انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

التحصينات 2

الكلية كلية الاداب     القسم قسم الآثار     المرحلة 4
أستاذ المادة ضياء نعمة محمد العبيرة       2/19/2012 7:22:33 AM


اوعز الحجاج بن يوسف الثقفي الى بعض الأشخاص ان يرتادوا له موضعاًً لمدينته وقد وضع شروطاً معينة للموضع الذي يريده ، اذ قال لرجل يثق بعقله : (( أمض وأبتغ لي موضعاً في كرش(??) من الأرض ابني فيه مدينة وليكن على نهر جار )) وان يكون بين الجبل والمصرين ، الكوفة والبصرة.
وبعد أن استكملت بعثات التحري أعمالها ، اختارت موضع واسط ، فكان كما رأت أوفق مكان وجدته لأنه في ( خفوف( ?)الريح وانف البرية ) ، توجه الحجاج بنفسه لمعاينة الموضع وبات فيه ليلة فأستطاب واستعذب المياه من النهر واستمرأ الطعام والشراب . وعلاوة على ذلك فأنه أستفسر عن موقع الموضع جغرافياً وبعده عن الكوفة والمدائن والأهواز والبصرة . فلما وافقه المكان قرر بشكل نهائي تأسيس المدينة .
أقيمت مدينة واسط على الضفة الغربية لنهر دجلة، الذي شكل بذلك حاجزاً طبيعياً في شرق المدينة مما أضفى على موقعها أهمية عسكرية بالغة ، فأذا ما قامت ثورة في البصرة او الكوفة ( حيث كانت الثورات تقوم فيها على الاغلب في ذلك الوقت ) فأنه يصعب على الثائرين العبور من دجلة او الفرات اذا ما قطعت الجسور ، فتتهيأ للحجاج فرصة الاستعداد للقضاء على الثورات من مدينته المنيعة . والواقع فأن واسط لا تقع بين دجلة والفرات فقط بل تقوم على شبكة من الأنهارمما جعل موضعها ذا استحكامات طبيعية عالية المستوى .
واذا كانت شروط الحجاج التي وضعها لموضع مدينته قد توافق مع بعض شروط اختيار مواضع المدن العربية الاسلامية منذ العصر الراشدي ، فشرطه ان تكون مدينته على نهر جار يرتبط بوضوح بشرط الخليفة عمر بن الخطاب ( ? ) بالنسبة الى البصرة ان تكون بالقرب من منابع المياه ، وشرطه بان يكون الموضع في ( انف البرية ) هو الاخر يرتبط ارتباطاً واضحاً بشرط صفة البصرة والكوفة والفسطاط انها تقع على طرف البر . الا ان وقوع واسط بين دجلة والفرات لا يتوافق مع شرط الخليفة عمر ( ? ) في ان لا يفصل الامصار عن مركز الخلافة بحر او نهر . ومرد ذلك ان واسط تأسست بسبب عوامل تختلف عن العوامل التي ادت الى اختيار وتأسيس الامصار الاسلامية السابقة ( وان كانت في كلتا الحالتين عوامل عسكرية ) ، فمدينة واسط لم تنشأ كنتيجة من نتائج عمليات الفتوحات الاسلامية وظهور حاجة ماسة لدى القادة الفاتحين الى مخيمات او معسكرات تقوم بوظيفة تهيئة اماكن لاقامة المقاتلين العرب ، وتسهيل عمليات الامداد والتموين ، لذا فهي أقرب ما تكون الى مدينة ( امير ) منها الى مصر او مخيم. وبذلك فأن الموانع المائية وعلى العكس مما كان عليه الحال في المدن السابقة ، قد أتخذت خطوط استحكامات طبيعية تزيد من منعه المدينة اضافة الى استحكاماتها المشيدة ( والتي سيأتي الحديث عنها تباعاً في الفصول القادمة ) . وبالطبع فأن هذا الأمر يؤشر متغيراً جديداً في الستراتيجية العسكرية التي حكمت تخطيط المدن العربية الإسلامية آنذاك . فبعد ان كانت الأمصار الأولى تتخذ كقاعدة انطلاق للجيوش العربية ، اتخــذت واسط كمدينة ( أمير ) محصنة بشكل كبير للدفاع عنه أثناء الثورات وحركات التمرد .
، وعلى الرغم من قلة المعلومات التاريخية حول واسط الا ان الأستاذ فؤاد سفر من خلال تنقيباته في موقع هذه المدينة التاريخية استطاع ان يضع مخططاً لها وهو عبارة عن نصف دائرة على الضفة الغربية لنهر دجلة ، وهي بهذا اول مدينة عربية اسلامية في العراق تبنى وفق التخطيط الدائري ( اذ ليس المقصود بالتخطيط الدائري ان يشكل المخطط دائرة كاملة ، فالدائرة الكاملة ونصف الدائرة او اكثر من نصف الدائرة جميعها تنضوي تحت مفهوم التخطيط الدائري ) ويبدو ان وجود نهر دجلة في الموضع المنتخب قد اغنى مخططي المدينة عن اكمال استحكاماتها من جهة الشرق بأعتبار ان النهر يمثل خطا دفاعيا منيعاً بحد ذاته
وربما قد أستذكر هذه الاستحكامات او بعضاً منها فيما بعد عندما خطط مدينته التي تتشابه مع واسط في عدد من خطوطها الدفاعية مثل الموضع ذي الاستحكامات الطبيعية والتخطيط الدائري ( وان كان في واسط عبارة عن نصف دائرة ) والخندق والسورين ، وليس ادل على أعجاب المنصور بها من عملية نقل ابوابها الحديدية لتوضع على مداخل سور بغداد الاعظم . ولم يقف الامر عند هذا الحد بل تعداه الى تخطيط القصر والمسجد ، فالحجاج قد جعل قصره في وسط المدينة وكان مربعاً طول ضلعه (400) ذراع تعلوه قبة خضراء في وسطه كانت ترى من مدينة فم الصلح التي تبعد عن واسط سبعة فراسخ( ?) ، والى جانب هـذا القصر خط المسجـد الجامع وجعله مربعاً طول ضلعه (200) ذراع
الخندق
من عناصر استحكاماتها خندقها الذي أمر بحفره الحجاج بـن يوسف زيادةً في تحصين المدينة , وقد رددتْ المصادر التاريخية ذكر هذا الخندق ,الا انها لا تتفق على وجود خندق واحد او خندقين فبينما اشارت اغلـب تلك المصادر الى ان هناك خندقاً واحـداً يحيـط بالمدينة, انفرد ياقوت الحموي برواية وجود خندقين للمدينة.
والراجح ان رواية الخندق الواحد تبدو اكثر دقةً , لأن المؤرخين الذين ذكروها هم اقرب عهداً ببناء المدينة , وان احدهم وهو بحشل المتوفى سنة 292هـ ( 905م) من أبناء ألمدينه نفسها ,كما ان رواية ياقوت لم تُؤَيد لنا بالنصوص التاريخية الأخرى , ولا تتفق مع تخطيط المدن آنذاك .
أما عرض هذا الخندق وعمقه فغير معروفان لعدم إشارة المصادر التاريخية أليهما ، كما ان تلك المصادر لم تُشر إلى مصدر مياهه, لكن من المؤكد ، كما يرى الدكتور عبد القادر المعاضيدي , انه كان ياخذ مياهه من دجلة او من الزابي( ?) لقربهما منه.
أسوار المدينة:
أحاط الحجاج المدينة بسور زيادة في تحصينها . وقد أشارت اغلب المصادر التاريخية إلى وجود سورين للمدينة ، فقد ذكر بحشل ان للمدينة سوران، كما ان الطبري ذكر اثناء حديثه عن حصار الجيش العباسي ليزيد ابن هبيرة في واسط ، ان اهل الشام كانوا (( لا يقتتلون الا رميا من وراء الفصيل )) ويفهم من هذا النص ان هناك فصيلاً يقع وراء السور الخارج ، وان حائط هذا الفصيل يعد السور الداخلي للمدينة وبذلك يكون للمدينة سوران بينهما فصيل.
اما ياقوت فيذكر ان لواسط سور واحد، وهو قول لا يمكن الاخذ به لأن المصادر التاريخية السابقة هي اقدم منه ، وانها أقرب عهداً ببناء المدينة وخصوصاً بحشل ( كما اسفلنا ) .
وتعد أسوار مدينة واسط ذات اهمية كبيرة في دراسة الاستحكامات الدفاعية للمدن الإسلامية ، ليس لانها اسوار اول مدينة محصنة في العصر الإسلامي فحسب ، بل لانها تمثل مرحلة متطورة في الاستحكامات الدفاعية ، ونقصد بذلك ظاهرة تعدد الاسوار ، اذ ان بناء سور لمدينة يعد مظهراً من مظاهر أستحكاماتها ، اما تعدد الاسوار فيعد مظهراً اخر من تلك المظاهر . اذ يخضع هذا المظهر الدفاعي لحسابات واعتبارات عسكرية ودفاعية تختلف عن تلك الاعتبارات المرعية في بناء سور مفرد ، ومن اهم وابرز تلك الحسابات ضبط التناسب في ارتفاع كل من السورين لارتباطه بعملية الرصد من فوق السورين ، وخصوصاً السور الداخل لذا يجب ان يكون السور الخارج ، بكل الاحوال ، أقل ارتفاعاً من السور الداخل لضمان عدم اعاقته لتلك العملية ـ أي الرصد ـ . كما يجب ضبط حساب عرض المسافة الفاصلة بين السورين او مايعرف بـ( الفصيل ) ضمن حسابات مديات اسلحة الرمي الثقيل ( المنجنيقات ) لدى المهاجمين بحيث يكون السور الداخل بمنأى عنها او خارج المدى المؤثر( ?) لتلك الاسلحة على أقل تقدير ، واذا كان هذا المظهر الدفاعي هو الاول من نوعه في العصر الاسلامي ، الا انه لم يكن وليد العمارة العربية الاسلامية ، فقد عرفت العمارة العراقية القديمة هذا المظهر منذ الالف الثالث قبل الميلاد ( عصر فجر السلالات ) اذ ظهر في اسوار مدينة الوركاء . واستمر في العصور التاريخية اللاحقة ، حتى قبيل الاسلام ، اذ ظهر بصورة جلية في أستحكامات مدينة الحضر ، مما يؤشر بشكل واضح عملية التواصل الحضاري في العراق عبر الحقب التاريخية المتلاحقة وخصوصاً في مجال الفكر العماري العسكري .
وعلى الرغم من تلك الاهمية التي تتصف بها اسوار مدينة واسط ، الا اننا لا نمتلك معلومات تاريخية وافية عن شكل تلك الاسوار وارتفاعاتها وامتداداتها ، سوى ما ذكره الطبري مـن ان السور الخارج كان مدعماً بالأبراج دون ذكــر عددها او هيئتها.
اما على صعيد التنقيبات الاثرية التي أجريت في خرائب هذه المدينة ، فقد جاء في تقارير بعثة التنقيبات التابعة لمديرية الاثار العامة بانها عثرت على نصف دائرة من حطام الآجر المبعثر تحيط بأطلال المدينة من الجهات الثلاثة الشمالية والغربية والجنوبية الغربية وتبعد عن إطلال المدينة ما يقرب من الكيلومتر الواحد . وقد تبين للبعثة أن هناك نقاطاً متعددة تحتوي علـى جدران مــن الطوف يتراوح سمكها بـين ( 4 – 8م ) . اما سمك هــذا الجدار عند جهات المدخل فيتراوح بين ( 11 – 12م ). اما الجــزء الظاهر منــه علــى سطــح الأرض فيتراوح بيــن ( 2 – 3م ). ويخترق هذا الجدار بين مسافات متفاوتة نوع من المجاري الخاصة المشيدة بالآجر تشييداً محكماً على ارتفاع يقرب مــن المترين . كما عثرت البعثة على طلعات ودخلات مشيدة بالآجر، ربما كانت تشكل ابراجاً لهذا السور. وينتهي هذا الجدار عند ضفة دجلة بمسافة تبعد عن اخر اطلال المدينة بنحو ( 500م ) شمالاً . اما في الجهة الجنوبية الغربية فانه ينتهـي عنـد الجدول القديم الذي يبعد عـن اطلال المدينة قرابـة ( 500م ) جنوباً . وقد قام سكان المنطقة الحاليين بزراعة الارض التي فيها هـذا الجدار ، لذا فان اثار التخريب واضحة فيه من جراء عمليات حرث الارض.
لقـد اطلقت البعثة التنقيبية علـى هذا الجدار بصورة مبدئية اسـم ( سور المدينة ) ، ومما يؤسف له حقا ان التنقيب لم يستمر في هذا الجدار ، فلو تأكد لنا حقيقة ان هذا الجدار هو السور الخارج لمدينة واسط ، لأمدتنا البعثة بمعلومات نادرة وفريدة عن نتاج العمارة العسكرية العربية في أدوارها الأولى الغامضة ، كما إن اكتشاف هذا السور سيكون من الاحداث المهمة في مجال العمارة الاسلامية لأنه سوف يكون السور الوحيد في العالم الاسلامي الذي يرتفع بهذا المقدار والذي يعود إلى تلك الفترة الزمنية المتقدمة ، كما انه سوف يهدينا إلى شكل المدينة الذي أمسكت المصادر التاريخية عن ذكره.
مداخل واسط
تكتسب مداخل مدينة واسط أهمية كبيرة في دراسة الأستحكامات الدفاعية كونها أول مدينة أسلامية مسورة في العراق ، وعلى الرغم من هذه الأهمية إلا أن المصادر التاريخية تغفل عن ذكر معلومات وافية عنها . فنحن لا نعلم بالضبط عدد مداخل هذه المدينة ولا مواقعها والمسافة بينها ، ولا تصاميمها . ولم تزودنا تلك المصادر الا بأسماء عدد من هذه المداخل وهي : باب المضمارباب الزاب، باب القورج، باب الخلالين باب البصــرة، وباب الفيل.
ويبدو ان مداخل هذه المدينة كانت حصينة ، وزيادة في التحصين فأن الحجاج قد وضع عليها أبواب حديدية كان قد نقلها من مدينة قديمة قريبة من موضع مدينته ، فقد ذكر الطبري ان نبي الله سليمان بن داود ( عليهما السلام ) (( بنى مدينة بالقرب من موضع بناء الحجاج واسطا يقال لها الزندورد ، واتخذت الشياطين لها خمسة أبواب من حديد لا يمكن الناس اليوم عمل مثلها فنصبها عليها ، فلم تزل عليها الى ان بنى الحجاج واسطا .... فنقل الحجاج ابوابها فصيرها على مدينته واسط ، فلما بنى ابو جعفر المنصور المدينة ( بغداد ) أخذ تلك الابواب فنصبها على المدينة )).
وعندما كتب كريسول عن واسط ذكر انه يعرف باباً واحداً من أبوابها هـو باب المضمار ، ورجح ان هناك خمسة أبواب (( لان الحجاج صادر أبواب الزندورد والدوقرة ودار وساط ودير ماسرجان ..... وشرابيط رغم معارضة سكانهم )) وقد استند في كلامه هذا على روايتي البلاذري وياقوت .
ويبدو ان كريسول لم يفهم ما جاء في هاتين الروايتين ، اذ لا يوجد في نص كل منهما ما يدل على عدد ابواب السور، فالبلاذري يذكر ان الحجاج نقل الى (( قصره والمسجد الجامــع بواســط ابوابا مــن زندورد والدوقرة ودار وساط ودير ماسرجان ، وشرابيـط )). وتوافق رواية ياقوت الراوية السابقة اذ يذكر : (( ونقل الحجاج الى قصره والمسجد الجامع ابواباً من الزندورد والدوقرة ودير ماسرجيس وسرابيط )). يتضح من نص الروايتين ان الابواب التي نقلها الحجاج من هذه المدن لم يضعها على سور مدينته ، كما ذهب الى ذلك كريسول ، وانما وضعها على ابواب قصره والمسجد الجامع.
أما بخصوص أعمال التنقيب ، فقد قامت مديرية الآثار العامة بأعمال التنقيب لعدة مواسم في خرائب مدينة واسط ، الا ان هذه التنقيبات جرت في مناطق من وسط المدينة ولم تشمل مناطق الاستحكامات ، كما انها لم تستمر لتستظهر لنا ما يكفي من معلومات حول أسوار هذه المدينة ومداخلها . الا ان الأستاذ المرحوم فؤاد سفر وضع مخططاً تصورياً لأسوار هذه المدينة وجعل مداخلها ذات محور منكسر ، واذا ما صح هذا التصور ، فان مدينة واسط تعد أقدم مدينة أسلامية ذات مداخل مزورة . وإذا ما قُدر لأعمال التنقيب أن تُستأنف فأنها حتماً ستميط اللثام عن الكثير من المعلومات في هذا الجانب .
أبراج أسوار مدينة واسط
مع ان المصادر التاريخية قد أمسكت عن وصف أسوار مدينة واسط وأبراجها ، إلا انه يبدو من الإحداث التاريخية ان السور الخارج كان مدعماً بأبراج ، فقد أشار الطبري عند ذكره حادثة الحصار الذي فرضه ابو جعفر المنصور على واسط سنة 132هـ ( 749م ) والذي استمر احد عشر شهراً ، والوالي الاموي يزيد بن هبيرة معتصماً فيها ، فقال : (( فأقتتلوا عند الخندق .... وابن هبيرة على برج باب الخلالين ))( 3 ). وهذا لا يعني ان الأبراج كانت تدعم المداخل فحسب ، بل من المنطق أنها كانت موزعة على طول السور زيادة في التحصين ، كما كان عليه الحال في سور بغداد الأعظم. ويؤكد ذلك العميد بقوله (( ان السور الخارج كان مدعماً بأبراج مزودة بالمزاغل لرشق السهام ) ويؤيد ذلك باحث آخر حيث يذكر ان الحجاج قد أنشأ على الأسوار أبراجاً ومواضع للحراسة زيادة في التحصين. ولكن ليست لدينا اية معلومات عن عدد هذه الأبراج او وصفها او هيئتها.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .