البراهين الدالة على وجود النفس عند ابن سينا
يستعرض ابن سينا مجموعة من الأدلة لاثبات وجود النفس منها :
1. البرهان الطبيعي : ونجد هذا البرهان عند كل من افلاطون وارسطو ويقدم ابن سينا لهذا البرهان بتقسيمه للحركة إلى نوعين : حركة قسرية ، وحركة ارادية ، وتصدر الحركة القسرية عن محرك خارجي يدفع المتحرك إلى الحركة قسراً ، وأما الحركة الارادية فان مثلها ما يحدث على مقتضى الطبيعة ومنها ما يحدث ضد مقتضى الطبيعة ، والنوع الذي يحدث على مقتضى الطبيعة هو كسقوط الحجر من اعلى إلى اسفل ، أما النوع الذي يحدث ضد مقتضى الطبيعة فهو متحليق الطائر إلى اعلى يدل ان يسقط فوق الأرض فهذه الحركة المضادة للطبيعة انما تستلزم محركاً خاصاً زائداً على عناصر الجسم المتحرك وهذا المحرك هو النفس .
وكذلك تدلنا افعال الكائن الحي من تغذ ونمو وتوليد واحساس وحركة بالارادة على ان هذه الأمور الطبيعية لا يمكن ان تصدر عن الجسم وحده ومن ثم فلابد من التسليم بانها تصدر عن مبدأ آخر في ذواتها غير الجسم ، وهذا المبدأ الذي تصدر عنه هذه الافعال المختلفة انما هو النفس .
2. البرهان السيكولوجي : يقوم هذا البرهان على اثبات وجود النفس الإنسانية من ملاحظتنا لانفعالاتها كالتعجب والضحك والضجر والبكاء والخجل وكذلك من ادراكنا للصفات التي تتميز بها النفس كالنطق وتصورها للمعاني الكلية العقلية المجردة وامكانها التوصل إلى معرفة المجهولات من المعلومات الحقيقية تصوراً وتصديقاً ، وستصل بنا هذه الملاحظات إلى اثبات ان هذه الاحوال والافعال التي يختص بها الإنسان دون غيره من الكائنات الحية انما توجد فيه بسبب النفس ، فللانسان المدرك قوة يتميز بها عن الكائنات غير المدركة وهي النفس .
3. برهان الاستمرار : بينما نجد الجسد يخضع للتغير والتبدل وللزيادة والنقصان نجد النفس ثابتة باقية على حالها ، إذ انها تتذكر الاحوال السابقة وتحس خلال هذا التذكر باستمرارها في هذه الذكريات المترابطة ، واذن فالنفس موجودة ، تأمل ايها العاقل في ان (انك) اليوم في نفسك هو الذي كان موجوداً (طول) عمرك حتى انك تتذكر كثيراً مما جرى من احوالك .. فانت إذن ثابت مستمر لاشك في ذلك ، وبدنك وذاته ليس ثابتاً مستمراً ، بل هو دائماً في التحلل والانتقاض ... ولهذا يحتاج الإنسان إلى الغذاء بدل ما نحلل من بدنه فتعلم نفسك ان في مدة عشرين سنة لم يبق شيء من اجزاء بدنك ، وانت تعلم بقاء ذاتك في هذه المدة ، بل جميع عمرك ، فذاتك مغايرة للبدن واجزائه الظاهرة والباطنة ، فهذا برهان عظيم يفتح لنا باب الغيب فان جوهر النفس غائب عن الحس والأوهام .
ويتضح من الجزء الثاني من هذا الدليل ان ابن سينا يشير إلى التغير الذي يطرأ على الجسم نتيجة للتغذي والنمو وكيف ان هذا التغير يبدل من شكل الجسم ، مع هذا فان النفس التي تدبر هذا الجسم تبقى ثابتة لا تتبدل انانيتها وهذا يعني في نظره ان النفس غير الجسم وانها موجودة .
4. برهان وحدة النفس : لما كانت النفس محلاً للمعقولات وكانت المعقولات غير جسمية بحيث لا تتقسم كالاجسام ، فلابد من ان يكون محلها على شاكلتها أي جوهر غير جسمي وغير منقسم ، واذن فالنفس جوهر عقلي غير منقسم .
وكذلك فانه على الرغم من ان للنفس وظائف مختلفة وقوى شهوانية وغضبية ومدركة الا انها تظل واحدة ، إذ ان هذه القوى لابد لها من رباط غير جسمي ، يجمع بينها وهو النفس ، ففي الإنسان إذن يوجد رباط مجمع لسائر الادراكات والافعال ، وحينما يشير الإنسان إلى نفسه على انها هي التي تفعل وتدرك ، فانه انما يشير إلى موجود وراء البدن أي إلى جوهر مغاير لجملة اجزاء البدن .
5. برهان الإنسان المعلق في الهواء أو برهان الرجل الطائر : مضمون هذا الدليل ان الإنسان إذا غفل عن اعضاء جسمه فانه لن يغفل عن ذاته ابداً . فلو فرض انه معلق في الهواء لا يدرك اجزاء بدنه ، فانه لا يغفل ابداً عن الشعور بوجود "آنيته" ، يقول ابن سينا : "ارجع إلى نفسك وتأمل هل إذا كنت صحيحاً ، بل وعلى بعض احوالك غيرها بحيث تفطن للشيء فطنة صحيحة ، هل تغفل عن وجود ذاتك ولا تثبت نفسك ، ولو توهمت ان ذاتك قد خلقت أول خلقها صحيحة العقل والهيئة ، وفرض انها على جملة من الوضع والهيئة لا تبصر اجزائها ولا تتلامس اعضاءها ، بل هي منفرجة ومعلقة لحظة ما في هواء مطلق ، وجدتها قد غفلت عن كل شيء الا عن ثبوت آنيتها" .
هذه البراهين التي يسوقها ابن سينا لاثبات وجود النفس لا تضيف شيئاً جديداً إلى البراهين الفلسفية السابقة عليه فنجد البرهان الطبيعي عند سقراط .
واما برهان وحدة النفس فاننا نجده عند الفارابي وكذلك البرهان السيكولوجي وبرهان الاستمرار فاننا نجدهما لدى أرسطو ... ويبقى برهان الرجل الطائر وهو يبدو في صياغة جديدة اما مضمونه فهو مشتق من البراهين السابقة .