انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

النثر الجاهلي

الكلية كلية الاداب     القسم قسم الآثار     المرحلة 1
أستاذ المادة سحر كاظم حمزة المنصوري       30/09/2018 06:57:38
النثر الجاهلي / المحاضرة الرابعة
النثرالجاهلي:
حين نتحدث عن النثر الجاهلي ننحّي النثر العاديَّ الذي يتخاطب به الناس في شئون حياتهم اليومية؛ فإن هذا الضرب من النثر لا يعد شيء منه أدبًا إلا ما قد يجري فيه من أمثال؛ إنما الذي يعد أدبًا حقًّا هو النثر الذي يقصد به صاحبه إلى التاثير في نفوس السامعين والذي يحتفل فيه من أجل ذلك بالصياغة وجمال الأداء، وهو أنواع، منه ما يكون قصصًا وما يكون خطابة وما يكون رسائل أدبية محبرة، ويسمي بعض الباحثين النوع الأخير باسم النثرالفني. وليس بين أيدينا وثائق جاهلية صحيحة تدل على أن الجاهلين عرفوا الرسائل الأدبية وتداولوها، وليس معنى ذلك أنهم لم يعرفوا الكتابة؛ فقد عرفوها، غير أن صعوبة وسائلها جعلتهم لا يستخدمونها في الأغراض الأدبية الشعرية والنثرية، ومن ثم استخدموها فقط في الأغراض السياسية والتجارية. ولا ينقض ذلك ما جاء في السيرة النبوية من أن سويد بن الصامت قدم مكة حاجًّا أو معتمرًا؛ فتصدى له رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: "وما الذي معك؟" قال: مجلة لقمان، فقال له رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: "اعرضها عليّ"، فعرضها عليه، فقال له: "إن هذا لكلام حسن والذي معي أفضل من هذا: قرآن أنزله الله عليّ، هو هدى ونور؛ فتلا عليه رسول الله القرآن، ودعاه إلى الإسلام فلم يَبْعُد منه، وقال: إن هذا القول حسن.."
وهذا الخبر إنما يفيد أنه كان عندهم صحيفة بها بعض أمثال وحكم مما كانوا ينسبونه إلى لقمان، ووجود مثل هذه الصحيفة لا يدل على أنهم استخدموا الكتابة في التعبير عن وجدانهم نثرًا وشعرًا؛ فقد كانت محدودة الانتشار بينهم، ومن التعسف أن نزعم ذلك لمجرد الظن؛ بينما تنقصنا أو تعوزنا النصوص الحسية. وإذا كنا نفتقد الأدلة المادية على وجود رسائل أدبية في العصر الجاهلي فمن المحقق أنه وجدت عندهم ألوان مختلفة من القصص والأمثال والخطابة وسجع الكهان. ومن المؤكد أنهم كانوا يشغفون بالقصص شغفًا شديدًا. وساعدتهم على ذلك أوقات فراغهم الواسعة في الصحراء؛ فكانوا حين يُرْخي الليل سدوله يجتمعون للسمر، وما يبدأ أحدهم في مضرب من مضارب خيامهم بقوله: كان وكان، حتى يرهف الجميع أسماعهم إليه، وقد يشترك بعضهم معه في الحديث، وشباب الحي وشيوخه ونساؤه وفتياته المخدرات وراء الأخبية كل هؤلاء يتابعون الحديث في شوق ولهفة.ومن غير شك كان يفيض القَصَّاص على قصصه من خياله وفنه، حتى يبهر سامعيه، وحتى يملك عليهم قلوبهم فيحولهم من الشفقة إلى محبة الانتقام ومن الضحك إلى الجدّ. وعيونهم تلمع في وجوههم السمْر وقلوبهم تخفق من آن إلى آن. وليس بين أيدينا شيء من أصول هذا القصص الذي كان يدور بينهم؛ غير أن اللغويين والرواة في العصر العباسي دونوا لنا ما انتهى إليه منه. وطبيعي أن تتغير وتتحرف أصوله في أثناء هذه الرحلة الطويلة التي قطعتها من العصر الجاهلي إلى القرن الثاني الهجري، وإن كان من الحق أنها لا تزال تحتفظ بكثير من سمات القصص القديم ولا تزال تنبض بروحه وحيويته
إن النظر إلى النثر في العصر الذي سبق الإسلام يثير السؤال الذي طالما استوقف
الباحثين في هذا الصدد , هل نشا لدى الجاهلين نثر فيه تأنق وإجادة في التعبير والتصوير ؟ بمعنى هل هناك نثر فني في العصر الجاهلي ؟
لا شك ان إمكانية معرفة ذلك كانت موضوع خلاف بين الباحثين عربا ومستشرقين , فمنهم من يذهب إلى نفي تلك المعرفة , إذ لم ينشا عند تلك الأمة ما يسمى بالنثر الفني لأن الحياة الجاهلية حياة بدائية لا يمكنها أن توجد هذا النثر الذي هو لغة العقل ,وما وصل من وثائق عن ذلك العصر لا تكفي للإدلاء بحكم ما,فالكثير منها موضع شك لتسرب الانتحال والوضع إليه. ومرد ذلك هو إهمال التقيد والتدوين الذي تأخر حتى العصر العباسي الأول ,وهذا الأمر – بلا شك – يحط من مصداقية النصوص التي وصلت إلينا بعد تلك المرحلة .
فيما يرى فريق آخر من الباحثين ان العرب في الجاهلية عرفوا هذا الفن وطرقوا بابه ,لان ذلك النثر كان موجودا عند كثير من الأمم كالفرس والهنود واليونان , إذ يمتد تاريخه إلى خمسة قرون قبل الميلاد , فلا يعقل ألا يكون للعرب نثر فني بعد الميلاد بخمسة قرون ,إلى جانب ان القران في بلاغته إنما كان يخاطب قوما يفهمونه ويتذوقونه , وفهم القران وتذوقه لا يمكن أن يقع اتفاقا وبلا استعداد , بل لابد أن تكون عند الجماهير التي سمعته وتأثرت به واعتنقت دينه ثقافة أدبية خاصة . وان عدم وصول نماذج صحيحة عن ذلك العصر ليس دليلا على جهل العرب بهذا الفن .
ويبدو ان الري الأخير اقرب الى الدقة والموضوعية , فالبيئة العربية آنذاك هي منشأ الفصاحة والبلاغة,فقد كان عرب البادية – من بين ما كانوا يفعلون – يحكمون بصواب القول من خطه عند النحويين والبلغاء .
إن ابرز ما نقل لنا من النثر الجاهلي مجموعة من الفنون النثرية , تأتي في مقدمتها الخطابة , إذ أخذت دورها الفاعل في بيئة اعتصرت فيها الخصومات واشتدت المنازعات , فما أن تتعالى أشرعة الحرب , او يلتهب التنافس والتفاخر فيها حتى تجد صوت الخطيب عاليا مدويا فهو لسان القبيلة في حربها وسلمها وفي سرائها وضرائها , فلا عجب أن يلجأ إليها العربي , تعينه في ذلك ملكة البيان وفصاحة اللسان والتمكن من فن القول .
كانت أهم موضوعات الخطابة في العصر الجاهلي تدور حول المفاخرات والمنافرات والمصاهرات والوعظ والإرشاد والتحريض على القتال وإصلاح ذات البين .
وتعد الأمثال ابرز الفنون النثرية آنذاك بعد الخطابة , اذ صورت الأمثال جانبا مهما من مظاهر الحياة الاجتماعية وأبعادها في العصر الجاهلي فضلا عن فن الحكمة , إذ كانت القبائل تفزع إلى حكمائها في كل ما يكتنفها من شدائد وأحداث .
وقد كان سجع الكهان من الأنواع النثرية التي لها أثرا جليا في نفوس جل الناس آنذاك اذ عرف هذا النوع عن الكهنة ورجال الدين الذين كانوا يلتزمون نسقا معينا من الزخرف اللفظي , يفضي على كلامهم هالة من التعتيم والغموض , وكان العرب يقصدون إليهم في كل ما يهمهم ويشغلهم , لأنهم اعتقدوا في الكاهن قدرته على كل شيء .
لقد انماز النثر في الجاهلية بعدد من الخصائص الفنية وأبرزها :- جزالة اللفظ وكثرة الغريب , وقصر الخطب والجمل , وتوظيف المحسنات البديعية كالسجع والجناس والمقابلة , وكذلك الأساليب البيانية كالاستعارة والتشبيه والكناية . والشيء والذي يلفت الانتباه هنا هو بنية (هيكلية ) الخطبة الجاهلية , إذ تبدو وكأنها مجموعة من الحكم والجمل مع القليل من الترابط والوشائج . اذ يعمد الخطيب إلى مباشرة الموضوع دون ترتيب الأفكار أو استقصائها .
وقد كان هاشم بن عبد مناف وقيس بن ساعدة وزهير بن جناب وأكثم بن صيفي هم أشهر عرب الجاهلية في ريادة تلك الفنون النثرية التي كان أبرزها الخطب .
ومن تلك الخطب خطبة قيس بن ساعدة في سوق عكاظ (( أيها الناس اسمعوا وعوا , وإذا سمعتم شيئا فانتفعوا: انه من عاش مات , ومن مات فات , وكل ما هو آت آت . ليل داج , وسماء ذات أبراج وارض ذات فجاج . إن في السماء لخبرا , وان في الأرض لعبرا , ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون ؟ ارضوا بالمقام فأقاموا ؟ أم تركوا هناك فناموا ؟ يا معشر إياد , أين الآباء والأجداد ؟ وأين الفراعنة الشداد ؟ أين من بنى وشيد ؟ وزخرف ونجد ؟ لقد طحنهم الثرى بكلكله , ومزقهم بطوله ))



المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .