انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

مفهوم حداثة الشعر عند جماعة المهجر

الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة سامر فاضل عبد الكاظم جاسم       12/26/2011 6:43:29 AM
مفهوم حداثة الشعر عند جماعة المهجر
- مفهوم الشعر ورسالة الشاعر:
يتضح انبثاق مفهوم الشعر من الرغبة في مواكبة التطور في الروح العام الذي يتحسسه الشاعر من خلال قول (الريحاني) معرّفاً الشعر: "الشعر أمواج من العقل والتصور تولدها الحياة ويدفعها الشعور فتجيء الموجة كبيرة أو صغيرة، هائجة أو هادئة، محرقة أو باردة، او فاترة بحسب ما في الدوافع من فورة الحس والبيان، فاذا جعل للصيغ اوزان وقياسات تتقيد معها الأفكار والعواطف فتجيء غالباً وفيها نقص أو حشو أو تبذل أو تشويه أو إبهام. وهذه بليتنا في تسعة اعشار الشعر المنظوم الموزون في هذه الأيام".
ان المفهوم السابق مزيج من عدة عناصر، كالفكرة والصورة والعقل، وهذا قريب من مفهوم (وولت ويتمان) للشعر، إذ قال: "إن الشعر ليس قائماً في نغم او في اتساق أو في تناول الأشياء تناولاً مجرداً ولا في شكاوى حزينة أو حكم مأثورة، بل هو حياة هذه وغيرها وهي قائمة في النفس". وهكذا نجد أن ثورة (الريحاني) على المفهوم القديم للشعر كان دافعها الأول هو الخلاص من القيود النظمية والبلاغية، من أجل التعبير بشعر صادق عن النفس والفكر.
اما رسالة الشاعر في ضوء مفهوم (الريحاني) فهي ان يعكس الحقيقة الواقعية، لأن دور الشاعر هو التغني من اجل الشعب والحياة ، وهي رسالة شاملة النواحي بمعاني الحياة العامة. وهو مفهوم قريب من مفهوم (ويتمان) لرسالة الشاعر ودوره، اذ عمل ويتمان طوال حياته الأدبية، على التغني من اجل شعب اميركة، واميركة الوطن، وتقدمها، لأجل تحقيق الحرية والديمقراطية فيها.
اما مفهوم (جبران خليل جبران) للشعر، فهو قريب في روحه من مفهوم الشعر لدى الريحاني الا انه مصوغ بصورة غامضة لأنه يقول: "الشعر ياقوم روح مقدسة متجسمة من ابتسامة تحيي القلب أو تنهدة تسرق من العين مدامعها، اشباح مسكنها النفس وغذاؤها القلب ومشربها العواطف، وان جاء الشعر على غير هذه الصور فهو كمسيح كذاب، نبذه أوقى" وبذلك المفهوم لا نخرج بشيء محدد، لأنه عرض مفهوم الشعر باسلوب سيطر عليه الخيال الشعري، وسيطرت عليه ايضاً العبارات الموسيقية الرنانة.
وفي مقاله (لكم لغتكم ولي لغتي) نجده يرفض المفهوم التقليدي للشعر، اذ يقول: "لكم منها العروض والتفاعيل والقوافي، وما يحشر فيها من جائز وغير جائز ، ولي منها جدول يتسارع في أوراق الخريف التي تسير معه". ومن هنا فإن الوزن والقافية اصبحا قيداً يقف ضد ابداع الشاعر، في حين ان الشعر فن حر لأنه همسات وترانيم تهمس بها النفس ويرتل بها الشعور، وهذا الشعر بعيد عن تناول اغراض الشعر القديم وموضوعاته.
وبما ان الشعر هو الروح المقدسة، فهذا برهان على ان الشعر عند (جبران) قائم على الرغبة في مواكبة الشاعر لتطورات الحياة حوله وان يكون هو الوسيط المعبر عنها بأمانه وصدق: "أقول لكم إنما الشاعر رسول يبلغ الروح الفرد ما أوحاه اليه الروح العام". ومن هنا فالشاعر هو من يتسقط الوحي، وهو الوسيط بين الحياة والإبداع من جهة ، والبشر من جهة ثانية. ويعرفه (جبران) بأنه "السلك الذي ينقل ما يحدثه عالم النفس إلى عالم البحث، وما يقرره عالم الفكر الى عالم الحفظ والتدوين". وقد اكتسب (جبران) هذه الفكرة من الشاعر (وليم بليك) الذي قال: "العبقرية الشعرية هي روح النبوة". ومن هنا نلاحظ ان العملية الشعرية عند (جبران) قائمة بين الشاعر –المبدع- والبشر، شرط ان يتوافر عنصران في هذه العملية وهما (العاطفة والفكر) ، وقد صرح (جبران) بذلك حينما قال: "أقول لكم إن النظم والنثر عاطفة وفكر وما زاد على ذلك فخيوط واهية واسلاك مقطعة" وبذلك اصبح الشعر انغاماً حرة معبرة عن افكار مفعمة بالعاطفة، لأن الشعر اصبح عنده حالة وجدانية فكرية، تعبر عن روح الشاعر بشكلها الفني الصادق المتمثّل للروح العام.
ويتفق مفهوم الشعر عنده ايضاً مع مفهوم بعض فلاسفة الجمال الذين يرون ان مصدر الابداع والعبقرية عند الشاعر والفنان هو الالهام، وهم يميزون الفنان عن سائر الناس، لأن طبيعته مهيأة لتلقي الوحي والالهام الذي يهبط عليه، وهذه الطبيعة ذات قدرة خارقة على الابداع / الشعر.
اما (نعيمة) فيتبنى المفهوم نفسه بلغة اكثر وضوحاً، اذ يقول: "الشعر هو غلبة النور على الظلمة والحق على الباطل. هو ترنيمة البلبل ونوح الورق، وخرير الجداول وقصف الرعد [...] الشعر –لذة التمتع بالحياة، والرعشة أمام وجه الموت. هو الحب والبغض، والنعيم والشقاء. هو صرخة البائس وقهقهة السكران [...] . الشعر- ميل جارف وحنين دائم [...] هو الذات الروحية تتمدّد حتى تلامس أطرافها أطراف الذات العالمية. [...] فالشعر هو الحياة باكية وضاحكة، وناطقة وصامتة، ومولولة ومهللة". فالشعر عند (نعيمة) لايحد فهو الحياة بكل ميادينها، لكنه ليس الكلام الموزون المقفى، وانما هو اللغة المجسدة لتَمَثّل الكون.
والشاعر عنده هو الذي "لا يكتب ولا يصف إلا ما تراه عينه الروحية ويختمر به قلبه حتى يصبح حقيقة راهنة في حياته ولو كانت عينه المادية أحياناً قاصرة عن رؤيته [...] الشاعر لايصف إلا ما يدركه بحواسه الجسدية أو يلامسه بروحه" فالشاعر عند (نعيمة) يمتلك قوة الحس ونفاذ البصيرة وجمال الادراك، بما يجعله يرى الحياة من حوله بصورة تختلف عن سائر بني البشر. وهذه الفكرة قال بها (هوراس) شاعر اللاتين من قبل. و(نعيمة) بهذا الوصف للشاعر يقترب مما قالت به العرب قديماً عن صفة الشاعر وتسميته "إنما سمي الشاعر شاعراً لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره" وتتاكد لدينا رغبة (نعيمة) في مواكبة التقدم في الروح العام وفي التعبير عنه من خلال اطلاقه صفات يحد بها الشاعر، وذلك بقوله: "الشاعر نبي وفيلسوف ومصور وموسيقي وكاهن. نبي –لأنه يرى بعينه الروحية مالا يراه كل بشر. ومصور –لأنه يقدر أن يسكب ما يراه ويسمعه في قوالب جميلة من صور الكلام. وموسيقي –لأنه يسمع أصواتاً متوازية حيث لا نسمع نحن سوى هدير وجعجعة. العالم كله عنده ليس سوى آلة موسيقية عظيمة تنقر على أوتارها أصابع الجمال وتنقل ألحانها نسمات الحكمة الأبدية" وهذه الصفات تلتقي مع اليونان التي اعتقدت بربات الشعر، حتى ان (هوميروس) بدأ الياذته بمخاطبة الهة الشعر، طالباً منها ان توافيه الأنباء ، فقال:
ربة الشعر عن أخيل بن فيــلا انشدينا واروي احتدامـا وبيلا
كما يلتقي وما قالت به الرومانسية الغربية التي جعلت الشاعر هو الكاهن والنبي، وان لكل فرد من الشعراء ربة خاصة به توحي اليه الابداع/ الشعر. وهذا ايضاً لم يبتعد عن العرب باعتقادها ان لكل شاعر شيطاناً يلقنه الشعر.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .