا صاحبه (( المعلم الأول)) لأنه بحق ((المنطقي الأول)). أفادوا من منطقته كثي ا رً في درسهم وبحثهم وطبقوه في جدلهم ومناقشاتهم ، واستعانوا به في إثبات كثير من القضايا الدينية على نحو ما صنع المعتزلة والأشاعرة. وقد عرف من الأشعري ( 935 )، زعيم أهل السنة، أنه كثي ا رً ما لجأ إلى القياس الأرسطي في برهنته الدينية. والواقع أن فلاسفة الإسلام بنزعتهم العقلية يلتقون بوجه خاص مع المعتزلة الذين سبقوهم إلى تعظيم العقل والنزول عند حكمه، وقد سموا ((مفكري الإسلام الأح ا رر)) . حكموا العقل في أمور كثيرة، فاتفقوا على أن الإنسان قادر بعقله على التمييز بين حسن الأشياء وقبحها، وعلى التفرقة بين الخير والشر قبل ورود الشرع، وقالوا بالصلاح والأصلح ، فلا يخلو فعل من أفعاله تعالى من الخير والصلاح. وقرروا حرية الإ ا ردة وقدرة العبد على خلق أفعاله، كي يكون للثواب والعقاب معنى. وتأولوا النصوص الدينية التي لا تتمشى مع العقل، ولا يقرها المنطق. وأتوا بحجج عقلية بارعة في دفاعهم عن الدين وردهم على خصومه، ولهم في ذلك مجالس ومناظ ا رت كانت مضرب المثل. وبالجملة يعد المعتزلة في مقدمة العقليين في الإسلام. وهم أقرب الفرق الإسلامية إلى الفلاسفة. ويقترب منهم في هذا أيضاً جماعة الإسماعيلية وبعض المتصوفين الفلاسفة ، أمثال السهروردي المقتول( 1191 )، وابن عربي( 1240 ) ، وابن سبعين( 1270 ). واستطاع هؤلاء جميعاً أن يبرزوا التيار العقلي في الإسلام، وان يدعموه ويؤيدوه، ووجدوا في الكتاب والسنة ما يتمشى معه ويغذيه. وقد انتقل هذا التيار إلى الفلسفة المسيحية وكان فلاسفة الإسلام بوجه خاص حملة ا ريته وأثاروا في القرن الثالث عشر حركة فكرية قوية، فأيدهم بعض المدرسين وعارضهم آخرين. ونمت الد ا رسات العقلية نمواً كبي ا رً، وكانت الد ا رسات الفلسفية في القرون السابقة أقوى وأغلب . ويوم ان يتقابل العقل والنقل تقابلاً واضحاً في بيئة دينية، تثار الخصومة بينهما، وتمس الحاجة إلى تغليب احدهما على الآخر أو التوفيق بينهما. ويمتاز القرن الثالث عشر بكثرة ما صدر فيه من ق ا ر ا رت كنسية تحرم كتباً فلسفية أو د ا رسات عقلية بعينها، و?ان لم تمنع عشّاق هذه الد ا رسات من التعلّق بها. ولا ن ا زع في أن ازدياد سلطان العقل يعدو على نفوذ الكنيسة ، ويفسح السبيل لبحث حقوقها وواجباتها، وأمر آخر يمكن لاحظته ، وهو أن مشكلة التوفيق بين الفلسفة والدين لم تثر من قبل في الفلسفة المسيحية مثلما أثيرت في القرن الثالث عشر على أثر اتصال اللاتينيين بالفلسفة العربية. 3- فلسفة توفيقية: توفق بين الفلاسفة بعضهم وبعض، وقد عرف العرب شيئاً من الفلسفات الشرقية القديمة، كما عرفوا شيئاً عن السابقين لسق ا رط، والسفسطائيين ، والسق ا رطيين، وأنصاف السق ا رطيين، والرواقيين والأبيقوريين، وجماعة الشكاك ، ورجال مدرسة الإسكندرية. ولكنهم عنوا خاصة بأفلاطون وأ رسطو، فترجموا للأول أهم محاو ا رته ، وهي : الجمهورية ، والنواميس ، وطيماوس، والسوفسطائي، والسياسي، وفيدون، واحتجاج سق ا رط. وترجموا للثاني مصنفات الكهولة كلها تقريباً، من منطقية وطبيعية وميتافزقية ، وأخلاقية ، وكانت الخطابة والشعر، وهما كتابان فنيان ، يعدّان عندهم بين الكتب المنطقية. ولم يفتهم إلا كتبه السياسية، وقد احلوا محلها جمهورية أفلاطون، وبعض كتبه الأخلاقية . وأضافوا إل هذا مؤلفات منحولة ليست من عمل أرسطو، مثل السماء والعالم ، وكتاب الربوبية، ولم يقنعوا بترجمة الكتب الأرسطية وحدها، بل حرصوا ما استطاعوا على أن يترجموا معها شروحاً ، وكانت لهذه الشروح شأن كبير في نظرهم، وعرفوا من الش ا رئح تاوفرسطس( 287 ق.م) خليفة أرسطو الأول، والإسكندر الأفروديسي( 211 ) الذي كان يسميه ابن سينا ((فاضل المتأخرين)). وعرفوا من ش ا رح مدرسة الإسكندرية عدداً غير قليل، أمثال : أمونيوس سكاس(أوائل القرن الخامس) ، ويحيى النحوي ( 643 ). وربما كان هؤلاء أعظم أث ا رً من المشّائين الأول، لأنهم كانوا إلى العرب أقرب، وفي نظريتهم الدينية ما يلائم بين فلسفتهم والفكر الإسلامي ، وهم على كل حال مصدر هام من مصادر الأفلاطونية والافلوطينية في العالم العربي . فعرف العرب إذن أفلاطون وأرسطو معرفة مباشرة، عن طريق مؤلفاتهما، إلى جانب ما نقله عنهما المؤرخون، أمثال فلوطوخس( 125 ) وجالينوس( 200 )، وما نقله عنهما حنين بن إسحق ( 877 ) في كتابه نوادر الفلاسفة والحكماء. وقد أثر تأثي ا رً كبي ا رً في كثير من المدارس الإسلامية وحولهما بوجه خاص دار التوفيق بين الفلاسفة. وللفا ا ربي في هذا موقف واضح، فهو يؤمن بوحدة الفلسفة، وأن كبار الفلاسفة يجب أن يتفقوا فيما بينهم، ما دامت الحقيقة هدفهم جميع . ولا شك في أن أفلاطون وأرسطو هما زعيما الفلسفة، وضعا أصولها، وفضلا القول فيها، وبلغا بها الغاية، ولا سبيل لأن يتصور خلاف بينهما. ولا يمكن أن ننتظر نجاح محاولة أساها خاطئ، فالأفلاطونية شيء والأرسطية شيء آخر. ولكن لهذه المحاولة شأناً كبي ا رً في تاريخ الفلسفة الإسلامية، فهي نقطة بدء سار عليها الفلاسفة اللاحقون. ونلاحظ أن ابن سينا لم يعن بالتفرقة بين أفلاطون وأرسطو، وفي فلسفته جانب أفلاطوني واضح.. ونلمح لدى ابن باجّة( 1138 ) وابن طفيل( 1185 ) ، اتجاهات أفلاطونية وأفلوطينية قوية، و?اذا كان ابن رشد قد اخذ على عاتقه العودة إلى أرسطو وتخليص أرسطية مما لحق بها من عناصر أجنبية، فإنه لمن سليم هو نفسه من هذه العناصر، وبدت فلسفته في جملتها استم ا ر ا رً للفلسفة التي قال بها الفا ا ربي وابن سينا. وعلى هذا تربط الفلسفة الإسلامية الأفلاطونية بالأرسطية، وتوفق بينهما وتنسقهما وتضيف إليهما أمو ا رً أخرى، وبذا أصبحت هي نفسها مذهباً جديداً ذا شخصية مستقلة. إذ كان التوفيق بين أفلاطون وأرسطو يعد أساساً من الأسس التي قامت عليها الفلسفة الإسلامية، فإن أساسها الثاني هو التوفيق بينها وبين الدين. وقد سبق لنا أن أشرنا إلى أنها فلسفة ذات طابع ديني واضح. حاولت في جد التوفيق بين النقل والعقل. ونستطيع أن نقرر أن فلاسفة الإسلام دون استثناء شغلوا بهذا التوفيق، من الكندي إلى ابن رشد، وبذلوا فيه جهوداً ملحوظة، وأدلوا بآ ا رء لا تخلو من جدة وط ا رفة. وكان لمجهودهم أثر في انتشار الفلسفة، ونفوذها إلى صميم الد ا رسات الإسلامية الأخرى. والتوفيق تقريب بين جانبين، وجمع بين طرفين،وفي الفلسفة نواح لا تتفق مع الدين، وفي بعض النصوص الدينية ما قد لا يتمشى مع وجهة النظر الفلسفية، لذلك عني فلاسفة الإسلام بأن يصبغوا الفلسفة بصبغة دينية، وأن يسكوا بعض التعاليم الدينية بكساء فلسفي ويكاد يدور توفيقهم حول هذين البابين. ولاشك في أن التوفيق الذي حاوله الفلاسفة المسلمون يعد وشيجة من وشائج القربى بين الفلسفة العربية والفلسفية واللاتينية. ففي أخذ العرب عن أفلاطون ما قربهم من الأوغسطينيين ورجال المدرسة الفرنسسكانية بوجه خاص، وقد أ رى هؤلاء في بعض النظريات الإسلامية ما يتلاقى مع آ ا رء ألقوها منت قبل، فاستساغوها واطمأنوا إليها. وفي تعلق فلاسفة الإسلام بأرسطو ما وجه إليه أنظار المسيحيين، وحملهم على ترجمة كتبه، ودفع كثيرين من رجال القرن الثالث عشر إلى درسه والتعليق عليه وبخاصة القديس توما الأكويني ( 1274 )، الذي يعتبر في هذه الناحية بين اللاتينيين بمثابة ابن رشد بين العرب. و?اذا كان المسيحيون في القرون الوسطى قد حرصوا الحرص حله على التفرقة بين الفلسفة والدين، فإن فلسفتم في أساسها دينية، ولم يترددوا في أن يستعينوا بالعقل والمنطق على إثبات كثير من القضايا اللاهوتية، ويرى ألبير الكبير ( 1280 ) أن التعاون بين الفلسفة واللاهوت ممكن ونافع، وأن العقل والنقل لا يتعارضان، و?ان كان للنقل أمور خاصة به، وتلميذه القديس توما الأكويني في آن واحد شيخ الفلاسفة وشيخ اللاهوتيين في القرن الثالث عشر، وقد سار على نهج أستاذه في التوفيق بين الفلسفة والدين، فهو يرى أن كثي ا رً من الحقائق النقلية يزداد وضوحاً بالأدلة العقلية، وليس بلازم أبداً أن يكون كل ما فوق الطبيعة مخالفاً للعقل.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|