المبحث الثالث
المشاكل المترتبة على اسس تعيين الجنسية
يرافق تعيين جنسية الاشخاص سواء عن طريق اسس فرضها اومنحها او فقدانها واستردادها جملة مشاكل تتوزع بين ظاهرة تنازع الجنسيات ومسالة الاختصاص في مسائل الجنسية ويتطلب ذلك التعرض لكل منهما من خلال مطلبين على النحو الاتي:
المطلب الاول
تنازع الجنسيات
تحصل ظاهرة تنازع الجنسيات نتيجة لاختلاف الاسس المعتمدة لمنح او فرض الجنسية بين دول العالم فهذا الاختلاف يفضي الى تعدد الجنسية تارة وانعدامها تارة اخرى ويقع باثر التعدد التنازع الايجابي للجنسيات اما باثر الانعدام فيقع التنازع السلبي للجنسيات و للوقوف على ذلك سنعرض التنازع بنوعيه من خلال فرعين .
الفرع الاول
التنازع الايجابي للجنسيات
في ظل هذا التنازع يقع الشخص تحت سيادة دولتين او اكثر لارتباطه بكل منهما من خلال حمله جنسيتها مما يعطي لكل دولة منها حق ان تدعي بالسيادة عليه واعتباره من وطنييها وقد اكدت هذا الحكم اتفاقية لاهاي لعام 1930 في المادة (3) التي اكدت على انه اذا كان الشخص يحمل جنسية دولتين او اكثر فيمكن لكل دولة من هذه الدول ان تعتبره من وطننيها وقد ذكرنا اسباب التعدد و الوسائل الكفيلة بمعالجته في الصفحات السابقة. ولنا ان نذكر في هذا الاطار المشاكل التي تترتب على مزدوج الجنسية التي بعضها تتعلق بمركزه القانوني و البعض الاخر بالنظام القانوني الذي يخضع له.
فمن حيث مركزه القانوني يواجه الشخص تعدد الدول التي يقع تحت سيادتها ومن ثم تعدد الحقوق التي يتمتع بها و الالتزامات التي يكلف بها امام تلك الدول وخاصة الالتزام باداء الخدمة العسكرية في حالة اذا كانتا الدولتين اللتان يحمل الشخص جنسيتها في حالة حرب فان اداء ذلك الشخص الخدمة العسكرية الى جانب احدهما ضد الاخرى يعد خائن من قبل احدهما وهذا ما واجهه المدعو Jomeya-Kawokita الذي كان يحمل الجنسيتين الامريكية و اليابانية فقد قضت المحكمة العليا بالولايات المتحدة في سنة 1954 بادانته بتهمة الخيانة العظمى لمحاربته في صنوف الجيش الياباني بالرغم كونه امريكيا ولم تعتد المحكمة بالجنسية اليابانية رغم ان البروتوكول الخاص بالالتزامات العسكرية الملحق باتفاقية لاهاي لعام 1930 في المادة الاولى وكذلك اتفاقية مجلس اوربا لعام 1962 اوجب على متعدد الجنسية اداء الخدمة العسكرية لحساب الدولة التي يقيم فيها ويرتبط بها بالفعل وهذا يعني ان ادائه للخدمة العسكرية مبرء للذمة في مواجهة باقي الدول التي يحمل جنسيتها وقد حسمت بعض الدول الخلاف في هذه المسالة كما حصل في قضية كارلييه بين فرنسا وبلجيكا عام 1860م كما يواجه الشخص مزدوج الجنسية في هذا الاطار مشاكل تتعلق باداء الضرائب كما تثار صعوبة حمايته دبلوماسيا وخاصة اذا كان الشخص يحمل جنسية الدولة المدعية و المدعى عليه حيث لا يمكن هنا التدخل من جانب احدهما لحمايته دبلوماسيا.
اما في اطار النظام القانوني فان الكثير من الدول تعتمد ضابط الجنسية لتحديد الاختصاص القانوني في مسائل الاحوال الشخصية ومنها العراق وسائر الدول العربية فان تعدد الجنسية يصعب معه معرفة أي من الدول التي يحمل الشخص جنسيتها هي صاحبة الاختصاص في هذه المسائل هذه الصعوبات وغيرها تطرحها ظاهرة الازدواج في الجنسية.
وقد اكدت اتفاقية لاهاي لعام 1930 في المادة (5) على ضرورة معاملة الشخص المزدوج الجنسية من قبل الدول الغير على انه يحمل جنسية واحدة.
ولوضع حلول عملية للتنازع الايجابي في الجنسيات فلابد ان يحسب مزدوج الجنسية على حساب جنسية دولة واحدة يكون نظامها القانوني هو الواجب التطبيق في حقوقه و التزاماته وفي حكم مسائل احواله الشخصية وهذا ما يطرح المعيار الذي على اساسه يحدد جنسية هذه الدولة .
ويختلف المركز القانوني لمزدوج الجنسية بين فرضين الاول اذا كان امام القضاء الوطني والثاني اذا كان امام القضاء الاجنبي.
1- المركز القانوني لمزدوج الجنسية امام قاضي النزاع (القضاءالوطني).
اذا كان مزدوج الجنسية يحمل من بين الجنسيات جنسية قاضي النزاع فهنا تعتمد جنسية قاضي النزاع ولا يعتد بباقي الجنسيات فاذا كان الشخص يحمل الجنسية الفرنسية و الايطالية و العراقية وطرح نزاع متعلق به امام القضاء العراقي فعلى القاضي هنا ان يعتد بالجنسية العراقية ويعامل الشخص هنا معاملة وطنية ويبرر هذا الموقف كون الجنسية مسالة تتعلق بسيادة الدولة وان القاضي ياتمر بااوامر مشرعه ونواهيه فحضور الجنسية الوطنية من بين الجنسيات تعد بمثابة حضور لقانونه الوطني الذي يوجب على القاضي تطبيقه.
وهذا الاتجاه لا يهتم بدرجة ارتباط الشخص بدولة قاضي النزاع ومركز مصالحه وتاثير تلك الجنسية في حياته القانونية فهو يدعو الى اعتمادها وان لم تكن جنسية قاضي النزاع من الجنسية التييرتبط بها او تمثل مصالحه او تعكس ممارسة حقوقه المدنية و السياسية.
مما يطرح ذلك اختلاف الصفة الوطنية لمزدوج الجنسية بحسب القاضي المعروض امامه النزاع فاذا كان عراقيا فمزدوج الجنسية يعتبر عراقي واذا كان القاضي فرنسي فمزدوج الجنسية يعتبر فرنسي وهكذا تختلف الصفة بحسب جهة طرح النزاع ومقابل هذا الاتجاه طرح البعض بديل عن جنسية قاضي النزاع يتمثل بالجنسية الواقعية او الفعلية لما لهذه الجنسية من مفهوم واحد في جميع دول العالم فالصفة الوطنية لمزدوج الجنسية بحسب الجنسية الفعلية ستكون واحدة امام الدول التي يحمل الشخص جنسيتها فاذا كانت جنسيته الفعلية عراقية فهو عراقي امام القضاء الوطني و القضاء الاجنبي.
ورغم ذلك فان اعتماد جنسية قاضي النزاع نال ذيوع وانتشار عالمي فاخذت به اتفاقية دولية مثل اتفاقية لاهاي لعام 1930 في المادة (3) واتفاقية الافرواسيوية لعام 1964 كما اعتمدته الكثير من التشريعات،وطبقته المحاكم في الدول، وكما كان ضمن هذا الاتجاه المشرع العراقي حيث نصت المادة (33/1) من القانون المدني على (ان الاشخاص الذين تثبت لهم في وقت واحد بالنسبة للعراق الجنسية العراقية وبالنسبة الى دولة اجنبية او عدة دول اجنبية جنسية تلك الدول فالقانون العراقي هو الذي يجب تطبيقه) وفي نفس المعنى كانت المادة (10/4) من قانون الجنسية الجديد التي نصت على (تطبق المحاكم العراقية القانون العراقي بحق من يحمل الجنسية العراقية وجنسية دولة اجنبية)
ولا يعتد القاضي بجنسيته الوطنية من بين الجنسيات المتعددة اذا كانت احدها جنسية دولة معادية حيث لا يعامل حاملها معاملة الوطني انما معاملة الاجنبي وكذلك الحال لا تمارس الدولة حمايتها الدبلوماسية ان كان الشخص يحمل جنسيتها من بين الجنسيات المتعددة وفي نفس الوقت كانت الدولة التي ارتكب الضرر على اراضيها يحمل ذلك الشخص جنسيتها فلا تستيطع الاولى التدخل لحمايته قبل الثانية.
وهناك فرض اخر لا يعتمد فيها جنسية قاضي النزاع اذا وجد اتفاق بين دولة الاخير ودولة اخرى يحمل الشخص جنسيتها يقضي بذلك .
2- مركز مزدوج الجنسية امام قضاء لا علاقة له بالنزاع.
ان تحديد جنسية دولة واحدة ينطوي على صعوبة اكبر مما وجدنها في الحالة الاولى ذلك لان قاضي النزاع لا علاقة له بمزدوج الجنسية ومن ثم لا يملك حق ترجيح جنسيته الوطنية لانها لم تكن حاضرة من بين الجنسيات المتعددة فيقتضي ذلك من القاضي ان يعامل جميع الجنسيات التي يحملها الشخص معاملة متساوية استنادا لمبدا تكافوء السيادات. فلا يرجح او يهمل احدهما ولقد تعددت المواقف القانونية بشان حل هذه الاشكالية في عدة اتجاهات نذكر منها:
1- الاتجاه نحو اعتماد اختيار الشخص :
بحسب هذا الاتجاه يكون للشخص حق اختيار احد الجنسيات التي يحملها على ان يكون بالغ عاقل حر الارادة واذا كان غير بالغ فينتظر اختياره لحين بلوغه وهذا الاتجاه يحترم حرية ورغبة الشخص وقد اكدت اتفاقية لاهاي لعام 1930 ذلك في المادة (6) حيث اعطت فرصة الاختيار لمزدوج الجنسية الا ان هذا الاتجاه ينتقد لانه يترك الجنسية وهي من نظم القانون العام ومسالة تتعلق بالسيادة لرغبة و مشيئة الافراد وهذا لا ينسجم مع المنطق السليم فكيف تترك الدولة تحديد وطننيها لارادتهم.
2- الاتجاه نحو الحل بالطرق الدبلوماسية
بحسب هذا الاتجاه يتم تحديد جنسية احد الدول التي يحمل الشخص جنسيتها بواسطة المفاوضات و الاتفاقيات وهذا الاتجاه وان كان يحترم سيادة الدول فانه ينطوي على الاطالة و التعقيد وهو يستخدم لحل النزاعات السياسية في الغالب.
3- الاتجاه نحو اعتماد القانون الاقرب لقانون قاضي النزاع.
وهذا الاتجاه يمكن القاضي من اختيار الجنسية الاقرب قانونها لقانونه ويؤخذ عليه انه يجعل من قانون قاضي النزاع نموذج للقوانين مما يخل بمبدا تكافؤ السيادات.
4- الاتجاه نحو ترجيح الجنسية السابقة في الاكتساب.
تعتمد هذه الجنسية احتراما للحقوق المكتسبة التي نشات في ظلها وهي تمثل الجنسية الاقدم في الاكتساب،يؤخذ على هذا الاتجاه اهماله رغبة واختيار الشخص الذي تعاكسه الجنسية اللاحقة.
5- الاتجاه نحو ترجيح جنسية دولة الموطن
بموجب هذا الاتجاه يتم اعتماد الدولة المتوطن فيها الشخص ويؤخذ عليه ان الشخص المزدوج الجنسية قد يقطن خارج الدول التي يحمل جنسيتها فدولة موطنه ليست من بين دول الجنسيات التي يحملها.
6- الاتجاه نحو ترجيح الجنسية الاحقة في الاكتساب.
تعتمد هذه الجنسية لانها تعبر عن احترام ارادة الشخص وحريته في امر جنسيته وحقه في تغييرها،وقد اخذ بهذا الحل بعض الاتفاقيات الدولية وطبقته بعض احكام القضاء الوطني،ويؤخذ على هذا الاتجاه لان دولة الجنسية الاحقة لا تمثل مركز صلاته ومصالحة ولا يرتبط بها برابطة قوية.
7- الاتجاه نحو اعتماد الجنسية الفعلية او الواقعية.
يصطلح على هذه الجنسية الجنسية المهيمنة او الغالبة وهي التي يرتبط بها الشخص اكثر من غيرها وتتركز فيها اغلب مصالحه وصلاته وتسود حياته القانونية ومارس بها اغلب حقوقه المدنية و السياسية ويستدل عليها من خلال جملة وقائع وظروف تعكس وجودها ومنها اداء الخدمة العسكرية ودفع الضرائب و الاقامة فيها وممارسة حق الانتخاب والترشيح وتملك العقارات و التوظيف و الزواج وتكوين عائلة مع الاشتراك في خط الهاتف و البريد وسائر الخدمات وتكلمه اللغة الرسمية للدولة. فهذه الوقائع لتركيز القسم الغالب منها فاين ما يكون تركيزها فهي دولة الجنسية الفعلية فالجنسية التي تحصد اكبرقدر من الوقائع المتقدمة تكون هي الجنسية الفعلية
وقد اخذت بهذا الاتجاه المادة (3) من النظام الاساس لمحكمة العدل الدولية التي نصت على (تتالف المحكمة من خمسة عشر عضوا ولا يجوز ان يكون فيها اكثر من عضو واحد من رعايا دولة واحدة واذا كان من الممكن عد احد الاعضاء متمتعا بعضوية اكثر من دولة واحدة فانه يعتبر من رعايا الدولة التي يباشر فيها عادة حقوقه المدنية و السياسية)
كما اعتمدت اغلب التشريعات هذا الاتجاه ومنها التشريع اليوناني والايطالي والتركي والاسباني والسوري والليبي والجزائري والمغربي و المصري كما اخذ به المشرع العراقي في المادة (33/1) التي نصت على (تعيين المحكمة القانون الذي يجب تطبيقه في حالة الاشخاص الذين تثبت لهم جنسيات متعددة في وقت واحد) ولم يصرح المشرع العراقي باعتماد الجنسية الفعلية كما فعل المشرع الجزائري في القانون المدني لعام 1975 الا اننا يمكن ان نستدل على اعتماده لهذه الجنسية من خلال اعتماده مبادئ القانون الدولي الخاص الاكثر شيوعا التي يلزم اتباعها اذا لم يوجد نص صريح يقضي بها بحسب نص المادة (30) من القانون المدني التي جاء فيها (يتبع في كل ما لم يرد بشانه نص خاص من احوال تنازع القوانين مبادئ القانون الدولي الخاص الاكثر شيوعا) و الجنسية الفعلية يمكن ان تكون احد وسائل حل تنازع القوانين الشائعة الاستعمال عالميا.
كما اعتمد هذا الاتجاه القضاء الوطني في بعض الدول كالقضاء الفرنسي،وكذلك القضاء اللبناني
كما اعتمد القضاء الدولي هذا التوجه في عدة قضايا نذكر منها قضية كانيفارو بين البيرو و ايطاليا التي نظرتها محكمة التحكيم الدائمية في لاهاي عام 1912 حيث انتهت المحكمة الى اعتمد الجنسية البيروئية بوصفها الجنسيته الفعلية لتوافر مواصفات الجنسية الفعلية فيها من حيث الزواج و التملك و الترشيح و الانتخاب.
كما ذهبت محكمة التحكيم في قضية اخرى تعرف باسم (ماثيسون) عام 1903 بين بريطانيا وفنزويلا حيث انتهت المحكمة الى اعتماد الجنسية الفنزولية بوصفها الجنسية الفعلية لما تنطوي عليه من مواصفات الجنسية الفعلية.
كما ذهبت محكمة التحكيم الامريكية الايرانية عام 1981 في قضية ناصر الاصفهاني الى اعتماد الجنسية الامريكية بوصفها جنسيته الفعلية الا ان القضاء الدولي شكك في الجنسية الفعلية في قضية جورج سالم عام 1932 بين مصر و الولايات المتحدة.
لذا نخلص الى نيتجة مفادها استقرار مبدا الجنسية الفعلية في ظل طرح النزاع المتعلق بشخص مزدوج الجنسية امام القضاء الدولي او القضاء الوطني لدولة لا علاقة لها بالنزاع نظرا لما يحققه هذا المبدا من امن قانوني للافراد وقد طرح الفقه بديل عن هذا المبدا يتمثل بفكرة الحل الوظيفي والتي تتلخص بان مزدوج الجنسية سواء حضر امام دولة لها علاقة بالنزاع او امام دولة لا علاقة لها بالنزاع او امام القضاء الدولي فيصار الى اعتماد الجنسية التي تحقق هدف القواعد القانونية في حمايته وتحقيق مصلحته فهذا الاتجاه يركز على قصد المشرع من وضع القاعدة.
الفرع الثاني
التنازع السلبي للجنسيات
ينشا هذا التنازع عن وجود شخص عديم الجنسية حيث يقع في مركز سلبي فتتخلى عنه جميع الدول لانه لا ينتمي الى أي منهاوبالتالي يواجه مشكلة تتعلق بالقانون الذي يحدد حقوقه والتزاماته والقانون الواجب التطبيق على حالته الشخصية في الدول التي تعتمد الجنسية ضابطاً لتحديد هذا القانون تتأتى من انه ليس اجنبيا عن الدولة التي يقيم فيها فقط،بل هو اجنبي عن سائر الدول وقد وجه الفقه ازاء هذا الوضع حلول متعددة منها ما اعتمد قانون القاضي بديلا عن قانون الجنسية وهناك من اعتمد قانون جنسية اخر دولة كان يحمل الشخص جنسيتها اعتمدت هذا الحل اتفاقية لاهاي لعام 1930 في المادة (1) اذا لم يسبق حمله لجنسية يعتمد قانون مكان ميلاده الا ان الحل الاكثر استقرار على مستوى الفقه والقضاء و التشريع هو القائل باعتماد الصلة الاقوى للشخص عديم الجنسية فالدولة التي يحتفظ معها الشخص عديم الجنسية بالصلة الاقوى و الاكثر هي دولة جنسيته المفترضة وهي تشبه دولة الجنسية الفعلية بالنسبة للشخص متعدد الجنسيات فاينما كانت اقامته او موطنه ومارس في ذلك المكان مختلف شؤون حياته وحقوقه فان جنسية مكان تلك الدولة هي جنسيته المفترضة وقانونها هو القانون الواجب التطبيق في حقوقه و التزاماته ونظامه القانوني المتعلق بحالته الشخصية وقد اعتمدت هذا الحل اتفاقية جنيف لعام 1951،كما اعتنقته اتفاقية نيويورك المبرمة في 28/9/1954 بشأن وضع عديمي الجنسية فقضت في المادة(12/1)منها على(ان تخضع الاحوال الشخصية لعديم الجنسية لقانون موطنه او لقانون بلد اقامته ان لم يكن له موطن) كما اعتمدته بعض القوانين الاوربية كما كان القانون المدني المصري في هذا الاتجاه في المادة (25/1) التي نصت على (تعين المحكمة القانون الذي يجب تطبيقه في حالة الاشخاص الذين لا تعرف لهم جنسية او تثبت لهم جنسيات متعددة في وقت واحد) و نفس الاتجاه كان موقف القانون المدني المصري(المادة 25/1) كما ذهب المشرع العراقي الى هذا الحل في المادة(33/1) من القانون المدني والتي نصت على (تعين المحكمة القانون الذي يجب تطبيقه في حالة الاشخاص الذين لا تعرف لهم جنسية او تثبت لهم جنسيات متعددة واحد)
كما اكدت المادة(19/1) من قانون العقوبات العراقي على وصف عديم الجنسية بالمواطن العراقي اذا كان مقيما في العراق لاغراض تطبيق قانون العقوبات.
المطلب الثاني
الضمانات القانونية لحامل الجنسية
لما كانت الجنسية علاقة ما بين فرد ودولة فهي من هذه الناحية من نظم القانون العام. وهذا يعني ان الدولة تستاثر بوضع احكام فرضها ومنحها وفقدانها واستردادها بقانون يصدر عن السلطة المختصة في الدولة ولا يملك احد افراد او دول التدخل في هذه المسالة لانها متعلقة بعمل سيادي ولكن السؤال هنا من يملك الاختصاص في تطبيق قانون الجنسية؟ و من له الاختصاص في النظر في الاعتراض والطعن بالقرارات المتعلقة بتطبيق قانون الجنسية واذا كان للفرد حق حمل الجنسية فلكل حق دعو تحميه فما هي الوسائل المفيدة لاثبات هذا الحق؟ واذا تمكن الفرد من اثبات حقه في الجنسية او نفيه فالقرارات و الاحكام الصادرة هل تكون لها حجية نسبية ام مطلقة؟ هذه التساؤلات وما يتفرع عنها سنحاول الاجابة عليها من خلال ثلاثة فروع كالاتي:
الفرع الاول
الاختصاص في مسائل الجنسية
اذا كانت السلطة المختصة بالتشريع هي التي تتولى عملية سن القوانين ومنها قانون الجنسية فان كل ما يرد فيه من احكام تعبر عن عمل سيادي ويمكن ان نقول ان الدولة في تنظيم شروط فرض ومنح الجنسية وفقدانها واستردادها لها اختصاص استئثاري مانع ضمن منطقة التنفيذ المباشر لاختصاصات الدولة اما الاختصاص بشان تطبيق قانون الجنسية فيكون للسلطة التنفيذية ممثلة بوزارة الداخلية و مجلس الوزراء في مناسبات معينة وهو موقف اغلب التشريعات العربية وهذا الاختصاص يعبر عن عمل او راي حكومي لا يدخل ضمن اعمال السيادة على راي الغالبية في حين يرى قلة من الفقهاء ان هذا العمل سيادي و التفرقة في ذلك لها تاثير على اختصاص الجهة التي يمكن التنظيم امامها فاذا كانت اجراءات تطبيق احكام قانون الجنسية تعبر عن عمل سيادي فليس هناك امكانية للطعن بقرارات وزير الداخلية او مجلس الوزراء وهذا هو الوضع الذي كان سائد في العراق بحسب قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 413 لسنة 1975 الذي منع بموجبه المحاكم بكافة دراجاتها من النظر في دعاوي الجنسية واعطى الاختصاص للنظر في الطعون من قرارات وزير الداخلية لرئيس الجمهورية ويعتبر قرار الاخير قطعي علما ان الوضع قبل صدور القرار الاخير كان متردد بين اختصاص القضاء وعدم اختصاصه مع مراعاة احكام المادة(9) من قانون الجنسية وقد نظر القضاء العراقي عدة دعاوى منها قرار محكمة التمييز رقم 156 لسنة 1970 وقرارها رقم 408 لسنة 1964 وكذلك قرارها رقم 1948 لسنة 1965 حيث وصف القضاء ان قرار الوزير عمل اداري لا عمل سيادي ومقابل هذه القرارات تراجع القضاء في مناسبات اخرى عن موقفه ومنها قرار محكمة التميز رقم 35 لسنة 1970 حيث وصف القضاء الاختصاص في منح الجنسية عمل سيادي وكذلك قرارها رقم 7002 لسنة 1967 ومن الجدير بالذكر ان مجلس الحكم الانتقالي اصدر قرارين الاول رقم 111 لسنة 2003 و الثاني رقم 117 لسنة 2003 الغى بموجبهما كل ما يمنع المحاكم من النظر بقضايا الجنسية و العمل وفق الولاية العامة للسلطة القضائية.
كما كان هذا هو موقف دستور العراق لعام 2005 في المادة (18/6) التي نصت على (تنظم احكام الجنسية بقانون وينظر في الدعاوى الناشئة عنها من قبل المحاكم المختصة) كما اكد نفس المعنى المادة(100) من الدستور حيث نصت (يحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل او قرار اداري من الطعن).
كماحدد قانون الجنسية الجديد النافذ القضاء المختص للفصل في مسائل الجنسية بحسب المادة (19) التي نصت على (تختص المحاكم الادارية في الدعاوى الناشئة عن تطبيق احكام هذا القانون كما اكدت المادة (20) على انه(يحق لكل من طالبي التجنس و الوزير اضافة الى وظيفته الطعن في القرار الصادر عن المحاكم الادارية لدى المحكمة الاتحادية)
وهذا يعني ان القضاء المختص في دعاوى الجنسية هو القضاء الاداري وهذا هو الحال في مصر بعد صدور قانون مجلس الدولة المصري رقم 47لسنة 1972، وقد اتجه المشرع السوري هذه الوجه ايضا حيث قرر في المادة (28)من قانون الجنسية السورية ان(يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء اداري دون غيره بالفصل في دعاوي الجنسية).
في الواقع ان تقرير هذا الاختصاص للقضاء الاداري وحده دون غيره ياتي مخالفا لما استقر عليه القضاء في فرنسا والذي تاكد في المادة (124) من قانون الجنسية الفرنسية لعام 1973 من منح الاختصاص بمنازعات الجنسية للقضاء العادي اخذا في الاعتبار ان الجنسية من العناصر الاساسية لحالة الاشخاص والتي تعد المحاكم العادية اقدر على صونها،وهذا الموقف الذي جاء به القانون الفرنسي اخذت به العديد من تشريعات المغرب العربي والمتأثرة بالقانون الفرنسي،وهذا موقف القانون اللبناني ايضا حيث عقد الاختصاص في دعاوي الجنسية للقضاء العادي،وقد تأكد هذا الاختصاص بمقتضى القانون رقم 68\67\الصادر بتاريخ 4\12\1967
و الحقيقة ان القضاء الاداري بموجب احكام القانون العراقي يختص في الدعاوى التي توجه بصفة اصلية بشان الجنسية او بصفة طعن او تظلم من قرار او اجراءات وزير الداخلية أي ان القضاء الاداري لا ينظر في الدعاوى المقامة من قبل الافراد لاثبات الجنسية الوطنية لهم او نفيها عنهم دون ان يكون هناك قرار سابق صادر بحقهم بالمنح او السحب او الاسقاط كما يختص القضاء الاداري للنظر في الدعاوى التي تقام للتظلم او الطعن في عمل اداري يتعلق بسحب الجنسية عن الشخص او عدم منحه اياها رغم توافر فيه شروط المنح او الفرض.
اما النظر في دعوى الجنسية بوصفها مسالة اولية فيمكن ان ينهض فيها اختصاص القضاء العادي طالما كانت الجنسية مرتبطة بدعاوى اصلية مقامة امام القضاء حيث يكون قاضي الفرع هو قاضي الاصل،ولكن بشرط مفاده ان يكون وجه المسألة في الجنسية ظاهر اي ان تكون جنسية الشخص ثابتة كما لو كان الشخص الذي اثير الدفع في شأنه يحمل شهادة الجنسية الوطنية فعندها نظرا للارتباط و الصلة ما بين الدعوى الاصلية و الجنسية ينظرها نفس القضاء العادي،ومثال ذلك دعاوى متعلقة بميراث مورث عراقي و الورثة عراقيين ودفع امام محكمة الاحوال الشخصية ان احدهم اجنبي هنا سوف يستأخر القضاء الفصل في الدعوى الاصلية وهي دعوى الارث لحين البت في الدعوى الفرعية (المسالة الاولية) و التثبت من جنسية الوارث الذي طعن بصفته الوطنية فالقضاء العادي هنا يمكن ان يختص للنظرفي الصفة الوطنية للوارث لان عليها يتوقف الفصل في النزاع فاذا ثبتت جنسيته العراقية يرث بدون موانع اما اذا لم تثبت هذه الجنسية فهو لا يرث الا اذا كان قانون دولته يورث العراقي منه المادة(22/1) من القانون المدني كما يمكن ان يختص القضاء الاداري بمسائل الجنسية بوصفها مسالة اولية اذا تعلقت بدعوى اصلية مقامة امامه.
الفرع الثاني
اثبات الجنسية
اثبات الجنسية هو الالتزام بإقامة الدليل على ثبوت الجنسية او نفيها بأتباع احكام قانون تلك الجنسية،والمتعلقة بالمسائل الموضوعية دون المسائل الاجرائية على اعتبار ان الاخيرة يسري عليها قانون المحكمة المرفوع امامها النزاع،والسؤال الذي يطرح في هذا المقام هل يحق للفرد ان يرفع دعوى امام القضاء لغرض اثبات او نفي الجنسية عنه؟ ان الاجابة عن هذا السؤال تختلف بين ما اذا سلمنا للقضاء امر الفصل في دعاوى الجنسية واذا لم نسلم له بهذا الحل ففي الفرض الاول يمكن اقامة الدليل على اثبات الجنسية الوطنية او نفيها بحسب توجه الشخص امام القضاء الاداري او العادي و بحسب قانون دولة اقامة الدعوى وفي العراق يكون الاختصاص في هذه المسالة للقضاء الاداري. وكذلك الحال في مصر وسوريا واغلب البلاد العربية اما في الفرض الثاني فيمكن اثبات الجنسية او نفيها امام الادارة بوصف الجنسية من اعمال السيادة التي ليس للقضاء حق الفصل فيها وهذا موقف قانون الجنسية الكويتي الذي عقد الاختصاص في هذا المجال بلجان تعين بمرسوم اميري بناء على عرض وزارة الداخلية،وهذا ايضا ما لاحظناه في ظل قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 413 لسنة 1975
اما ما هي طرق اثبات الجنسية فهناك طريقين للاثبات الطريق المباشر و الطريق غير المباشر الطريق الاول يصلح لاثبات الجنسية المكتسبة من خلال انه يقيم الدليل على توافر شروط منح الجنسية من خلال اثبات اقامة الشخص للمدة المطلوبة لمنح الجنسية وحصوله على وثيقة الاقامة او اثبات زواج الاجنبية من وطني للحصول على جنسية زوجها من خلال تقديم وثيقة الزواج اما الطريق الغير مباشر في اثبات الجنسية فهو يصلح لاثبات الجنسية الاصلية لان اثبات هذه الجنسية يتم عن طريق اثبات الاساس الذي فرضت عليه،فاذا فرضت على اساس حق الدم فالشخص يثبت هنا جنسيته من خلال اثبات جنسية الاصول التي انحدر منها فاثبات الجنسية في الوضع الاخير يفيد بشكل غير مباشر لاثبات جنسية الشخص،ونظر لصعوبات الجمة التي يثيرها اثبات الجنيسة،حيث يتوجب على من يدعي أنه يتمتع بالجنسية الوطنية وفقاً لذلك الاساس أن يثبت أن والده وطني و والد والده كذلك نزولاً مع تسلسل الاجيال السالفة الى ما لا نهاية وهو أمر لا يطيقه المدعي و يزداد الفرض صعوبة كلما قدم الزمان بالدولة التي يدعي الشخص الانتماء إليها مما دعا بعض القوانين الوضعية الى النص صراحة على قرينة الجنسية الظاهرة في تلك الحالة محيلاً أياها الى قرينة قانونية
على أن النص على اعتبار الجنسية الظاهرة قرينة قانونية لا يشمل في حكمه الجنسية الوطنية الأصلية المبنية على أساس حق الإقليم ، نظراً لعدم حاجة من يتمسك بإثبات هذه الحالة إلى إثبات الجنسية الوطنية بالترتيب الى أسلافه الوطنيين فليس واقعة الميلاد من أب وطني هي ما يتمسك به بل واقعة الميلاد على الاقليم الوطني.
وبالمعنى السابق تبنى القضاء المصري الجنسية الظاهرة ( حيازة الحالة ) واعتمدها وسيلة من وسائل إثبات الجنسية المصرية،غير القضاء المصري وسع من مجال اعمال حيازة الحالة الظاهرة وجعل منها قرينة يؤخذ بها لاثبات الجنسية المبنية على اساس حق الدم و حق الاقليم على السواء
اما اذا فرضت على اساس حق الاقليم فيتم الاثبات من خلال اثبات واقعة الميلاد عن طريق تقديم شهادة الميلاد فاثبات الاخيرة يفيد بشكل غير مباشر اثبات الاساس الذي قامت عليه الجنسية،فاذا لم يوجد هذا الدليل اسبب اولاخر فيجوز اثبات واقعة الميلاد بكافة طرق الاثبات
ومن الجدير بالذكر ان اغلب التشريعات العربية نظمت اليات اثبات الجنسية ومن هذه التشريعات قانون الجنسية السوري والمغربي والجزائري والتونسي والكويتي وكذالك القانون اللبناني في مشروع قانون الجنسية اللبناني الجديد وكذلك مصر في قانون الجنسية رقم 26 لسنة 1975،حيث اشارت الى الية اثبات جنسية الشخص فحدد الاثبات على عاتق الشخص المتنازع في جنسية أي الشخص الذي يريد اثبات الجنسية المصرية او نفيها واثبات صفته الاجنبية هو الذي يقع عليه عب الاثبات اما في العراق فلم يذهب قانون الجنسية السابق الملغى و لا الحالي على الية اثبات الجنسية العراقية وهذا ما يقودنا الى اعتماد القواعد العامة في الاثبات و التي وردت في قانون الاثبات رقم 107 لسنة 1979 و المعدل بقانون رقم 46 لسنة 2000 في المادة(22/2)منه وعليه يمكن اثبات الجنسية العراقية للاستفادة من الامتيازات و الحقوق التي توفرها هذه الجنسية ومنها حق التوظف او التملك او الانتخاب او الترشيح واثبات نفيها للاستفادة من الحماية الدبلوماسية التي توفرها الدولة التي يدعي انه منسوب اليها وان طرق الاثبات المعتمدة هي الشهادة و الادلة الكتابية و القرائن ولا يعتد بالاعتراف و اليمين لان الاولى ادلة موضوعية محايدة والثانية شخصية ومن ثم لا يجوز ان يصنع الانسان دليل لنفسه فالادلة الاخيرة منحازة.
و الاصل ان عبء الاثبات يقع على عاتق الشخص الذي يدفع بتمتعه بالصفة الوطنية او نفيها عنه كما يقع على عاتقه الاثبات اذا دفع الغير بالاثبات و النفي طالما انه الشخص المتنازع في جنسيته ولكن هذه القاعدة ليست مطلقة وانما يرد عليها استثناء بقتضاه يتحول الاثبات من الخصم المكلف به اصلا الى الطرف الاخر(الخصم الاخر في الدعوى او الدفع) وذلك في حالتين:-
الاولى:- اذا كان الشخص المتنازع في شأن جنسيته يحمل شهادة الجنسية الوطنية او الوثيقة التي تثبت صفته الوطنية.
والحالة الثانية:-إذا كان الخصم في الدعوى اوالدفع يحوز الحالة الظاهرة تلك الحالة التي يُظهر من خلالها صفته الوطنية من خلال اسمه وشهرته ومعاملته. فكل من ينازع من يحوز احدى هاتين الحالتين يقع عليه عبء الاثبات على اساس انه يدعي خلاف الظاهر،تطبيقا للقواعد العامة في الاثبات