الفصل الخامس
تنازع الاختصاص القضائي الدولي
أن امتداد العلاقات القانونية بين الأفراد عبر الحدود يفرز جملة أوضاع منها حق الأفراد بالتمتع بالحقوق ، واستعمالها ، وأخيرا الحماية القضائية لها عند أثارة نزاع بين أطرافها.
وإذا كان التمتع بالحقوق عن طريق الجنسية أو الموطن، فان استعمال هذه الحقوق يثير موضوع التنازع الدولي بين القوانين ذات الصلة بهذه الحقوق ، وهذا الاستعمال ترافقه ضمانات تتمثل بالحماية القضائية لهذه الحقوق والذي بأثرها يطرح تنازع آخر يصطلح علية بتنازع الاختصاص القضائي الدولي،الذي يمثل الجانب الإجرائي لمشكلة تنازع القوانين ومثلما توجد قواعد حلول تنازع القوانين توجد قواعد لحلول التنازع بين المحاكم ، كما أن تلك القواعد تمارس من خلالها المحكمة صلاحيتها في تسوية النزاع ، مما يثر ذلك التساؤل عن أنواع الاختصاص القضائي الدولي، وطبيعة القواعد والإجراءات المتبعة في كل منهم ، ولأجل الإحاطة بالموضوع سنبحث ذلك من خلال مبحثين سنخصص الاول للتنازع في نطاق الاختصاص القضائي العام المباشر و الثاني للتنازع في نطاق لاختصاص القضائي العام الغير المباشر.
المبحث الاول
التنازع في نطاق الاختصاص القضائي الدولي العام المباشر
أن الاختصاص القضائي بوجه عام هو الصلاحية التي تملكها المحكمة للنظر في موضوع معين بالنسبة لباقي محاكم الدول الأخرى و يصطلح على اختصاصها في هذه الحالة بالاختصاص العام الدولي المباشر،إضافة إلى أنها تملك مقابل ذلك اختصاص قضائي خاص داخلي في أطار المنازعات التي تنشا بأثر العلاقات الوطنية التي تنتمي بجميع عناصرها لدولة المحكمة الناضرة في النزاع ،أي أن محاكم دوله ما أذا اختصت في نظر منازعة (دعوى ) معينة من الناحية الدولية ، فإنها ستختص من الناحية الداخلية اختصاصا قضائيا خاص ، وإذا لم ينعقد اختصاصها الدولي فسوف لا ينعقد اختصاصها الداخلي ، ويتحرك الاختصاص القضائي الدولي بمناسبة المنازعات القضائية التي موضوعها علاقات ممتدة بعناصرها على أكثر من دولة ، أما أذا كانت عناصر هذه العلاقات مركزه في محيط دولة واحدة فيطرح تنازع من طبيعة أخرى ألا وهو تنازع الاختصاص القضائي الداخلي .للإحاطة بالموضوع فسنعرض له من خلال مطلبين
المطلب الاول
التعريف بالاختصاص القضائي الدولي المباشر
يعرف هذا الاختصاص بأنه الصلاحية القضائية التي تملكها محاكم دولة ما بالنسبة لمحاكم باقي الدول في تسوية منازعة أو النظر في دعوى موضوعها علاقة ذات بعد دولي ، وتنظم ممارسة هذه الصلاحية عبر قواعد موضوعية تضطلع بتسوية النزاع بشكل مباشر ،وتكون هذه القواعد وطنية المصدر وتستند إلى معايير في ضوءها يتحدد مساحة ما تملكه المحاكم الوطنية من صلاحية من الناحية الدولية ، والقيود التي تحد من مباشرتها لهذه الصلاحية ، كما أن المحاكم الوطنية في سبيل تطبيق هذه القواعد تقوم بأعمال القانون الوطني على الإجراءات القضائية وبموجب هذا ألا عمال يستوي أطراف الدعوى أمام المحاكم سواء أكانوا وطنيين أم أجانب أم فقط أجانب ،لان قاضي النزاع سيطبق قانونه الوطني على الإجراءات القضائية بغض النظر عن صفة المتنازعين وطبيعة المنازعة طالما انعقد الاختصاص للمحكمة بموجب المعايير المعتمدة في قانون القاضي ، ودون وجود موانع أو قيود تحد من مباشرة للاختصاص علما أن التنازع في أطار الاختصاص القضائي العام المباشر اصطلح عليه البعض بتنازع الاختصاص القضائي وهناك من اصطلح عليه بالصلاحية الدولية للمحاكم الوطنية كما اسماه البعض بالإجراءات المدنية التجارية الدولية ().
ومن الجدير بالذكر أن القواعد الموضوعية (قواعد الاختصاص القضائي الدولي )() هي التي تحدد إجراءات مباشرة الاختصاص القضائي الدولي ،وهي قواعد ذات مصدر وطني فلا توجد قواعد دولية تعمل في هذا المجال أي أن المشرع الوطني يستأثر في تحديد الاختصاص القضائي لمحاكمه الوطنية دون أن يملك صلاحية تحديد نطاق اختصاص المحاكم الأجنبية في اغلب الحالات ،وهذا الاختصاص ألاستئثاري للمشرع الوطني في رسم حدود ولاية محاكمة وطنية نابع من أن الاختصاص القضائي مظهر من مظاهر سيادة الدولة فتحرص على رسم حدوده عبر قواعد وطنية . والأصل أن هذه القواعد مفردة الجانب لا نها تبين حدود الاختصاص الدولي القضائي للمحاكم الوطنية دون الأجنبية، وبمقارنتها بقواعد تنازع القوانين نجد أن الأخيرة مزدوجة الجانب فهي تبين نطاق تطبيق القانون الوطني وكذلك نطاق تطبيق القانون الأجنبي.إضافة إلى ذلك أن عمل القواعد الموضوعية لا يتقاطع مع عمل قواعد تنازع القوانين لان لكل منها نطاق ووظيفة، وهذا يعني استقلال عمل تلك القواعد ومن ثم عدم تداخل مجالات انطباقها ،هذا هو الأصل، ومن ثم استقلال وعدم تداخل الاختصاص القضائي والاختصاص التشريعي،وإمام هذا المبدأ يوجد استثناء يتحقق فيه التداخل والالتقاء بين الاختصاصيين ،و تكون هناك مساحة من التأثير المتبادل بينهما ، وعلية وللإحاطة بالحالات التي يستقل فيها الاختصاصين فيكونا بين دولتين عن الحالات التي يتحقق فيها التأثير المتبادل بينهما ومن ثم التقائهما لدولة واحدة كان لا بد من التعرض للموضوع من خلال فرعين .
الفرع الاول
استقلال الاختصاص التشريعي عن الاختصاص القضائي
من الناحية التاريخية كانت كل دولة تملك ممارسة الاختصاصين القضائي والتشريعي في حدودها الإقليمية، و في جميع أنواع العلاقات الوطنية والعلاقات الدولية الخارجية،و كان هذا الوضع في وقت كانت فيه السيادة لمبدأ الإقليمية المطلقة والذي حل محله مبدأ الشخصية المطلقة، وكان المبدائين مانعان من ظهور التنازع الدولي في المجال التشريعي والقضائي ،وبعد ذلك بدأت المجتمعات تجمع في العمل بين المبدائين فطرح مبدأ الإقليمية النسبية ومبدأ الشخصية النسبية، و الذي بأثر ذلك تحقق انفصال واستقلال الاختصاص القضائي عن الاختصاص التشريعي ، وكان ذلك منذ القرن التاسع عشر وقد وضع هذا التوجه الفقيه الألماني سافيني( )،وعندها ا صبح بإمكان ألدوله أن تمارس الاختصاصين في مجال العلاقات الوطنية الداخلية أي العلاقات التي تتصل بجميع عناصرها وأثارها بدولة واحدة ولكنها لم تستمر بنفس الممارسة في مجال العلاقات المتعددة الارتباطات بالدول ففي العلاقات الاخيره، يمكن لقاضي النزاع أن يطبق القانون الأجنبي فتكون محكمته مختصة اختصاصاً قضائياً دولياً في هذه المناسبة في حين ستختص دولة أخرى اختصاصا تشريعيا وهي الدولة التي أسندت قواعد التنازع لقانونها الاختصاص من الناحية التشريعية ،ولولا هو هذا الاستقلال لطبقت محاكم كل دولة قانونها ولم يعد بعد بالإمكان من وجود القانون الدولي الخاص()
والبعض يرى اندثار موضوع تنازع القوانين ()، ونعتقد أن تطبيق المحكمة لقانونها الوطني يلغي وجود موضوعين تنازع الاختصاص التشريعي وتنازع الاختصاص القضائي من حصة القانون الدولي الخاص .
وتقف وراء استقلال الاختصاصين جملة عوامل أهمها استقلال الاعتبارات التي يقوم عليها كل اختصاص، فاعتبارات الاختصاص القضائي تختلف عن اعتبارات ومعايير الاختصاص التشريعي ،وهذا يطرح اختلاف وظيفة القواعد الموضوعية عن وظيفة قواعد تنازع القوانين، فبينما تؤدي القواعد الأولى وظيفة لاعتبارات تتعلق بالسيادة والاستقلال وتحقيق الأمن القانوني والاطمئنان لجميع الوطنيين والأجانب المقيمين على إقليم دولة المحكمة ،فان القواعد الثانية تؤدي وظيفتها باتجاه البحث عن أفضل القوانين ملائمة للعلاقة موضوع التنازع وتحقيق اكبر قدر من العدالة ()، ومع ذلك فكل من القاعدتين تعملان على فض التنازع ،وان استقلال الاعتبارات التي يقوم عليها الاختصاصين وكذلك القواعد المنظمة لكل منهما يطرح أمكانية وجود دولتين تختصان في العلاقة ، احدهما تملك ممارسة الاختصاص القضائي ،والأخرى تملك ممارسة الاختصاص التشريعي ،وهذا الاستقلال لا يمنع من اجتماع الاعتبارات أعلاه في دولة واحدة تكون هي صاحبة الاختصاصين ،فقوانينها أكثر ملائمة للعلاقة وعدالة لإطرافها كما أن تلك العلاقة تتصل بمحاكمها بصلات أقوى وأوثق، فتكون داخلة ضمن محيط الولاية القضائية لها ومن ثم تكون تلك المحاكم قدر من غيرها على ضمان نفاذ أحكامها على المستوى الدولي.
الفرع الثاني
التأثير المتبادل للاختصاصين التشريعي والقضائي
من الثابت أن تنازع الاختصاص التشريعي (تنازع القوانين ) سابق على تنازع الاختصاص القضائي (تنازع المحاكم) ،ذلك لان اتصال العلاقة القانونية عن طريق عناصرها بعدد من الدول من وقت نشوؤها يطرح تنازع تشريعي سابت تنبعث فيه الحركة في ظل وجود اختلاف أو منازعة مابين أطراف العلاقة تطرح على القضاء وفي هذا الوقت سينتقل تنازع الاختصاص التشريعي من حالة السكون إلى حالة الحركة، وفي نفس الوقت يتحرك تنازع الاختصاص القضائي، وعندها يمكن أن يجتمع الاختصاصين لدولة واحدة بفعل التأثير المتبادل للاختصاصيين التشريعي والقضائي ،ويمكن أن نجمل الحالات التي يلتقي فيها الاختصاصين لدولة واحدة بما يلي :-
1- أجراء التكييف حيث ينعقد الاختصاص القضائي في هذه المسألة لدولة قاضي النزاع، كما ينعقد لها الاختصاص التشريعي لان القاضي سيطبق قانونه الوطني في التكييف كما لا حضنا في موضوع تنازع القوانين .
2- تطبق قواعد الإسناد، فقاضي النزاع في الوقت الذي انعقد له الاختصاص القضائي في التكييف سيكون حتما له الاختصاص في اختيار قاعدة الإسناد الملائمة في ضوء تحديد طبيعة العلاقة عن طريق التكييف، كما ينعقد لدولة القاضي الاختصاص التشريعي، لأنه سيطبق تلك القواعد وهي عبارة عن قواعد وطنية وإرادة ضمن تشريعه الوطني ، وان كانت تقضي بتطبيق قانون أجنبي فالتطبيق لقواعد الإسناد يكون ابتدأ قبل تطبيق القانون الذي تشير بتطبيقه.
3- مخالفة القانون الأجنبي للنظام العام في دولة قاضي النزاع يحقق تلاقي الاختصاصين حيث سينعقد الاختصاص القضائي ابتدءا لدولة القاضي في نظر المنازعة ومن ثم إسناد الاختصاص للقانون الأجنبي ، وفحص الأخير ، وإحلال القانون الوطني محل القانون الأجنبي لمخالفته للأول تكون عبارة عن عودة الاختصاص التشريعي لقانون القاضي لان استبعاد القانون الأجنبي كليا أو جزئيا يستتبع الحلول لقانون القاضي .
4- تعذر الكشف عن مضمون القانون الأجنبي، حيث سيطبق القاضي صاحب الاختصاص القضائي قانونه الوطني بوصفة صاحب الاختصاص الاحتياطي التشريعي فيجتمع هنا مره أخرى الاختصاصين لدولة واحدة.
5- دعاوى العقار حيث تحرص جميع دول العالم على إخضاع العقار لقانون موقعه، وحصر الدعاوى المتعلقة به لمحاكم موقعه ،لأنه جزء من الإقليم والأخير احد أهم أركان ألدوله وهذا يعني أن دولة العقار أكثر ملائمة وعدالة بقوانينها للعلاقات المتعلقة به، كما أنها اقدر على تحقيق الأمن والاطمئنان بواسطة محاكمها لتسوية المنازعات المتعلقة به .
6- الإجراءات المستعجلة والوقتية، حيث ينعقد فيها الاختصاص القضائي للمحكمة الدولة الكائن فيها موضوع هذه الإجراءات للمحافظة على الحقوق، ودرء المضار
، ووقاية أصحاب الحقوق من فوات المنافع ،ومثال ذلك اختصاص دولة قاضي النزاع العراقي قضائيا بنظر دعوى طلاق مواطنه فرنسية متزوجة من مواطن فرنسي فضلاُ عن اختصاصها التشريعي لان القاضي العراقي سيطبق القانون العراقي في تقرير نفقة مؤقتة للزوجة لأنها مسالة إجرائية فنية مستعجلة يتطلب أن ينظر بها القاضي ،وفقاُ للقانون الوطني رعاية لمصلحة المقصود بالحماية إلا وهي الزوجة في هذه الحالة .