انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المضمون عند البياتي

الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة سامر فاضل عبد الكاظم جاسم       1/20/2012 4:00:33 PM
المضمون عند البياتي

والمضمون الذي مثل مرحلة (البياتي) الاولى، هو المضمون الذاتي، بدأه (البياتي) مع بواكيره الاولى (ملائكة وشياطين). ولكن الذاتية التي اتبعها (البياتي) هي ذاتية محورة عن مواجد الذاتية الرومانسية التقليدية، لانه حاول زحزحة بعض المفاهيم السائدة في ذاتية الرومانسية التقليدية. وعلى الرغم من ان قصائد هذا الديوان هي قصائد حب كبيرة، استخدم الشاعر فيها الاسلوب الذاتي، إلا ان هدفه لم يكن هدفاً ذاتياً، وانما هو مضمون يعالج طرائق التعبير عن مأساة الوجود الانساني.
قدم (البياتي) رؤيته الذاتية من خلال إبراز مضمونها المرتبط بحركة الواقع، مما جعل افكاره الذاتية "تمارس تجربة العمق من خلال توحدها مع ذاتها اولاً وانكفائها نحو العالم ثانياً في محاولة... للاستمرار والتجدد". فالمضمون الذاتي عند (البياتي) يتسع على افاق واسعة، مما يمنح فرصة للمؤثرات الخارجية للتأثير المنعكس في هذه الذات، وقد حاول (البياتي) ان يعبر عن ذاته فقال: "بدأت اعالج الكلمة، محاولاً بها ان اعبر عن انفعالي بالعالم". بمعنى ان المضمون الذاتي عند (البياتي) خرج من حدوده الضيقة الى ذاتية الانسانية والوجود جمعاء.
وبعد مرحلة (ملائكة وشياطين) اخذ (البياتي) يعانق الفكر الماركسي، ويعبر عن المضامين السياسية والفكرية المتعلقة بهذا الفكر. وبالمرحلة نفسها اخذ يكتشف اسلوب الرمز المحوري والاسطورة، سبيلاً للتعبير عن مضامينه المتعلقة بالفكر الماركسي، وقد بدأ له ذلك في ديوانه (سفر الفقر والثورة) الذي مثل بداية التحول في تجربته الشعرية، حتى بلغ فيما بعد التعبير الاسطوري ذروته في ديوانه (الكتابة على الطين) الذي يمثل المعاناة من الموت الشامل، وخاصة قصيدته (قصائد حب الى عشتار)، اذ استلهم الشاعر رموزه واساطيره من اعماق لا وعي الشاعر الجماعي، والتقطت في صعودها الى الوعي خصائص صورية من اللاوعي في مستوياته الثلاثة الذاتي والوطني والقومي.
كانت قضية (البياتي) الاولى في هذه المرحلة، الثورة، والتي تجلت في موقفه من الفقر ومواجهة الموت، ولذلك ذهب يدمج بينهما بصورة غير واعية، بمعنى انه حقق التوحد بين التجربة الذاتية والتجربة الانسانية التي تسكن وعيه. ورفض الاستسلام لهما، وجاء حلمه بالثورة والولادة سبيلا الى الانتصار، لانه يرى بأن "الشاعر لايرتبط بثورة عصره وبلاده فقط، وانما بثورات كل العصور وكل البلدان، لان روح الثورة تحل في الحياة، وتنتصر على الموت، وتحل في الاشياء فتمنحها الحياة" ولذلك كانت افضل الاساطير لديه هي الاسطورة التي تعبر عن موقفه من الموت، وهي اسطورة الموت والانبعاث التي تحقق له الانتصار، واعادته الى جنة جديدة خالية من الموت وتلغي كل الفوارق الطبقية بين البشر، جنة يتساوى فيها الجميع. ان مضمون (البياتي) في مرحلته هذه مضمون "يجسد قيام الحضارات وموتها ثم بعثها من جديد في صورة مماثلة"، وقد رسم (البياتي) ذلك في قصيدته (قصائد حب الى عشتار) فقال:
طفلة أنتِ وانثى واعدهْ
وُلدِتْ من زبدِ البحر من نار الشموس الخالدهْ
كلما ماتت بعصرٍ، بُعثتْ
قامتْ من الموت وعادت للظهور
عشتار هنا هي رمز البعث والولادة في هذه الحياة، وعدّها (البياتي) الثورة نفسها التي "ستحرق آثار الدمار وتبث الحياة في الطلول الدارسة، فتعود بابل الى شبابها بعد شيخوخة وموت". ولكن مامدى عمق ايمان شاعرنا بحصول الولادة –اعني قيام الثورة-؟ ان حصول الثورة اشبه بالبحث عن ابرة بين اكوام من القش، وقال عن ذلك.
ايها النور الشهيد
عبثاً تصرخ فالعالم في الاشياء والاحجار واللحم يموتْ
والصبايا والفراشات وبيت العنكبوتْ
والحضارات تموتْ
عبثاً تمسك خيط النور في كل العصورْ
باحثاً في كوم القش عن الإبرة، محموماً، طريدْ
وعلى الرغم من صعوبة الحصول على الابرة بين كوم القش، إلا ان هناك املاً وايماناً مسبقاً بظهورها، لأن الشاعر في اعماقه الذاتية والجماعية يؤمن بالثورة التي ستحرق الفقر والموت، وتبني عالماً سعيداً، فيقول:
فمتى يشتعل الانسان في الثورة والحب وفي دوامة
الخلق واعصار الحريق
ان الاساطير التي افاد منها (البياتي) هي نفسها –او تكاد تكون متقاربة مع الاساطير- التي افاد منها (السياب) فيما سبق، لكن هناك ثمة مميزات تلتصق باساطير ورموز (البياتي) دون سواه من الشعراء العراقيين والعرب المعاصرين له. ومن هذه المميزات:
1. ان الاساطير التي افاد منها (البياتي)، وهي كثيرة، لايقف وجودها في شعره عند حالته الشخصية، بل انه يعمد التوسل اليها لتقديم كل ما يتوارد الى ذهنه من الافكار والمواقف، مما تتسع لمضامين الثورة والتمرد.
2. يكتفي (البياتي) بذكر حالة واحدة تتسع لمضمون القصيدة كلها، وخير مثال على ذلك قصيدته (العرب اللاجئون) التي استعان الشاعر برموز عدة، لكن اللاجئين كلهم لديه بصورة واحدة، وهي صورة السيد المسيح.
3. ان الاساطير والرموز التي افاد منها الشاعر في مضمونه الشعري غالباً ماتكون قابلة للتغيير والتحول، فاننا نرى (عشتار) كانت بطلة للدلالات الاسطورية في الخصب والنماء، ثم يحولها الشاعر الى (عائشة) في قصائد اخرى، والى (لارا)، و(خزامى) ايضاً، وذلك لانه يرى ان كافة الرموز وهي رموز المدن والأسماء تعني رموز مدن واسماء الماضي والمستقبل، وهي تؤلف دلالات الحلول الثوري.
ومما تقدم، نرى ان هدف (البياتي) من استخدامه للرموز والاساطير في مضمونه الشعري الجديد، هو إضاءة الواقع الاجتماعي، وايجاد العلاقات بين ماهو موقف قديم وموقف جديد. وبذلك نفهم ان الإفادة من الرموز والاساطير تعد من اقانيم حداثة رواد الشعر الحر، وبدونها لا تحيا قصائدهم المبنية على التنوع المثري.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .