انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

مفهوم حداثة الشعر عند جماعة أبولو

الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة سامر فاضل عبد الكاظم جاسم       12/28/2011 5:44:11 PM
- مفهوم الشعر
حدد (ابو شادي) مفهومه للشعر في مقدمته لديوانه (الشفق الباكي) قائلاً: "الشعر في رأيي هو تعبير الحنان بين الحواس والطبيعة، هو لغة الجاذبية وان تنوع بيانها. هو أوحدي الاصل في المنشأ والغاية وصفاً وغزلاً ومداعبة ورثاء ووعظاً وقصصاً وتمثيلاً وفلسفة وتصويراً". فـ(ابو شادي) اشار بمفهومه هذا الى حنان التعاطف بين الانسان والطبيعة، وهذا هو حنان رومانسي خالص، لان الشعر "تفاعل بين الحواس ومؤثرات الطبيعة". وهذا المفهوم قريب الى حدٍ ما من قول الشاعر الانجليزي (جون كيتس) الذي قال:
"ياشعراء العاطفة والمرح
لقد تركتم أرواحكم على الارض!
ألكم أرواح في السماء ايضاً،
تعيش حياة ثانية في بقاع جديدة؟
نعم وإن ارواحكم تلك التي في السماء
لتتصل بأفلاك الشمس والقمر،
بضجة الينابيع العجيبة،
وأحاديث الأصوات الراعدة،
بهمس اشجار السماء"
ان قول (كيتس) هذا اشارة واضحة الى اندماج ارواح الشعراء بمظاهر الطبيعة كلها، وهذا ما تأثر به (ابو شادي) عندما اشار الى ان الشعر هو التفاعل بين الحواس ومظاهر الطبيعة. ومن هنا فالشعر عنده قائم على عملية تراسل الحواس التي قال بها الشاعر الفرنسي (بودلير) والتي تعد أحدى خصائص المدرسة الرمزية الفرنسية، وبذا فالشعر تمثيل منفتح على اشياء كثيرة ومنها الطبيعة، بصورة يقظة.
ان مفهوم (ابي شادي) للشعر يرتفع الى مستوى الفكر، لأنه لا يقتصر على العاطفة فقط، وانما يزاوج بين العاطفة والفكر، ويظهر ذلك من خلال دمجه الشعر بالمعرفة حيث قال: "فما الالهام سوى أثر الخبرة والعرفان والمواهب في الفن، ولا شأن له باعجوبة ملكية أو شيطانية ولا بالوحي المزعوم". ومن هنا نلمح انه يؤمن بمبدأ الصناعة في الشعر، ويتفق مع ما نادى به (بن جونسون) الذي آمن بإخضاع الملكة المبدعة لسلطان الصناعة، والعمل عن تدبر ودراية وعرفان، وهذا هو مذهبه في الشعر. وكذلك اكد كل من (شلي) و(ادجار الن بو) و(اندريه جيد) ان الفن هو صناعة شاقة. ومثلما استقى (ابو شادي) مفهومه للشعر من المراجع الغربية، نراه يذهب مذهب نقادنا القدامى في ان الشعر صناعة ومران، كما اشار اليه ابن (سلام) ، و(الجاحظ) ، و(قدامة بن جعفر) ، و(القاضي الجرجاني) و(ابو هلال العسكري) ، وغيرهم من القدامى الذين جعلوا من الشعر صناعة وثقافة يختص بها الشعراء. ويتفق ايضاً مع (العقاد) في العصر الحديث الذي جعل من الشعر صناعة توليد العواطف.
ويظهر مفهوم (الشابي) للشعر برسالة بعثها الى صديقه (محمد الحليوي) قال فيها: "الشعر ياصاحبي هو ما تسمعه وتبصره في ضجّة الريح وهدير البحار وفي نسمة الورد الحائرة يدمدم فوقها النحل ويرفرف حولها الفراش، وفي النغمة المرددة يُرسلها في الفضاء الفسيح". ف(الشابي) يرى الشعر تصويراً وتعبيراً، تصويراً صادقاً لهذه الحياة في كل ميادينها، وتعبيراً صحيحاً عن تلك الصور. ويشترك في تكوينه انفعالات الشاعر وما يتأثر به من حوله. ولهذا جعل مفهومه قائماً على الحياة نفسها فيقول في الشعر انه : "الحياة نفسها .. في حُسنها ودمامتها، في صمتها وضجّتها، في هدوئها وثورتها، في كل صورة من صورها ولون من ألوانها". وبذلك يكون (الشابي) قد تأثر بمفهوم (وردزورث) للشعر الذي عده ضرباً "من ضروب المعرفة بأسرها. هو الاول والآخر، فإنه باقٍ على الزمان ما بقي قلب الانسان". ونفهم ايضاً من مفهوم (الشابي) للشعر، انه قائم من اجل فكرة ارادة الحياة، التي احسها (الشابي) وتبلورت عنده خلال تأثره بصاحب هذه الفكرة وهو الفيلسوف الالماني (نيتشه). وينطبق مفهومه على الشعر الوجداني عامة، وقد عبر عن ذلك شعراً اذ قال:
ياشعرُ ، انت فـمُ الشعـو ر وصرخة الـروح الكئيب
ياشعر، أنت صَدأى نحيـ ب القلـب والصّبّ الغـريب
ياشعر ، أنت مـــدامعُ عَلِقـتْ بأهـداب الحيــاة
يـاشعـر، أنت دم تفجّـ ـر مـن دموع الكائنــاتْ
ياشعر، يالحنَ الــوجو د الحي يالغَـــة المـلائك!
ولما كان الشعر هو لغة الملائك، فمصدره اذاً الالهام، وبهذا نراه متأثراً بالادب الوجداني العربي ، الذي جعل من الالهام مصدراً للشعر، فالعرب عرفوا الالهام وعبروا عنه بالشياطين تارة، وبالجن تارة اخرى لكن (الشابي) يربطه بالوحي الخير المستمد من الملائكة. ورغبة (الشابي) في تمثيل الجانب الحي من الحياة وفي السعي نحوه شعراً وفكراً، واضحة هنا بجلاء.
ولم يحدد (الياس ابو شبكة) مفهوماً معيناً للشعر، وقال هذا صراحة في مقدمته لديوانه (افاعي الفردوس) اذ قال: "لا أكتب هذه المقدمة لأحدد الشعر، أو لأعلم الشاعر كيف ينبغي له أن يشعر، أو لأجيء بنظرية أتعصب لها وأعلن لأجلها حرباً" غير ان الشعر هو "كائن حي تحتشد فيه الطبيعة والحياة، فلا يقاس ولا يوزن" فـ(أبو شبكة) يرفض المذاهب والنظريات التي تقوم على الشعر، لأنه يراها لا تقع إلا على هامش الادب، ولا تمت للجوهري بأية علاقة، والشعر هو الفن الذي يعبر عن الحياة، والحياة بطبيعتها لا تحمل هوية محددة، ولذلك صعب قياسه.
ان مفهومه للشعر اقرب الى اطلاق الشعر من عواهنه، وربطه بما هو حي ومتجدد، ويبدو من رفضه للنظريات والمذاهب انه متأثر بـ(فكتور هيجو) الذي قال: "لا قواعد ولا مذاهب إلا مذاهب الطبيعة التي تهيمن على الفن كله والا القواعد الخاصة التي تعطي شروطاً خاصة لكل موضوع" وعلى الرغم من رفضه لتحديد الشعر، إلا ان هناك صورة معينة في نفسه للشعر، ولا بأس "فالطبيعة قيثارة الشاعر، وعبثاً يحاول الشاعر البحث عن اوتاره في غير هذه القيثارة". ويذهب بذلك مذهب (هيجو) الذي يرى أنه "ليس للشاعر من مثال سوى الطبيعة". ومن هنا كانت لدى الطبيعة عند (أبي شبكة) "أسرار لطيفة لايدركها الحس مهما دق، بل يشعر بها اذا قويت النفس [...] فالوحي يقوم على صفاء المزاج الطبيعي وقوة مادة النور في النفس" أن (أبا شبكة) يضع حداً واضحاً بين الطبيعة الساحرة وصرامة الاشياء، وقد اشار (ابو شبكة) الى دور الوحي في تكوين الشعر اذ قال: "إذا كان الوحي حالة من حالات النفس عند تأثرها المباشر بقدرة خارقة وشئنا أن ننكر هذه الحالة انكرنا جوهر النفس ذاته –انكرنا مبدأ الحياة، وأية غضاضة على الشاعر أن يكون وسيطاً لهذه القدرة الخارقة؟ فالأنبياء كانوا يتسقطون كلام الله. والقدرة الخارقة ليست منفصلة عن الانسان، فهي جوهر لنفسه [...] والنفس قوة لم يدرك كنهها لتحد، فكيف ننفي الوحي الشعري ما دامت النفس مصهر الشعور". ان ايمانه بالوحي ودوره في الشعر، فكرة قديمة، قال بها النقاد اليونانيون، ويظهر ذلك من خلال إجابة (ايون) عن استدراج (سقراط) في محاورته، حتى يصرح (ايون) بأن الشاعر لا يصدر عن قواعد فنية معينة، ولا عن مبادئ عقلية خاصة، بل عن نوع من النشوة الفنية يغيب فيه عن شعوره، وهو ما يسميه (افلاطون) بـ(الإلهام)، وهو مصدر إلهي محض. وبذلك نرى ان مفهوم الشعر عند النقاد اليونانيين قائم على الالهام، وهو مفهوم يتناسب مع نشأة الشعر الاولى وارتباطه بسحر الكلمات المستخدمة في الطقوس الدينية والسحرية. ويلتقي (ابو شبكة) مع الرومانسيين الذين يرون ان مصدر الشعر هو الالهام، واللاشعور هو منبع الشعر الاصيل، ومن الأدباء الرومانسيين (بوالو) الذي نفى ان يكون هناك شعر بدون وحي. ويلتقي مع (نوفالس) الذي قال: "ليس الشعر ثوباً يكسوه المؤلف فكرته بعد ان يتصور هذه الفكره، فالشعر لايروى، ولا يبحث بل انه ينبجس مباشرة من القلب". وهذه الفكرة قديمة قدم الشعر العربي آمن بها كثير من الشعراء والنقاد العرب القدامى. وبذلك نرى ان التقاء شاعرنا العربي الحديث مع نقاد وأدباء الغرب والعرب كان قائماً على ان مصدر الشعر هو الالهام.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .