دور النشأة
كان التصوف كما قلنا من قبل في صدر الإسلام نوعاً من العبادة يقصد بها طاعة الله والطمع في الجنة والخوف من النار ، وكان من مظاهر العبادة غير الصلاة تلاوة الادعية والتهجد بذكر الله ، كما كان من مظاهره ايضاً الفقر والزهد في الطعام والمسكن والملبس ، وقد تأثر هؤلاء العباد بحياة الرسول (عليه الصلاة والسلام) والصحابة والتابعين في ميلهم اجمعين إلى الزهد في عرض الدنيا وزخرفها . وقد اطلقت كلمة "صوفي" لاول مرة في القرن الثامن للهجرة وكان أبو الحسن البصري على رأس متصوفة البصرة ، وفي ذلك الحين ظهرت رابعة العدوية ثم بنى المتصوفون لانفسهم الصوامع ولبسوا الصوف وبدأت تتكون لهم نظريات كما بدأ النون المصري والمحاسبي وغيرهما يصفون احوال النفس ومقاماتها ، كما تحدث أبو يزيد البسطامي عن حال الفناء .
دور الكمال
في القرن الثالث الهجري بلغ التصوف القمة ، اذ انتقل من حال الفناء التي قال بها البسطامي إلى فكرة الاتحاد التي قال بها الحلاج والجنيد ، ومعنى الاتحاد عند المتصوفة ان المتصوف يفنى عن نفسه ثم تتحد نفسه بالله تعالى ، وبعد ذلك ذهب الحلاج إلى القول بالحلول أي حلول الله في جسم عبده ، لذلك عذب وقتل وهو القائل انا الحق وما في الجبة الا الله . وفي هذا الدور اصبح للمتصوفة فلسفة ومباحث خاصة بهم فكانت لهم نظريات في الوجود والمعرفة وعنوا عناية خاصة بمذهب وحدة الوجود أي ان الله والعالم شيء واحد . من هذا يبدو واضحاً مدى اختلاط التصوف بالفلسفة . ومن اشهر المتصوفة في هذا الدور شهاب الدين السهروردي المقتول ومحيي الدين بن عربي وابن الفارض وجلال الدين الرومي .
دور التراجع
في هذا الدور لم يسلم التصوف من مقاومة فرفض الاشعرية قول المتصوفة في امكان الاتحاد بالله وحلوله في عبده ، ولم يقبلوا من اقوالهم الا ما كان يدور حول الزهد والتقشف ، وقد ايدهم في ذلك الإمام أبو حامد الغزالي الذي اعترف بالكشف الرباني وان المتصوفة في صحوهم يرون ارواح الانبياء والملائكة ويسمعون اصواتهم ويفيدون منهم فوائد كبيرة ولكنه مع ذلك انكر على المتصوفة قولهم بالاتحاد والحلول . وفي هذا الدور انقسم المتصوفة إلى فرقتين فرقة معتدلة واخرى متطرفة مبتدعة ، وفي القرن السادس الهجري تغلب التصوف السني على التصوف الفلسفي ، ووافق المتصوفون المتأخرون الامام الغزالي في ان التصوف رياضة روحية وزهد وتقشف وليس في حاجة إلى نظريات فلسفية . على انه في نهاية القرن السادس دخل كثير من الجهلة والاميين والادعياء هذا الميدان فاتجهت العناية إلى الاكثار من الذكر في الحلقات وتلاوة الادوار ثم تعددت الطوائف متخذة لها اسماء تدل عليها ، واصبح التصوف بعد هذا يعنى بالظاهر اكثر من الباطن .