الفرع الثاني
عناصر الجنسية
ووفقا لما تقدم فان الجنسية تقوم بعدة عناصر تتوزع بين الفرد المتلتقي لها و الدولة المناحة اياها و الحقوق و الالتزامات المترتبة عليها بين الفرد و الدولة وعليه فان هناك مثلث من العناصر يتمثل بما ياتي :
اولا: الفرد
بعد زوال نظام الرق في العالم اصبح لكل انسان شخصيته القانونية لتلقي الحقوق وتحمل الالتزامات ويعد التمتع بالجنسية من اهم الحقوق فالانسان بحسب هذا الحق يتحقق له نسب سياسي معلوم بدولة معينة تتكفل حمايته وضمان ماله من حقوق وتحديد ما عليه من التزامات فتكون الجنسية بالنسبة للفرد بمثابة حماية قانونية اتجاه الافراد و الدول ، وحق التمتع بالجنسية حق يتعلق بالشخص يستطيع الدفاع عنه امام القضاء او الادارة ، الاصل ان جميع الافراد يتمتعون بحق حمل الجنسية الاصلية فور الميلاد ولهم حق حمل الجنسية المكتسبة ما بعد الميلاد و يفترض في الجنسية في جميع الاحوال ان تعبر عن الانتماء الروحي و الولاء السياسي للفرد.
وقد اصبح حق حمل الجنسية من اهم حقوق الانسان الاساسية وهذا ما اكدته المادة (15) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 التي نصت على (ان يكون لكل انسان الحق في الجنسية.....)
واذا كان للشخص الطبيعي حق حمل الجنسية فهل يحق كذلك بالنسبة للشخص المعنوي ؟ لقد اجاب الفقه عن ذلك باتجاهين فذهب الاتجاه الاول الى انكار حق حمل الجنسية على الشخص المعنوي لان الاخير يفتقر لخصائص هذا الحق واهمها الولاء السياسي و الانتماء الروحي الذي يعد من مقومات الجنسية فضلا عن ان الشخص المعنوي لا يدخل ضمن تعداد السكان ولما كان من اغراض الجنسية حصر افراد شعب الدولة واسباغ الصفة الوطنية عليهم ولما كان الشعب هو مجموعة الاشخاص الطبيعية فلا تكون الدولة بحاجة بعد ذلك لاسباغ الصفة الوطنية على الاشخاص المعنويين بواسطة الجنسية فضلا عن تعذر قيام الاشخاص المعنوية ببعض التكاليف التي تعبر عن الولاء و الانتماء ومنها اداء الخدمة العسكرية. ومقابل الاتجاه الاول ذهب اتجاه اخر الى الاعتراف للشخص المعنوي بحق حمل جنسية اسوة بالشخص الطبيعي ذلك لان الولاء الذي هو قوام الجنسية يمكن ان يعبر عنه الشخص المعنوي بصيغة تتناسب مع طبيعته عن طريق قيامه بالاعمال التي تنطوي على تقديم خدمات لشعب الدولة كتعزيز الاقتصاد الوطني فضلا عن ذلك ان نشوء الشخص المعنوي يرتب حقوق و التزامات يتطلب معرفة القانون الواجب التطبيق فيها فيكون لزاما الاعتراف للشخص المعنوي بحق حمل جنسيه كمعيار يربطه بدولة معينة تضطلع بمهمة تحدد ما له من حقوق وما عليه من التزامات ويتم بموجبها تحديد القانون الذي يحكم نظامه الداخلي فضلا عن ذلك ليس هناك من علاقة حتمية ما بين منح الجنسية للفرد و اداء الخدمة العسكرية حتى يقال من ضروره منحها فقط للشخص الطبيعي دون المعنوي لانها تفرض على الصغير فور الميلاد وتمنح للمراة وكلاهما لا يكلف باداء الخدمة العسكرية،فضلا عن ان هناك من الدول التي لايتوفر فيها اصلا واجب اداء الخدمة العسكرية نظرا لتبنيها مبدأ الحياد الدائم كسويسرا ومع ذلك فلها جنسيتها الخاصة بها،ومن ثم فليس من مانع من منح الجنسية للشخص المعنوي وفقا للوضع الاخير.
واذا كان الاشخاص الطبيعيين يمثلون شعب الدولة من الناحية الاجتماعية فان الاشخاص المعنوية يمثلون عوامل لتعزيز قوة الدولة من الناحية الاقتصادية السياسية وان كانت بعض المنقولات ومنها السفن و الطائرات و الاقمار الاصطناعية تتمتع بحق حمل جنسية فيكون من باب اولى الاعتراف بهذا الحق للشخص المعنوي.
لذا انتهى الاتجاه الفقهي و التشريعي و القضائي المعاصر الى الاعتراف للاشخاص المعنوية بحق حمل الجنسية بما لذلك من اهمية في تحديد النظام القانوني الذي يخضع له الشخص المعنوي من حيث الحقوق و الالتزامات و القانون الواجب التطبيق على نظامه الداخلي وتصرفاته القانونية و المحكمة المختصة للفصل في المنازعات التي يكون طرفا فيها.
وقد كانت التشريعات العربية و الاجنبية في هذا الاتجاه ومنها التشريع العراقي في قانون الشركات الملغي رقم 32 لسنة 1957 وقانون الشركات النافذ رقم 21 لسنة 1997 وكذلك قانون الشركات رقم 22 لسنة 1997 .
ثانيا : الدولة
تتمتع الدولة دون سائر اشخاص القانون الدولي العام بحق منح الجنسية للافراد وهي تملك هذا الحق بما لها من شخصية دولية ولا يؤثر سلبا في هذا الحق صغر مساحتها وقلة عدد افراد شعبها وتبعيتها ونقص سيادتها لذا نجد ان سوريا اصدرت اول قانون جنسية في عام 1925 ابان خضوعها للانتداب الفرنسي وكذلك العراق اصدر اول قانون وهو قانون رقم 42 لسنة 1924 ابان خضوعه للاحتلال البريطاني،غير انه اذا وصل نقصان السيادة حدا فقدت معه الدولة شخصيتها القانونية كليا كما هو الحال بالنسبة للدول المستعمرة او المضمومة كليا الى دولة اخرى فأن الافراد التابعين لهذه الاقاليم لا تثبت لهم جنسية مستقلة بل ينظر اليهم بوصفهم منتمين للدول التي تضم هذه الاقاليم
وبالمقابل لا تملك حق اصدار الجنسية المنظمات الدولية مثل الامم المتحدة او الاقليمية ومنها الجامعة العربية والسبب وراء ذلك يتمثل بطبيعة عمل افراد هذه المنظمات الذي يتنافى مع حمل جنسية تمنحها المنظمة حيث لا يمكن ان تحقق اغراضها اذا كان افرادها يحملون جنسيتها لانهم مكلفين باداء مهمات لتحقيق اغراض المنظمة وهي اغراض انسانية في الغالب فضلا عن عدم تمتع المنظمة بالجنسية اصلا.
فضلا عن ذلك لا تملك الولايات او المقاطعات في الدول المركبة حق اصدار جنسية لرعاياها لان ذلك يكون من الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية() فافراد الولايات او المقاطعات تكون لهم رعوية الولاية او المقاطعة التي يقيمون فيها وهي بمثابة جنسية داخلية اضافة الى حملهم جنسية الدولة الاتحادية التابعة لها المقاطعة او الولاية. و العبرة بالجنسية الاخير في محيط العلاقات الخارجية.
ثالثا : علاقة قانونية وسياسية
ان ارتباط الفرد بدولة معينة عن طريق الجنسية تتوقف عليه جملة نتائج تتوزع بين الفرد و الدولة وهي تتمثل في ان الفرد سيكون منسوب سياسيا لدولة معينة ومركز قانونيا في النظام القانوني لتلك الدولة فالجنسية ستكون هنا عنصرا من العناصر القانونية التي تدخل في الحالة الشخصية للفرد فتؤدي غرض مزدوج فهي تبين مقدار الحقوق و الالتزامات بين الفرد و الدولة من ناحية وتحدد النظام القانوني الواجب التطبيق في مسائل الاحوال الشخصية من ناحية اخرى.
كما يتدخل المشرع في تنظيم احكام فرضها ومنحها وفقدانها واستردادها وتوصف من هذه الناحية بانها علاقة قانونية وبها ينسب الفرد سياسيا لدولة معينة فتكون مطبوعة بطبيعة سياسة وبها يستاثر الفرد بالصفة الوطنية التي تؤهله لحقوق وواجبات اوفر من الاجنبي وتكون بذلك الجنسية عنصر تفوق للوطني من هذه الناحية.
الفرع الثالث
الطبيعة القانونية للجنسية
اختلف الفقه حول الطبيعة القانونية للجنسية في اتجاهين رئيسيين لتحديد تلك الطبيعة الاتجاه الاول يذهب الى وصف الجنسية بالعقد و بانها علاقة عقدية بين الفرد و الدولة وتمتد جذور هذا الاتجاه الى افكار الفقيه الفرنسي جان جاك روسو رائد نظرية العقد الاجتماعي وشبه هذا الاتجاه تلاقي ارادتي الفرد و الدولة بانعقاد ارادتي الايجاب و القبول حيث تظهرا بمظاهر مختلفة وبحسب نوع الجنسية ففي الجنسية الاصلية يكون ايجاب الدولة عام موجه للجميع بينما في اطار الجنسية المكتسبة تكون ارادة الايجاب خاصة موجه لفئة معينة وهي فئة الاجانب في الغالب مقابل ذلك تكون ارادة القبول صريحة في اطار الجنسية المكتسبة تارة كما هو الحال في التجنس وضمنية تارة اخرى كما هو الحال في الحاق الزوجة بجنسية زوجها الاجنبية بالزواج المختلط في حين تكون تلك الارادة مفترضة في اطار الجنسية الاصلية حيث انها تثبت للمولود حديثا فور الميلاد فلاارادة لهذا المولود فور الميلاد فافترض اصحاب هذا الاتجاه ان ارادته في القبول مفترضة اضافة الى ذلك ترتب العلاقة العقدية حقوق و التزامات متبادلة بين الفرد و الدولة فما يعد حق للفرد واجبا على الدولة فعلى الدولة تمكين المواطن من الانتفاع بالحقوق الخاصة و العامة وحمايته في الداخل و الخارج مقابل التزام الفرد بالقوانين و الانظمة التي تصدرها الدولة وبذلك تنعقد ارادة الدولة بالايجاب مع ارادة الفرد بالقبول فتترتب تلك الحقوق و الالترامات.
وقد وجه النقد لاصحاب هذا الاتجاه حيث ان تشبيه الجنسية بالعقد حيلة قانونية كما انه لا يستند الى اساس قانوني سليم. حيث ان الجنسية تعوزها متطلبات العقد اهمها الاهلية في اطار الجنسية الاصلية بل ان هذه الاهلية ليست ذات اهمية حتى في اطار الجنسية المكتسبة كما في حالة الحاق الزوجة بجنسية زوجها تلقائيا بسبب الزواج كما ان من متطلبات العقد التوازن ودرجة تكافؤ مقبولة بين ارادة الطرفين وهذا ما تفتقر له الجنسية حيث تطغي وتغلب فيها ارادة الدولة على ارادة الفرد.
وقد ذهب قلة من الفقهاء الى تشبيه الجنسية بالشركة فالوطنين عبارة عن اعضاء في تلك الشركة وهذا الاتجاه لا يقوم على اساس قانوني سليم ذلك لان علاقة الجنسية تخضع لقواعد القانون العام في حين علاقة الشركة تخضع في الغالب لقواعد القانون الخاص.
وامام هذا الاتجاه ذهب اتجاه اخر في الفقه الى وصف الجنسية بالعلاقة التنظيمية بين الفرد و الدولة. تختص الدولة فيها بوضع قانون ينظم اليات فرضها ، ومنحها ، وفقدانها واستردادها بحسب المصالح السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية العليا للدولة. ولا تظهر ارادة الفرد الا بمساحة محدودة في اطار الجنسية المكتسبة تتمثل في تقديم طلب الحصول عليها وهذا هو الراي الراجح.
ونلخص مما تقدم الى ان الجنسية هي علاقة قانونية تنظم بقانون يحدد شروط فرضها ومنحها وفقدانها واستردادها وتغلب في تنظيم احكامها ارادة الدولة على ارادة الفرد.
الفرع الرابع
اساس الجنسية
توزع الفقه في البحث عن هذا الاساس في اتجاهين الاول يمثله الفقه الانكلو امريكي ويذهب الى القول بان اساس الجنسية هي المنفعة المتبادلة بين طرفيها الفرد و الدولة فالفرد يستفاد من الجنسية بما ترتبه من حقوق وحمايته في داخل الدولة وخارجها مقابل ذلك تتمكن الدولة بواسطة الجنسية من ممارسة ولايتها وسيادتها الشخصية على الذين يحملون جنسيتها في الداخل و الخارج وهذا يضمن لها سيطرة مادية وقانونية على مواطنيها .
اما الاتجاه الثاني الذي يمثله الفقه اللاتيني فيذهب الى اقامت الجنسية على اساس روحي فيوصف الجنسية بانها رابطة روحية قوامها الولاء السياسي و الانتماء الروحي بين الفرد و الدولة.
في حقيقة الامر ان الجنسية تقوم على اساسين مادي (نفعي) ومعنوي(روحي) لا يمكن الفصل بينهما لانهما متداخلان واحد هما يقوم على الاخر فلا امكانية لتجزئتها اكدت هذه الحقيقية محكمة العدل الدولية في قضية نوتباوم 1955.
- تقضي المادة "15"من العلان العالمي لحقوق الانسان الذي اعتمد بموجب قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 217 ألف "د-3" المؤرخ في 10\ كانون الاول\1948على انه"1-لكل فرد حق التمتع بجنسية ما .2-لايجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفا ولا من حق تغيرها دون مساغ قانوني"كذلك نص المعهد الدولي الخاص بإتفاقية الحقوق المدنية والسياسية الذي وافقت عليه الجمعية العامة للامم المتحدة في16\12\1966على انه"لكل طفل الحق في ان تكون له جنسية "المادة "24فقرة2".علما بأن هذه الاتفاقية ملزمة للعراق فقد صادق عليها عام 1970 ونشر قانون التصديق عليها بالوقائع العراقية العدد 1927 الصادرة بتاريخ 27\10\1970.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .