انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

القيود القانونية على ممارسة الاختصاص القضائي الدولي

الكلية كلية القانون     القسم قسم القانون الخاص     المرحلة 4
أستاذ المادة عبد الرسول عبد الرضا جابر شوكة       6/1/2011 8:10:48 AM

المطلب الثاني

 

القيود القانونية على  ممارسة الاختصاص القضائي الدولي

 

          تتمتع ألدوله عبر تشريعها الوطني برسم حدود الصلاحية القضائية لمحاكمها الوطنية من الناحية الدولية ،وهذا نابع عن غياب سلطه عليا تتولى توزيع الصلاحيات القضائية بين  محاكم الدول ،ألا أن صلاحية الدولة في تنظيم الاختصاص القضائي  الدولي لمحاكمها ليست مطلقة، أنما هي مقيدة بقيود تفرضها الأعراف والاتفاقيات الدولية ،وللاحا طه بذلك نعرض للموضوع من خلال فرعين

 

 

الفرع الاول

 

القيود العرفية

 

          لقد استقر التعامل الدولي على مجموعة مبادئ تبلورت على شكل أعراف فرضت نفسها في أطار حرية الدولة في تنظيم الاختصاص الدولي لمحاكمها الوطنية بعضها مقرر لصالح الأفراد والبعض الأخر لصالح الدول.

 

          ففي أطار القيود المقررة لصالح الأفراد اعترف للفرد بحق اللجوء للقضاء سواء أكان داخل دولته أم خارجها فأصبح بذلك حق التقاضي مكفول  للجميع وطنيين أو أجانب بعد أن كان قاصراً على الوطنيين حيث كانت  وظيفة القضاء إقامة العدل بينهم، ولم يعترف  للأجنبي بحق التقاضي  وقتها ،وتطور الوضع فيما بعد فاعترف له بهذا الحق، ولكن بشرط تقديم كفالة قضائية لضمان ما يترتب بذمته من حقوق أذا خسر  دعواه ، وهذا ما كان عليه الحال في النظام القانوني الفرنسي حتى عام 1973 حيث  اعترف بعد ذلك للجميع وطنيين وأجانب  بحق التقاضي على أساس أن وظيفة القضاء هي إقامة العدل لجميع المتوطنين على الأراضي الوطنية لدوله المحكمة، كما أن هذا الحق يوفر حماية للحقوق التي يعترف بها المشرع الوطني للأجنبي حيث لا قيمة لها   بدون توفير الحماية القضائية لها،إضافة إلى توفير ضمانات هذه الحماية ومنها تمكين الأجنبي من فرص الدفاع عن حقه وأتباع الإجراءات الأصولية لمواعيد تبليغه وإذا ما خالفه الدولة القيود العرفية المقررة لصالح الأفراد أعلاه ،تثار مسؤوليتها الدولية لأنها من أهم الحقوق وقد اعترفت جميع الدساتير بهذا الحق ومنها الدستور المصري لعام 1971 والدستور العراقي لعام 2005 في المادة (19/3) التي نصت على ((التقاضي حق مضمون ومكفول للجميع)) وان كلمة الجميع يمكن أن تحمل على إطلاقها فتشمل الأجانب والوطنيين.

 

أما القيود المقررة  لصالح الدولة فتتمثل بالحصانة القضائية للدولة الأجنبية  ورؤسائها و ممثليها الدبلوماسيين والقنصليين أمام القضاء الوطني لدولة أثارة النزاع .

 

           ففي أطار تمتع الدولة الأجنبية بالحصانة القضائية أمام القضاء الوطني ،يستتبع حصانة رئيسها وممثليها الدبلوماسيين والقنصليين وأن الحصانة المقررة للدولة ورئيسها تفوق تلك المقررة لممثليها

 

 

        ويمكن تتبع هذه الحصانة من عدة نواح تتمثل أولا بالتطور التاريخي للحصانة وثانيا   أساس الحصانة وثالثا نطاقها ورابعا  طبيعتها ، وعلى النحو الأتي:-

 

أولا:- التطور التاريخي للحصانة

 

        نشأة الحصانة في العصور الوسطى حيث تأكدت  في هذه الفترة حرمة السفراء كما تأكد هذا المبدأ في الشريعة الإسلامية من خلال قاعدة الرسل آمنون حتى يؤدوا الرسالة([1]) ، وبعد استقرار فكرة الدولة اقتضت ضرورات التعامل الدولي بين الدول وما تفرع عنها  من ضرورة التعاون الدولي ،وتمكين الدولة من مزاولة إعمالها بحرية ،وأمان خارج حدودها الإقليمية من خلال من يمثلها استقر ت الممارسات الدولية على منحها ضمانات أمام القضاء الوطني لدولة ممارسة نشاطها، استقرت تلك الممارسات على شكل أعراف لشيوع اعتمادها ،والاعتقاد بالا لزاميتها على نحو مستمر بدون معارضة الدول لها ، فكانت بذلك نشأة  حصانة ألدوله وممثليها نشا مصدرها أعراف ظهرت على شكل   مجامله دولية تحولت فيما بعد إلى قواعد دوليه ملزمة ([2])، تم تسجيلها في  اتفاقيات دولية و منها اتفاقيه فينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 ،واتفاقيه فينا للعلاقات القنصلية  لعام 1963 .

 

كما نظمت  العديد من التشريعات الوطنية  الحصانة القضائية للدول ونذكر منها على سبيل المثال قانون الولايات المتحدة الأمريكية لحصانات السيادة الأجنبية لعام 1976 وقانون المملكة المتحدة لحصانة الدول لعام 1978 وقانون استراليا لحصانات الدول الأجنبية لعام 1985، كما نظم المشرع العراقي أحكام الحصانة القضائية للمبعوث القنصلي  في قانون رقم 203 لسنة  1968[3]

 

 

 

 

ثانيا:- أساس الحصانة

 

          ينقسم الفقه في هذا الموضوع على اتجاهين الاول يبرر الحصانة على أساس المجاملة الدولية ،وبحسب هذا التوجه يكون  إعفاء الدولة ومن يمثلها من الخضوع للولاية القضائية لدوله ما هو ألا مجامله لرئيس الدولة وممثليها، في حين  يذهب الاتجاه الثاني إلى أن أساس الحصانة هو مبدأ استقلال الدولة وسيادتها والذي يفرزه مبدأ تكافؤ السيادات أي المساواة في السيادة بين الدول ،والذي أكد عليه ميثاق الأمم المتحدة في المادة (2/1) ،وهذا بالضرورة يحتم على كل دولة  أن لا تخضع لقضائها الوطني دوله أخرى وذلك احتراما لسيادة واستقلال الأخيرة، وتمكينها من مزاوله أعمالها على  أحسن وجه وأكمله ، ونعتقد أن الاتجاه الثاني هو ألا وفق ذلك لان ألدوله بوصفها شخص من أشخاص القانون الدولي تدخل حتما في علاقات مع غيرها سواء أكانوا دول أم أفراد ،فتمتع الدولة ومؤسستها بالحصانة في ظل تعاملها على المستوى الدولي  مصدره  مبدأ المساواة في السيادة بين الدول.أما التمتع بالحصانة من قبل المبعوثين، فمصدره  مبدأ تمتعهم بقدر كافي من الحرية لمزالة أعمالهم بصفتهم الوظيفية الرسمية لا   الشخصية وصولا لأداء تلك الإعمال بالشكل الصحيح ومساواة المبعوثين مع غيرهم من الإفراد العاديين لا يمنحهم الطمأنينة والحرية المطلوبة والكافية  لمزالة أعمالهم. أضافه إلى أن الإخلال بمبدأ الحصانة القضائية ومخالفته يرتب المسؤولية الدولية على الدولة التي لا تحترمه  في حين لا تتحرك المسؤولية الدولية في ظل مخالفة قواعد المجاملات وهذا يعني أن الحصانة القضائية مصدرها قواعد قانونية دولية ملزمة لا مجرد قواعد مجاملة .

 

           

 

ثانياً :- نطاق الحصانة

 

          كانت الحصانة القضائية للدولة وممثليها عند نشأتها مطلقة تمتد إلى  جميع أعمال الدولة الرسمية وغير الرسمية،وهذا يعني أن رئيس الدول والممثلين الدبلوماسيين والقنصليين كانوا يتمتعون بحصانة مطلقة في الخضوع لولاية القضاء الوطني سواء مارسوا أعمال تدخل ضمن مهامهم الوظيفية الرسمية أم خارج تلك المهام، أي أذا باشروا  أعمال تصب في مصلحتهم الشخصية فإنها لا تخضع لولاية القضاء أسوة بأعمالهم الرسمية الوظيفية الطبيعية ،  فالمنازعة عن علاقة موضوعها  شراء سفير لدار لغرض شخصي أو لغرض جعله سفارة لا يمكن إثارتها أمام قضاء الدولة الكائن فوق أراضيها الدار، وهذا يعني أن نطاق الحصانة القضائية في البداية كان يمتد إلى جميع تصرفات وإعمال الدولة مهما كانت طبيعتها والغرض منها ،وهذا التوجه لا يبعث  الاطمئنان والأمن القانوني  للمتعاملين مع الدول الأجنبية لأنهم سيشعرون أنهم يتعاملون مع شخص يتمتع بامتياز ولا يمكن مقاضاته بنفس الطرق المقررة لمقاضاة الأشخاص الطبيعيين وبأثر سلبية هذا التوجه جرت محاولات لتحسينه، وبما يرفع الخلل فيه انتهت إلى  انحسار نطاق الحصانة على أعمال وتصريحات الدولة الرسمية دون تلك التي لا تعد رسمية، أي حتى تخضع الدولة الأجنبية ورئيسها  أو احد ممثليها( السفير أو القنصل ) لقضاء دولة ما أن يكون ما صدر عنها أو باسمها الغرض منه تحقيق المصلحة  العامة ،وان تكون قد تعاملت على أساس أنها  شخص من أشخاص القانون الدولي العام على المستوى الدولي ومن أشخاص القانون العام على المستوى الداخلي ، أي كانت تقوم بالإعمال بوصفها شخص   ذات سلطة و سيادة لا شخص عادي من أشخاص القانون الخاص ،
 وتعود بهذه الإعمال  بالنفع على أفراد مجتمعها  ،وبذلك ظهر مبدأ الحصانة القضائية النسبية والذي حل محل  مبدأ الحصانة المطلقة ، ولعل من أهم العوامل التي قيدت من الحصانة القضائية للدولة، وتحديدها ضمن الأعمال الرسمية وجعلها حصانة نسبية ،هي توسع النشاطات التي تقوم بها الدول فبعد أن كانت قاصرة على الإعمال الحكومية المجردة توسعت لتشمل الأعمال التجارية، وبذلك ظهرت بمظهر الشخص العادي المجرد من السيادة والسلطة  وبوصفها شخص يؤدي أعمال تجارية .

 

 

الفرع الثاني

 

القيود الاتفاقية

 

          لقد سجلت مبدأ الحصانة القضائية للمبعوث الدبلوماسي والقنصلي اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، والتي صادق عليها العراق بقانون رقم 20 لسنة 1962 ،حيث نصت المادة (31) على الحالات التي يعفى  فيها الممثل الدبلوماسي من الخضوع لولاية القضاء الوطني في المسائل الجنائية – المدنية، كما ذهبت في نفس التوجه اتفاقية فينا للعلاقات القنصلية لعام 1963، واتفاقية البعثات الخاصة لعام 1960 ،ومن تطبيقات الحصانة القضائية على مستوى التشريع الوطني نذكر، موقف  المشرع العراقي حيث سبق أن  نظم  عمل البعثات الدبلوماسية والقنصلية في الخارج عن طريق قانون رقم (15) لسنة 1936([4]) وهذا يعني انه سجل بعض القواعد العرفية في مجال الحصانة المقرر لمبعوثي الدولة الأجنبية  ،أما على مستوى القضاء الوطني  نذكر  ما  ذهب إليه  القضاء العراقي ، عندما لم  يعترف  بالحصانة القضائية للسفارة اليابانية في بغداد بمناسبة استئجارها لدار موطن عراقي من عام 1977 ولغاية عام 1991، وبعد ذلك استمرت السفارة واضع يدها على الدار بموجب نفس عقد  الإيجار ولغاية عام 2007 ، وكان الغرض من استئجار الدار  اتخاذه مدرسة لا بناء الجالية اليابانية حيث عد تصرف السفارة من الأعمال التجارية والتي لا تدخل ضمن الحالات التي أوردتها المادة (31/1/ج) أعلاه   ([5])، وهذا يعني انه  أذا مارست الدول نشاطات بوصفها شخص عادي مجرد عن السيادة والسلطة فتخضع لدولة ممارسة النشاط ، ومقابل  ذلك ذهب البعض إلى أن حصانه الدولة الأجنبية لا هي بالمطلقة وإلا النسبية ،إنما هي حصانه قضائية شبة مطلقة، والى  هذا المعنى كان اتجاه القضاء في مصر والكثير من الدول ([6])ونعتقد أن حصانة الدولة وممثليها حصانه نسبية  يقتضي في إطارها ألتفرقه بين تصرفات و نشاطات الدولة بوصفها شخص يتمتع بالسيادة فهنا تتمتع بالحصانة ،وبين تصرفات ونشاطات الدولة التي تمارسها بوصفها شخص عادي فلا تتمتع فيها بالحصانة القضائية ،وتخضع بذلك لقضاء الدولة التي مارست فيها ذلك النشاط . ونستدل على ذلك من خلال  موقف مشروع اتفاقية حصانات الدول وممثليها لعام 1991 الذي  اعتمد مبدأ الحصانة المقيدة[7]

 

 

      كما تتمتع المنظمات الإقليمية والدولية بالحصانة القضائية في الدول التي تمارس نشاطها فيها ،والى  هذا المعنى اشار معهد القانون الدولي في دورة انعقاده في فينا لسنة 1924 حيث أكد الامتيازات والحصانات الدبلوماسية لممثلي عصبة الأمم المتحدة[8]  ، كما نصت المادة (105/1) من ميثاق الأمم المتحدة على ( تتمتع الهيئة في إقليم كل عضو من أعضائها بالمزايا وإلا إعفاءات التي يتطلبها تحقيق أهدافها )، كما ذهب إلى اتجاه مماثل ميثاق منظمة اليونسكو في المادة (12) ،وكذلك ميثاق منظمة الصحة العالمية في المادتين (66،67)، وقد نشأة حصانة المنظمات بنفس الطريقة التي نشأة فيها حصانة الدول وممثالها ، وهي نشاء عرفية تحولت القواعد العرفية الحاكمة لها في ما بعد إلى قواعد اتفاقية .

 

         

 

          علما أن الحصانة القضائية للدولة وممثليها ليست امتياز إنما هي قيد على الاختصاص القضائي للمحاكم الوطنية للدولة . ويجوز للمبعوث الدبلوماسي القنصلي التنازل عن حصانته بموافقة دولته والتنازل هنا يمكن يكون مقيد اتجاه فقط الإجراءات القضائية والذي  يفضي  إلى خضوع الممثل للولاية  لقضائية للمحاكم دولة مزاولة النشاط ، كما يمكن أن يكون مطلق فيمتد ليشمل خضوع الممثل في الإجراءات، وتنفيذ ما يصدر عن القضاء الوطني من أحكام وطنية   .

 

 

 



[1] - استأذنا د. عصام العطية – القانون الدولي العام – الطبعة الرابعة-  بغداد -1987 – ص197

 

[2] - المصدر نفسه   -  ص15-16

 

[3] - منشور في الوقائع العراقية العدد 1688 في 2/2/1969  وقد أشار القانون إلى احترام ما ورد في اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية بشان احترام الامتيازات المقررة للمبعوث الدبلوماسي ومنها الحصانة

 

[4] -د.هاشم علي صادق – تنازع الاختصاص القضائي الدولي –مطبعة الانتصار –مصر -2002 – ص31

 

[5]- قرار محكمة التمييز رقم 164 / الهيئة الموسعة / 2007 غير منشور  علما أن  قضاء  محكمة التمييز استقر في مناسبات أخرى  على تمتع المبعوث الدبلوماسي بالحصانة القضائية المدنية في مسائل العقار قرار محكمة التمييز قرار رقم 859 هيئة المادة 187 اشار الية د. سهيل الفتلا وي –الحصانة القضائية للمبعوث الدبلوماسي في العراق – أطروحة دكتوراه – بغداد – 1979- 228 هامش (1) 

 

[6] - منشور في مجلة الوقائع العراقية العدد 1493 في 2/24/1936 .

 

[7] - ينظر بهذا المعنى أثير محمد مرتضى – حصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية – رسالة ماجستير – بابل – 2003- ص 45

 

[8] - د.فخري رشيد المهنأ – المنظمات الدولية – دار الكتب للطباعة والنشر -  القاهرة – ص 53 وما بعدها


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .