النفس عند ابن سينا
تعريف النفس وطبيعتها :
يعرف ابن سينا النفس بانها كمال اول لجسم طبيعي آلي ينمو ويتغذى ويلاحظ على هذا التعريف انه ينطبق تماماً على تعريف ارسطوا للنفس في كتابه المسمى "بالنفس" ، وقد رأينا في العلم الطبيعي كيف ان جميع الافعال النباتية والحيوانية والانسانية انما تصدر عن قوى زائدة على الطبيعة الحسية ، وهذه القوى (كما رأينا) هي التي يستكمل بها النبات والحيوان والانسان وجوده ، وتسمى هذه القوى (كمالات) بالنظر إلى انها تكمل الجنس فيصير بها نوعاً محصلاً أي موجوداً بالفعل .
وتعريف ابن سينا للنفس (بانها كمال) انما يرجع إلى ان النفس تعد كمالاً من جهة القوة التي يستكمل بها ادراك الحيوان وتلك التي تصدر عنها افاعلية ، وكذلك فان النفس المفارقة (كمال) والنفس التي لا تفارق كمال بهذا المعنى .
واما تعريف النفس بانها كمال اول فان ذلك يعني انها التي يغير النوع بها نوعاً ، اما الكمال الثاني فهو صفة متعلقة بالنوع ، كالقطع بالنسبة للسيف وكالاحساس بالنسبة للانسان ، والنفس كمال اول للجسم ، بمعنى انها كمال لجنس الجسم لا لطبيعته المادية اما وصف هذا الجسم بانه جسم طبيعي فذلك يراد به تمييزه عن الجسم الصناعي مثل السرير والكرسي والحائط ، وكذلك فانه ليس أي جسم طبيعي بل هو جسم طبيعي تصدر عنه كمالاته الثانية بالآلات يستعين بها في افعال الحياة ، واول مراتبها التغذي والنمو ، ولهذا فان ابن سينا يصف هذا الجسم الطبيعي بانه جسم يتغذى وينمو ، وهو يشير بذلك إلى النبات ، اما الحيوان فان له نفساً تزيد على نفس النبات لانها تدرك الجزيئات وتتحرك بالارادة ، وتأتي نفس الإنسان في المرتبة الاخيرة فتضاف اليها صفات اخرى تزيد على ما للنفس الحيوانية من صفات ويعرفها ابن سينا "بأنها كمال اول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يفعل الافعال الكائنة بالاختيار الفكري والاستنباط بالرأي ومن جهة ما يدرك الامور الكلية" .
على ان ابن سينا يختلف على ارسطو في فهم معنى الكمال ، فالكمال عند ارسطو يقصد به الصورة ، فالنفس كمال الجسم بمعنى انها صورة الجسم ومبدأ افعاله الحيوية ، ولا يمكن لها ان توجد بدون الجسم اذ هو مادتها وقوامها ، اما ابن سينا فيرى انه اذا كانت كل صورة كمالاً فليس كل كمال صورة فما كان من الكمال مفارقاً للذات لم يكن بالحقيقة صورة للمادة وفي المادة ، فان الصورة التي هي في المادة هي الصورة المنطبعة فيها القائمة بها .
واذن فابن سينا يرى ان وصف النفس بانها كمال لا يعني انها صورة بل يعني انها مفارقة ، فالكمال اذن – بحسب رأيه – هو تمام الطبيعة المعقولة للجوهر العقلي ، ويؤكد ابن سينا ان النفس غير البدن وانها تتميز عنه من حيث انها جوهر عقلي يمكن ان توجد مفارقة للبدن ، اما البدن فانه لا يقوم الا بها ، ومتى فارقته انحل وفسد ، والنفس كذلك جوهر روحاني لانها تدرك المعقولات وتدرك الكليات وتدرك ذاتها بدون آلة اما الحس والخيال فلا يدرك كل منهما ذاته ، وكذلك أيضا فانه بينما يوهن استمرار العمل الآلات الجسدية ويضعفها وربما يفسدها نجد خلاف ذلك بالنسبة للقوة العقلية في النفس ، فانها كلما داومت على الفعل وتصور الامور وممارسة المسائل العقلية كلما ازدادت صقلاً واكتسبت قوة وصارت تنقل المعقولات بعد ذلك بسهولة اكبر .
ويلاحظ انه بينما تضعف آلات الجسد عند سن الاربعين نجد ان القوة العقلية على العكس منها تزداد هذه القوة ، فالنفس اذن ليست كالبدن بل هي جوهر روحاني.
وربما استطعنا تفسير قوله هذا على ضوء النظرية المشائية التي تذهب إلى ان النفوس الجزئية انما تفيض على النفس الكلية التي تفيض بدورها عن العقل الفعال وهو عقل فلك القمر ولكن هذه النفوس عند ابن سينا لا يصير تشخيصها وتغايرها الا بالمادة الجسدية اذ انها واحدة من حيث الصورة ، فتكون النفس الجزئية لزيد أو لعمر ، فكيف يستقيم هذا مع اشارة ابن سينا إلى انها نزلت مكرهة في البدن وسجنت – كما يذكر في رسالته الصوفية الرمزية – ثم انه كيف يمكن القول أيضا بالخلود أي بأبدية النفس مع القول بحدوثها ؟ الحق اننا لا نستطيع تفسير موقف ابن سينا من مشكلة اصل النفس وطبيعتها الا اذا افترضنا وجود موقفين لديه بهذا الصدد : موقف مشائي يفترض وجود النفس عند وجود البدن المستعد لقبولها ، وموقف افلاطوني لا يكاد يتضح الا في نصوص ابن سينا المتأخرة وخصوصاً في رسالته الصوفية فانه يذهب فيها إلى القول بوجود النفس مفارقة قبل وجود البدن ، مع الحرص التام على عدم الانزلاق إلى التصريح بقدومها وذلك مخافة من نقض دعاوى الدين ، وبالرغم من ان حل مشكلة مصير النفس عن طريق القول بالخلود سواء كان للنفس ككل أو للنفوس الفردية يثير في نفس الوقت مشكلة أصل النفس وقدمها ويشير إلى ضرورة التسليم منطقياً بموقف افلاطون القائل بوجودها قبل البدن : إذ ان القول بوجود ابدي يفضي بنا بالضرورة إلى التسليم بوجود ازلي ، والحق ان هذا الغموض الذي استكملت حلقته حول مشكلة النفس عند مفكري الإسلام انما يرجع إلى محاولاتهم التوفيق بين مذاهبهم الفلسفية وموقف الدين ، فنجد السهرودي مثلاً على الرغم من افلاطونيته الواضحة يقع في نفس الخطأ ويذكر في "هياكل النور" ان النفس انما تفيض على البدن المستعد منذ القدم – الزماني وغيره من أنواع القدم – لقبولها ، وقد يكون حل المشكلة بطريقة حاسمة في نطاق مذهب اسلامي ان نعود إلى التفريق الذي استخدمه ابن سينا في حل مشكلة قدم العالم وهو النفريق بين القدم الزماني وغيره من أنواع القدم ولكن مع استبعاد القول بأن النفس تحتاج إلى البدن لكي توجد .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .