الفصل الخامس
تنازع الاختصاص القضائي الدولي
أن امتداد العلاقات القانونية بين الأفراد عبر الحدود يفرز جملة أوضاع منها حق الأفراد بالتمتع بالحقوق ، واستعمالها ، وأخيرا الحماية القضائية لها عند أثارة نزاع بين أطرافها.
وإذا كان التمتع بالحقوق عن طريق الجنسية أو الموطن، فان استعمال هذه الحقوق يثير موضوع التنازع الدولي بين القوانين ذات الصلة بهذه الحقوق ، كما أن هذا الاستعمال ترافقه ضمانات تتمثل بالحماية القضائية لهذه الحقوق والذي بأثرها يطرح تنازع آخر يصطلح علية بتنازع الاختصاص القضائي الدولي،الذي يمثل الجانب الإجرائي لمشكلة تنازع القوانين ومثلما توجد قواعد حلول تنازع القوانين توجد قواعد لحلول التنازع بين المحاكم ، كما أن تلك القواعد تمارس من خلالها المحكمة صلاحيتها في تسوية النزاع ، مما يثر ذلك التساؤل عن أنواع الاختصاص القضائي الدولي، وطبيعة القواعد والإجراءات المتبعة في كل منهم ، ولأجل الإحاطة بالموضوع سنبحث ذلك من خلال مبحثين سنخصص الاول للتنازع في نطاق الاختصاص القضائي العام المباشر و الثاني للتنازع في نطاق لاختصاص القضائي العام الغير المباشر.
المبحث الاول
التنازع في نطاق الاختصاص القضائي العام المباشر
أن الاختصاص القضائي بوجه عام هو الصلاحية التي تملكها المحكمة للنظر في موضوع معين بالنسبة لباقي محاكم الدول الأخرى و يصطلح على اختصاصها في هذه الحالة بالاختصاص العام الدولي المباشر،إضافة إلى أنها تملك مقابل ذلك اختصاص قضائي خاص داخلي في أطار المنازعات التي تنشا بأثر العلاقات الوطنية التي تنتمي بجميع عناصرها لدولة المحكمة الناضرة في النزاع ،أي أن محاكم دوله ما أذا اختصت في نظر منازعة (دعوى ) معينة من الناحية الدولية ، فإنها ستختص من الناحية الداخلية اختصاصا قضائيا خاص ، وإذا لم ينعقد اختصاصها الدولي فسوف لا ينعقد اختصاصها الداخلي ، ويتحرك الاختصاص القضائي الدولي بمناسبة المنازعات القضائية التي موضوعها علاقات ممتدة بعناصرها على أكثر من دولة ، أما أذا كانت عناصر هذه العلاقات مركزه في محيط دولة واحدة فيطرح تنازع من طبيعة أخرى ألا وهو تنازع الاختصاص القضائي الداخلي .للإحاطة بالموضوع فسنعرض له من خلال مطلبين
المطلب الاول
التعريف بالاختصاص القضائي الدولي المباشر
يعرف هذا الاختصاص بأنه الصلاحية القضائية التي تملكها محاكم دولة ما بالنسبة لمحاكم باقي الدول في تسوية منازعة أو النظر في دعوى موضوعها علاقة ذات بعد دولي ، وتنظم ممارسة هذه الصلاحية عبر قواعد موضوعية تضطلع بتسوية النزاع بشكل مباشر ،وتكون هذه القواعد وطنية المصدر وتستند إلى معايير في ضوءها يتحدد مساحة ما تملكه المحاكم الوطنية من صلاحية من الناحية الدولية ، والقيود التي تحد من مباشرتها لهذه الصلاحية ، كما أن المحاكم الوطنية في سبيل تطبيق هذه القواعد تقوم بأعمال القانون الوطني على الإجراءات القضائية وبموجب هذا ألا عمال يستوي أطراف الدعوى أمام المحاكم سواء أكانوا وطنيين أم أجانب أم فقط أجانب ،لان قاضي النزاع سيطبق قانونه الوطني على الإجراءات القضائية بغض النظر عن صفة المتنازعين وطبيعة المنازعة طالما انعقد الاختصاص للمحكمة بموجب المعايير المعتمدة في قانون القاضي ، ودون وجود موانع أو قيود تحد من مباشرة للاختصاص علما أن التنازع في أطار الاختصاص القضائي العام المباشر اصطلح عليه البعض بتنازع الاختصاص القضائي وهناك من اصطلح عليه بالصلاحية الدولية للمحاكم الوطنية كما اسماه البعض بالإجراءات المدنية التجارية الدولية ().
ومن الجدير بالذكر أن القواعد الموضوعية (قواعد الاختصاص القضائي الدولي )() هي التي تحدد إجراءات مباشرة الاختصاص القضائي الدولي ،وهي قواعد ذات مصدر وطني فلا توجد قواعد دولية تعمل في هذا المجال أي أن المشرع الوطني يستأثر في تحديد الاختصاص القضائي لمحاكمه الوطنية دون أن يملك صلاحية تحديد نطاق اختصاص المحاكم الأجنبية في اغلب الحالات ،وهذا الاختصاص ألاستئثاري للمشرع الوطني في رسم حدود ولاية محاكمة وطنية نابع من أن الاختصاص القضائي مظهر من مظاهر سيادة الدولة فتحرص على رسم حدوده عبر قواعد وطنية . والأصل أن هذه القواعد مفردة الجانب لا نها تبين حدود الاختصاص الدولي القضائي للمحاكم الوطنية دون الأجنبية، وبمقارنتها بقواعد تنازع القوانين نجد أن الأخيرة مزدوجة الجانب فهي تبين نطاق تطبيق القانون الوطني وكذلك نطاق تطبيق القانون الأجنبي.إضافة إلى ذلك أن عمل القواعد الموضوعية لا يتقاطع مع عمل قواعد تنازع القوانين لان لكل منها نطاق ووظيفة، وهذا يعني استقلال عمل تلك القواعد ومن ثم عدم تداخل مجالات انطباقها ،هذا هو الأصل، ومن ثم استقلال وعدم تداخل الاختصاص القضائي والاختصاص التشريعي،وإمام هذا المبدأ يوجد استثناء يتحقق فيه التداخل والالتقاء بين الاختصاصيين ،و تكون هناك مساحة من التأثير المتبادل بينهما ، وعلية وللإحاطة بالحالات التي يستقل فيها الاختصاصين فيكونا بين دولتين عن الحالات التي يتحقق فيها التأثير المتبادل بينهما ومن ثم التقائهما لدولة واحدة كان لا بد من التعرض للموضوع من خلال فرعين .
الفرع الاول
استقلال الاختصاص التشريعي عن الاختصاص القضائي
من الناحية التاريخية كانت كل دولة تملك ممارسة الاختصاصين القضائي والتشريعي في حدودها الإقليمية، و في جميع أنواع العلاقات الوطنية والعلاقات الدولية الخارجية،و كان هذا الوضع في وقت كانت فيه السيادة لمبدأ الإقليمية المطلقة والذي حل محله مبدأ الشخصية المطلقة، وكان المبدائين مانعان من ظهور التنازع الدولي في المجال التشريعي والقضائي ،وبعد ذلك بدأت المجتمعات تجمع في العمل بين المبدائين فطرح مبدأ الإقليمية النسبية ومبدأ الشخصية النسبية، و الذي بأثر ذلك تحقق انفصال واستقلال الاختصاص القضائي عن الاختصاص التشريعي ، وكان ذلك منذ القرن التاسع عشر وقد وضع هذا التوجه الفقيه الألماني سافيني( )،وعندها ا صبح بإمكان ألدوله أن تمارس الاختصاصين في مجال العلاقات الوطنية الداخلية أي العلاقات التي تتصل بجميع عناصرها وأثارها بدولة واحدة ولكنها لم تستمر بنفس الممارسة في مجال العلاقات المتعددة الارتباطات بالدول ففي العلاقات الاخيره، يمكن لقاضي النزاع أن يطبق القانون الأجنبي فتكون محكمته مختصة اختصاصاً قضائياً دولياً في هذه المناسبة في حين ستختص دولة أخرى اختصاصا تشريعيا وهي الدولة التي أسندت قواعد التنازع لقانونها الاختصاص من الناحية التشريعية ،ولولا هو هذا الاستقلال لطبقت محاكم كل دولة قانونها ولم يعد بعد بالإمكان من وجود القانون الدولي الخاص()
والبعض يرى اندثار موضوع تنازع القوانين ()، ونعتقد أن تطبيق المحكمة لقانونها الوطني يلغي وجود موضوعين تنازع الاختصاص التشريعي وتنازع الاختصاص القضائي من حصة القانون الدولي الخاص .
وتقف وراء استقلال الاختصاصين جملة عوامل أهمها استقلال الاعتبارات التي يقوم عليها كل اختصاص، فاعتبارات الاختصاص القضائي تختلف عن اعتبارات ومعايير الاختصاص التشريعي ،وهذا يطرح اختلاف وظيفة القواعد الموضوعية عن وظيفة قواعد تنازع القوانين، فبينما تؤدي القواعد الأولى وظيفة لاعتبارات تتعلق بالسيادة والاستقلال وتحقيق الأمن القانوني والاطمئنان لجميع الوطنيين والأجانب المقيمين على إقليم دولة المحكمة ،فان القواعد الثانية تؤدي وظيفتها باتجاه البحث عن أفضل القوانين ملائمة للعلاقة موضوع التنازع وتحقيق اكبر قدر من العدالة ()، ومع ذلك فكل من القاعدتين تعملان على فض التنازع ،وان استقلال الاعتبارات التي يقوم عليها الاختصاصين وكذلك القواعد المنظمة لكل منهما يطرح أمكانية وجود دولتين تختصان في العلاقة ، احدهما تملك ممارسة الاختصاص القضائي ،والأخرى تملك ممارسة الاختصاص التشريعي ،وهذا الاستقلال لا يمنع من اجتماع الاعتبارات أعلاه في دولة واحدة تكون هي صاحبة الاختصاصين ،فقوانينها أكثر ملائمة للعلاقة وعدالة لإطرافها كما أن تلك العلاقة تتصل بمحاكمها بصلات أقوى وأوثق، فتكون داخلة ضمن محيط الولاية القضائية لها ومن ثم تكون تلك المحاكم قدر من غيرها على ضمان نفاذ أحكامها على المستوى الدولي.
الفرع الثاني
التأثير المتبادل للاختصاصين التشريعي والقضائي
من الثابت أن تنازع الاختصاص التشريعي (تنازع القوانين ) سابق على تنازع الاختصاص القضائي (تنازع المحاكم) ،ذلك لان اتصال العلاقة القانونية عن طريق عناصرها بعدد من الدول من وقت نشوؤها يطرح تنازع تشريعي سابت تنبعث فيه الحركة في ظل وجود اختلاف أو منازعة مابين أطراف العلاقة تطرح على القضاء وفي هذا الوقت سينتقل تنازع الاختصاص التشريعي من حالة السكون إلى حالة الحركة، وفي نفس الوقت يتحرك تنازع الاختصاص القضائي، وعندها يمكن أن يجتمع الاختصاصين لدولة واحدة بفعل التأثير المتبادل للاختصاصيين التشريعي والقضائي ،ويمكن أن نجمل الحالات التي يلتقي فيها الاختصاصين لدولة واحدة بما يلي :-
1- أجراء التكييف حيث ينعقد الاختصاص القضائي في هذه المسألة لدولة قاضي النزاع، كما ينعقد لها الاختصاص التشريعي لان القاضي سيطبق قانونه الوطني في التكييف كما لا حضنا في موضوع تنازع القوانين .
2- تطبق قواعد الإسناد، فقاضي النزاع في الوقت الذي انعقد له الاختصاص القضائي في التكييف سيكون حتما له الاختصاص في اختيار قاعدة الإسناد الملائمة في ضوء تحديد طبيعة العلاقة عن طريق التكييف، كما ينعقد لدولة القاضي الاختصاص التشريعي، لأنه سيطبق تلك القواعد وهي عبارة عن قواعد وطنية وإرادة ضمن تشريعه الوطني ، وان كانت تقضي بتطبيق قانون أجنبي فالتطبيق لقواعد الإسناد يكون ابتدأ قبل تطبيق القانون الذي تشير بتطبيقه.
3- مخالفة القانون الأجنبي للنظام العام في دولة قاضي النزاع يحقق تلاقي الاختصاصين حيث سينعقد الاختصاص القضائي ابتدءا لدولة القاضي في نظر المنازعة ومن ثم إسناد الاختصاص للقانون الأجنبي ، وفحص الأخير ، وإحلال القانون الوطني محل القانون الأجنبي لمخالفته للأول تكون عبارة عن عودة الاختصاص التشريعي لقانون القاضي لان استبعاد القانون الأجنبي كليا أو جزئيا يستتبع الحلول لقانون القاضي .
4- تعذر الكشف عن مضمون القانون الأجنبي، حيث سيطبق القاضي صاحب الاختصاص القضائي قانونه الوطني بوصفة صاحب الاختصاص الاحتياطي التشريعي فيجتمع هنا مره أخرى الاختصاصين لدولة واحدة.
5- دعاوى العقار حيث تحرص جميع دول العالم على إخضاع العقار لقانون موقعه، وحصر الدعاوى المتعلقة به لمحاكم موقعه ،لأنه جزء من الإقليم والأخير احد أهم أركان ألدوله وهذا يعني أن دولة العقار أكثر ملائمة وعدالة بقوانينها للعلاقات المتعلقة به، كما أنها اقدر على تحقيق الأمن والاطمئنان بواسطة محاكمها لتسوية المنازعات المتعلقة به .
6- الإجراءات المستعجلة والوقتية، حيث ينعقد فيها الاختصاص القضائي للمحكمة الدولة الكائن فيها موضوع هذه الإجراءات للمحافظة على الحقوق، ودرء المضار
، ووقاية أصحاب الحقوق من فوات المنافع ،ومثال ذلك اختصاص دولة قاضي النزاع العراقي قضائيا بنظر دعوى طلاق مواطنه فرنسية متزوجة من مواطن فرنسي فضلاُ عن اختصاصها التشريعي لان القاضي العراقي سيطبق القانون العراقي في تقرير نفقة مؤقتة للزوجة لأنها مسالة إجرائية فنية مستعجلة يتطلب أن ينظر بها القاضي ،وفقاُ للقانون الوطني رعاية لمصلحة المقصود بالحماية إلا وهي الزوجة في هذه الحالة .
المطلب الثاني
القيود القانونية على ممارسة الاختصاص القضائي الدولي
تتمتع ألدوله عبر تشريعها الوطني برسم حدود الصلاحية القضائية لمحاكمها الوطنية من الناحية الدولية ،وهذا نابع عن غياب سلطه عليا تتولى توزيع الصلاحيات القضائية بين محاكم الدول ،ألا أن صلاحية الدولة في تنظيم الاختصاص القضائي الدولي لمحاكمها ليست مطلقة، أنما هي مقيدة بقيود تفرضها الأعراف والاتفاقيات الدولية ،وللاحا طه بذلك نعرض للموضوع من خلال فرعين
الفرع الاول
القيود العرفية
لقد استقر التعامل الدولي على مجموعة مبادئ تبلورت على شكل أعراف فرضت نفسها في أطار حرية الدولة في تنظيم الاختصاص الدولي لمحاكمها الوطنية بعضها مقرر لصالح الأفراد والبعض الأخر لصالح الدول.
ففي أطار القيود المقررة لصالح الأفراد اعترف للفرد بحق اللجوء للقضاء سواء أكان داخل دولته أم خارجها فأصبح بذلك حق التقاضي مكفول للجميع وطنيين أو أجانب بعد أن كان قاصراً على الوطنيين حيث كانت وظيفة القضاء إقامة العدل بينهم، ولم يعترف للأجنبي بحق التقاضي وقتها ،وتطور الوضع فيما بعد فاعترف له بهذا الحق، ولكن بشرط تقديم كفالة قضائية لضمان ما يترتب بذمته من حقوق أذا خسر دعواه ، وهذا ما كان عليه الحال في النظام القانوني الفرنسي حتى عام 1973 حيث اعترف بعد ذلك للجميع وطنيين وأجانب بحق التقاضي على أساس أن وظيفة القضاء هي إقامة العدل لجميع المتوطنين على الأراضي الوطنية لدوله المحكمة، كما أن هذا الحق يوفر حماية للحقوق التي يعترف بها المشرع الوطني للأجنبي حيث لا قيمة لها بدون توفير الحماية القضائية لها،إضافة إلى توفير ضمانات هذه الحماية ومنها تمكين الأجنبي من فرص الدفاع عن حقه وأتباع الإجراءات الأصولية لمواعيد تبليغه وإذا ما خالفه الدولة القيود العرفية المقررة لصالح الأفراد أعلاه ،تثار مسؤوليتها الدولية لأنها من أهم الحقوق وقد اعترفت جميع الدساتير بهذا الحق ومنها الدستور المصري لعام 1971 والدستور العراقي لعام 2005 في المادة (19/3) التي نصت على ((التقاضي حق مضمون ومكفول للجميع)) وان كلمة الجميع يمكن أن تحمل على إطلاقها فتشمل الأجانب والوطنيين.
أما القيود المقررة لصالح الدولة فتتمثل بالحصانة القضائية للدولة الأجنبية ورؤسائها و ممثليها الدبلوماسيين والقنصليين أمام القضاء الوطني لدولة أثارة النزاع .
ففي أطار تمتع الدولة الأجنبية بالحصانة القضائية أمام القضاء الوطني ،يستتبع حصانة رئيسها وممثليها الدبلوماسيين والقنصليين وأن الحصانة المقررة للدولة ورئيسها تفوق تلك المقررة لممثليها
ويمكن تتبع هذه الحصانة من عدة نواح تتمثل أولا بالتطور التاريخي للحصانة وثانيا أساس الحصانة وثالثا نطاقها ورابعا طبيعتها ، وعلى النحو الأتي:-
أولا:- التطور التاريخي للحصانة
نشأة الحصانة في العصور الوسطى حيث تأكدت في هذه الفترة حرمة السفراء كما تأكد هذا المبدأ في الشريعة الإسلامية من خلال قاعدة الرسل آمنون حتى يؤدوا الرسالة() ، وبعد استقرار فكرة الدولة اقتضت ضرورات التعامل الدولي بين الدول وما تفرع عنها من ضرورة التعاون الدولي ،وتمكين الدولة من مزاولة إعمالها بحرية ،وأمان خارج حدودها الإقليمية من خلال من يمثلها استقر ت الممارسات الدولية على منحها ضمانات أمام القضاء الوطني لدولة ممارسة نشاطها، استقرت تلك الممارسات على شكل أعراف لشيوع اعتمادها ،والاعتقاد بالا لزاميتها على نحو مستمر بدون معارضة الدول لها ، فكانت بذلك نشأة حصانة ألدوله وممثليها نشا مصدرها أعراف ظهرت على شكل مجامله دولية تحولت فيما بعد إلى قواعد دوليه ملزمة ()، تم تسجيلها في اتفاقيات دولية و منها اتفاقيه فينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 ،واتفاقيه فينا للعلاقات القنصلية لعام 1963 .
كما نظمت العديد من التشريعات الوطنية الحصانة القضائية للدول ونذكر منها على سبيل المثال قانون الولايات المتحدة الأمريكية لحصانات السيادة الأجنبية لعام 1976 وقانون المملكة المتحدة لحصانة الدول لعام 1978 وقانون استراليا لحصانات الدول الأجنبية لعام 1985، كما نظم المشرع العراقي أحكام الحصانة القضائية للمبعوث الدبلوماسي في قانون رقم 20 لسنة 1962
ثانيا:- أساس الحصانة
ينقسم الفقه في هذا الموضوع على اتجاهين الاول يبرر الحصانة على أساس المجاملة الدولية ،وبحسب هذا التوجه يكون إعفاء الدولة ومن يمثلها من الخضوع للولاية القضائية لدوله ما هو ألا مجامله لرئيس الدولة وممثليها، في حين يذهب الاتجاه الثاني إلى أن أساس الحصانة هو مبدأ استقلال الدولة وسيادتها والذي يفرزه مبدأ تكافؤ السيادات أي المساواة في السيادة بين الدول ،والذي أكد عليه ميثاق الأمم المتحدة في المادة (2/1) ،وهذا بالضرورة يحتم على كل دولة أن لا تخضع لقضائها الوطني دوله أخرى وذلك احتراما لسيادة واستقلال الأخيرة، وتمكينها من مزاوله أعمالها على أحسن وجه وأكمله ، ونعتقد أن الاتجاه الثاني هو ألا وفق ذلك لان ألدوله بوصفها شخص من أشخاص القانون الدولي تدخل حتما في علاقات مع غيرها سواء أكانوا دول أم أفراد ،فتمتع الدولة ومؤسستها بالحصانة في ظل تعاملها على المستوى الدولي مصدره مبدأ المساواة في السيادة بين الدول.أما التمتع بالحصانة من قبل المبعوثين، فمصدره مبدأ تمتعهم بقدر كافي من الحرية لمزالة أعمالهم بصفتهم الوظيفية الرسمية لا الشخصية وصولا لأداء تلك الإعمال بالشكل الصحيح ومساواة المبعوثين مع غيرهم من الإفراد العاديين لا يمنحهم الطمأنينة والحرية المطلوبة والكافية لمزالة أعمالهم. أضافه إلى أن الإخلال بمبدأ الحصانة القضائية ومخالفته يرتب المسؤولية الدولية على الدولة التي لا تحترمه في حين لا تتحرك المسؤولية الدولية في ظل مخالفة قواعد المجاملات وهذا يعني أن الحصانة القضائية مصدرها قواعد قانونية دولية ملزمة لا مجرد قواعد مجاملة .
ثانياً :- نطاق الحصانة
كانت الحصانة القضائية للدولة وممثليها عند نشأتها مطلقة تمتد إلى جميع أعمال الدولة الرسمية وغير الرسمية،وهذا يعني أن رئيس الدول والممثلين الدبلوماسيين والقنصليين كانوا يتمتعون بحصانة مطلقة في الخضوع لولاية القضاء الوطني سواء مارسوا أعمال تدخل ضمن مهامهم الوظيفية الرسمية أم خارج تلك المهام، أي أذا باشروا أعمال تصب في مصلحتهم الشخصية فإنها لا تخضع لولاية القضاء أسوة بأعمالهم الرسمية الوظيفية الطبيعية ، فالمنازعة عن علاقة موضوعها شراء سفير لدار لغرض شخصي أو لغرض جعله سفارة لا يمكن إثارتها أمام قضاء الدولة الكائن فوق أراضيها الدار، وهذا يعني أن نطاق الحصانة القضائية في البداية كان يمتد إلى جميع تصرفات وإعمال الدولة مهما كانت طبيعتها والغرض منها ،وهذا التوجه لا يبعث الاطمئنان والأمن القانوني للمتعاملين مع الدول الأجنبية لأنهم سيشعرون أنهم يتعاملون مع شخص يتمتع بامتياز ولا يمكن مقاضاته بنفس الطرق المقررة لمقاضاة الأشخاص الطبيعيين وبأثر سلبية هذا التوجه جرت محاولات لتحسينه، وبما يرفع الخلل فيه انتهت إلى انحسار نطاق الحصانة على أعمال وتصريحات الدولة الرسمية دون تلك التي لا تعد رسمية، أي حتى تخضع الدولة الأجنبية ورئيسها أو احد ممثليها( السفير أو القنصل ) لقضاء دولة ما أن يكون ما صدر عنها أو باسمها الغرض منه تحقيق المصلحة العامة ،وان تكون قد تعاملت على أساس أنها شخص من أشخاص القانون الدولي العام على المستوى الدولي ومن أشخاص القانون العام على المستوى الداخلي ، أي كانت تقوم بالإعمال بوصفها شخص ذات سلطة و سيادة لا شخص عادي من أشخاص القانون الخاص ،
وتعود بهذه الإعمال بالنفع على أفراد مجتمعها ،وبذلك ظهر مبدأ الحصانة القضائية النسبية والذي حل محل مبدأ الحصانة المطلقة ، ولعل من أهم العوامل التي قيدت من الحصانة القضائية للدولة، وتحديدها ضمن الأعمال الرسمية وجعلها حصانة نسبية ،هي توسع النشاطات التي تقوم بها الدول فبعد أن كانت قاصرة على الإعمال الحكومية المجردة توسعت لتشمل الأعمال التجارية، وبذلك ظهرت بمظهر الشخص العادي المجرد من السيادة والسلطة وبوصفها شخص يؤدي أعمال تجارية .
الفرع الثاني
القيود الاتفاقية
لقد سجلت مبدأ الحصانة القضائية للمبعوث الدبلوماسي والقنصلي اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، والتي صادق عليها العراق بقانون رقم 20 لسنة 1962 ،حيث نصت المادة (31) على الحالات التي يعفى فيها الممثل الدبلوماسي من الخضوع لولاية القضاء الوطني في المسائل الجنائية – المدنية، كما ذهبت في نفس التوجه اتفاقية فينا للعلاقات القنصلية لعام 1963، واتفاقية البعثات الخاصة لعام 1960 ،ومن تطبيقات الحصانة القضائية على مستوى التشريع الوطني نذكر، موقف المشرع العراقي حيث سبق أن نظم عمل البعثات الدبلوماسية والقنصلية في الخارج عن طريق قانون رقم (15) لسنة 1936() وهذا يعني انه سجل بعض القواعد العرفية في مجال الحصانة المقرر لمبعوثي الدولة الأجنبية ،أما على مستوى القضاء الوطني نذكر ما ذهب إليه القضاء العراقي ، عندما لم يعترف بالحصانة القضائية للسفارة اليابانية في بغداد بمناسبة استئجارها لدار موطن عراقي من عام 1977 ولغاية عام 1991، وبعد ذلك استمرت السفارة واضع يدها على الدار بموجب نفس عقد الإيجار ولغاية عام 2007 ، وكان الغرض من استئجار الدار اتخاذه مدرسة لا بناء الجالية اليابانية حيث عد تصرف السفارة من الأعمال التجارية والتي لا تدخل ضمن الحالات التي أوردتها المادة (31/1/ج) أعلاه ()، وهذا يعني انه أذا مارست الدول نشاطات بوصفها شخص عادي مجرد عن السيادة والسلطة فتخضع لدولة ممارسة النشاط ، ومقابل ذلك ذهب البعض إلى أن حصانه الدولة الأجنبية لا هي بالمطلقة وإلا النسبية ،إنما هي حصانه قضائية شبة مطلقة، والى هذا المعنى كان اتجاه القضاء في مصر والكثير من الدول ()ونعتقد أن حصانة الدولة وممثليها حصانه نسبية يقتضي في إطارها ألتفرقه بين تصرفات و نشاطات الدولة بوصفها شخص يتمتع بالسيادة فهنا تتمتع بالحصانة ،وبين تصرفات ونشاطات الدولة التي تمارسها بوصفها شخص عادي فلا تتمتع فيها بالحصانة القضائية ،وتخضع بذلك لقضاء الدولة التي مارست فيها ذلك النشاط . ونستدل على ذلك من خلال موقف مشروع اتفاقية حصانات الدول وممثليها لعام 1991 الذي اعتمد مبدأ الحصانة المقيدة
كما تتمتع المنظمات الإقليمية والدولية بالحصانة القضائية في الدول التي تمارس نشاطها فيها ،والى هذا المعنى اشار معهد القانون الدولي في دورة انعقاده في فينا لسنة 1924 حيث أكد الامتيازات والحصانات الدبلوماسية لممثلي عصبة الأمم المتحدة ، كما نصت المادة (105/1) من ميثاق الأمم المتحدة على ( تتمتع الهيئة في إقليم كل عضو من أعضائها بالمزايا وإلا إعفاءات التي يتطلبها تحقيق أهدافها )، كما ذهب إلى اتجاه مماثل ميثاق منظمة اليونسكو في المادة (12) ،وكذلك ميثاق منظمة الصحة العالمية في المادتين (66،67)، وقد نشأة حصانة المنظمات بنفس الطريقة التي نشأة فيها حصانة الدول وممثالها ، وهي نشاء عرفية تحولت القواعد العرفية الحاكمة لها في ما بعد إلى قواعد اتفاقية .
علما أن الحصانة القضائية للدولة وممثليها ليست امتياز إنما هي قيد على الاختصاص القضائي للمحاكم الوطنية للدولة . ويجوز للمبعوث الدبلوماسي القنصلي التنازل عن حصانته بموافقة دولته والتنازل هنا يمكن يكون مقيد اتجاه فقط الإجراءات القضائية والذي يفضي إلى خضوع الممثل للولاية لقضائية للمحاكم دولة مزاولة النشاط ، كما يمكن أن يكون مطلق فيمتد ليشمل خضوع الممثل في الإجراءات، وتنفيذ ما يصدر عن القضاء الوطني من أحكام وطنية .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .